الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

سيرتي والذكاء الاصطناعي

يحيى أحمد محمود

مقالة

تاريخ النشر: 2026/05/23
اقرأ للكاتب
ألجأتني الظروف إلى مراجعة سيرتي المهنية، فلم يعجبني ما رأيت.
ومن ثم، فقد فقررت الولوج إلى القرن الحادي والعشرين واستخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدتي في الحصول على الوظيفة التي سيأخذها مني لاحقًا في غضون أسابيع.
قلت له: من فضلك يا ذكاء، أريد منك أن تراجع سيرتي المهنية، من البذور والجذور والثمر، وتحولها إلى شيء يسر الناظرين ويجذب أرباب الأعمال.
أريد تطوير هذه السيرة بإزالة العشوائيات والخضرة والمباني التاريخية وإنشاء كباري علوية وساحة انتظار سيارات ونادي ترفيهي يشتمل على أول حديقة مصنوعة بالكامل من البلاط الموزايكو المعزز بالظهير الأسمنتي، ومجمع مطاعم فراخ مقلية وحلويات سكرية بأسماء ذات حمولة جنسية، لكي تواكب روح العصر ومتطلبات سوق العمل.
كان أول ما فعله الذكاء الاصطناعي تطعيم منجزاتي المهنية بألفاظ براقة صخابة تشبه قرع الطبول ورنين الأجراس وصليل الصوارم وهدير البوسطة. فأنا مثلاً لم أشرف على كذا وكذا. لا. بل كنت رأس حربة هذا الأمر من أقصاه إلى أقصاه.
راقني ذلك. ليس تعظيمًا لنفسي ولا تشبعًا بما لم أعط، لا سمح الله، بل لأن هذه المبالغات اللفظية الكاريكاتورية تستهويني وتضحكني.
لكن الذي ضايقني، والذي أجرى دموعي عندما، كان حذف الذكاء الاصطناعي لقسم كامل في سيرتي وضعت فيه أنشطتي اللاصفية.
ولا بد أن الذكاء رأى هذه الأنشطة الطلابية على غير وفاق مع سيرتي المضخمة والمنفوخة والمكفتة بالفضة والمطعمة بالمصبعات النحاسية والأطباق النجمية والأشكال الكمثرية.
شعرت بالاغتراب وتذكرت بطل رواية من الظل لخوان خوسيه مياس الذي اكتشف أن مهاراته اليدوية وقدراته التقنية لا فائدة لهما في عالم اختار أن يرمي الأشياء التالفة عوضًا عن إصلاحها. يا ولد، هذا أنا! ولم يبق لي إلا الاختباء في الخزانة، كما فعل.
والعجيب أن الأنشطة التي كنت قد وضعتها سابقًا في سيرتي، بغية تقويتها ومدح نفسي من طرف خفي والإشارة إلى دوري المجتمعي وأنني مثقف مشتبك، هي صفوة أنشطتي، بعد حذف الأنشطة الأخرى التي قد تثير التساؤلات. فلم أضع إلا الأنشطة الرصينة.
فلم أذكر مثلاً أنني كنت عضوًا في اتحاد طلاب المهندسين السود في جامعة ماين (وهي جمعية غرضها تشجيع المزيد من الأمريكان الأفارقة على دخول كلية الهندسة لأن نسبتهم الحالية لم تكن تعجب صديقي روني الذي أقنعني بالانضمام للجمعية).
وكنت كذلك عضوًا في اتحاد طلاب السكان الأصليين لأمريكا. وكنت أحضر دورات لغات قبائل البينوبسكوت الأربع. ولا زلت أذكر: إكتيوا..؟ ومعناها: هل معك….؟
وكنت كذلك عضوًا في نادي رعاية الأغنام ونادي التوعية الجنسية. لكن أروع فصول العمل المدني، التي ضننت بها على السيرة المهنية، كانت الجمعية الوهمية التي أنشأتها إبان الثورة وهي أول وآخر جمعية تتكون من عضو واحد،
إذ كنت الرئيس التنفيذي وموظف الاستقبال والمتحدث الرسمي وعامل النظافة والسكرتير العام ورئيس الجناح السياسي.
صبت الجمعية كل تركيزها على محاربة سلوك كان يضايقني جدًا وهو رمي الزبالة في الشارع، فكنت أستهدف سواقي الميكروباص والمارة الذين يرمون أكياس الشيبسي في الشارع وأقول: مساء الخير.. معاك يحيى من جمعية "ياللا بينا ننضف المدينة".. البلد دي بتاعتنا كلنا وعايزينها تبقى أنضف وأحسن بلد يا ريت بلاش ترمي حاجة في الأرض.
ومن العجائب، والعجائب جمة، أن الناس، بما فيهم سواقي الميكروباص، كانوا يتقبلون نصائحي ويتجاوبون معها. والله العظيم مرة رمى أحد السواقين ورقة كان يلف بها فطيرة، فأخذت الورقة من الأرض وأعطيتها له وألقيت على مسامعه خطبة عن أهمية نظافة الوطن وأن هذا الموضوع من الأهمية بمكان، فتقبل الرجل موعظتي الحسنة ووضع الورقة على التابلوه وشكرني. وكان تمويل الجمعية معنويًا بالنظرات المعجبة بهذا الجيل الصاعد ودعوات أن يكثر الله من أمثالي.
كانت أيامًا من الفرح الغامر واللهو البريء. خرجنا لتنظيف الشوارع وكنس الطرقات ودهان الأرصفة وتطويق السجاجيد وتلميع كرانيش سقف الوطن. ولأيام قليلة بدت شوارع الوطن كأنها موقع تصوير فيديو كليب أو مسلسل عن الحارة المصرية في مدينة الإنتاج الإعلامي.
ثم ها هو الذكاء الاصطناعي، قبل أن يأخذ كل الوظائف ويصير هو العامل الوحيد والبائع الوحيد والشاري الوحيد، يوجه لي صفعة مجازية ويحذف أنشطتي اللاصفية باعتبارها منعدمة القيمة.
وُوليون. يعني شكرًا بلغة البينوبسكوت.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبك

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  9393