 | الذاكرة القوية والتركيزيحيى أحمد محمود | مقالةتاريخ النشر: 2026/03/29 اقرأ للكاتب |
من المسائل التي أفكر فيها كثيرا: كيف استطاع الدكتور طه حسين، رحمه الله، جمع المعارف وترتيبها وتأليف الكتب دون حاسة البصر؟ المذاكرة مفهومة، وفي تاريخنا لم يكن فقدان البصر عائقًا عن طلب العلم، وعندنا في الأزهر "رواق العميان" الذي كان مخصصًا للطلبة المكفوفين. لكن التأليف عملية صعبة ومعقدة وتتطلب مهارات كثيرة. ثم شاهدت فيلمًا وثائقيًا عن الشيخ محمد سالم البيحاني، أول يمني يحصل على العالمية من الأزهر وأول يمني يعتلي منبره للخطابة. كان الشيخ أيضًا ضريرًا، والذي دفعني إلى الاهتمام به أنه ألف منظومة من ٤٣٠٠ بيت بعنوان "أشعة الأنوار على مرويات الأخبار" يشرح فيها التاريخ الإسلامي من قبل ولادة النبي عليه الصلاة والسلام انتهاء إلى العصر الحديث واحتلال عدن وما إلى ذلك. شيء عجيب. دع عنك القدرة على النظم واستيعاب الأحداث، لكن تأليف هذه المنظومة يتطلب ذاكرة جبارة لا يستعين فيها صاحبها بأوراق وملحوظات ومسودات. طبعًا استعان الشيخان بمن يكتب لهما ومن يقتبس لهما من المراجع، لكن هذه الاستعانة فرع عن حفظ المعلومات وأرشفتها في الذهن. والسؤال: ما الفارق بيننا وبينهم؟ هل المسألة ترجع إلى العبقرية الفردية فحسب؟ الذي توصلت إليه أن التركيز هو سر الذاكرة القوية. ومفتاح التركيز نفي الشواغل والاستغراق وتهيئة النفس لفعل الشيء الواحد في الوقت الواحد لفترة طويلة حتى تصير تلك عادة، ثم العمل باعتبار أن نصيبك من المعرفة هو ما تختزنه في نفسك لا ما تسجله. لكننا ضعيفو الحفظ لأننا محرومون من نعمة التركيز. أكثرنا مصاب بالتشتت والتعفن الدماغي والحاجة إلى تصفح الرسائل والإشعارات إلخ. لكن لا عن هذا المستوى أتكلم، بل حتى المجدين قلما يصلون إلى التركيز الشديد والاستغراق فيها يفعلون، وهذه النعمة محروم منها أكثر الناس في عصرنا الحالي (أتذكر في مراهقتي ساعات طويلة من القراءة كانت تملأ كياني بالبهجة حتى كنت أحلم بمحتوى ما كنت أقرأ، ثم تعذر هذا بعدها مع كثرة المشاغل واعتياد التشتت) ويبدو أن هذا القدر من التركيز لا يتأتى إلا باستغراق تام لساعات طويلة بحيث يتأهل المخ إلى الحضور، فيصل إلى هذا النوع من اللذة النادرة. (وهناك أبحاث معاصرة تتكلم عن هذا الأمر مثل تقنيات العمل العميق (deep work). فإذا انضاف إلى هذه اللذة اليقين بعدم وجود وسيلة أخرى للحفاظ على المعرفة، انتبهت الحواس. فمن يسمع شيئًا وهو يوقن أنه لا سبيل إلى حفظه في غير ذاكرته فإن الكلمات تنحفر في الذهن وتقوى الذاكرة، بخلاف من يستعمل ذاكرة بديلة في صورة أوراق أو ملفات وورد (وارجع إن شئت إلى قصة الإمام الغزالي وقطاع الطرق). أحيانا ألجأ إلى تسجيل ما يعجبني لكن هذا التسجيل يعطي إشارة للمخ أنه لا بأس ولا ضرورة لحفظه في الراس ما دام محفوظًا في الكراس. وتقوى هذا المعنى في نفسي عندما قرأت سيرة الشيخ أحمد طه ريان رحمه الله، الذي حكى عن امتحان حضره وفوجئ صبيحة الامتحان بوجود قسم كامل من المادة لم يكن يعلم عنه شيئًا، فطلب من زميل له أن يشرح له. سأله عن التعريفات والأقسام واستمع إليه بانتباه شديد كأن مخه جهاز تسجيل، حتى إذا دخل الامتحان وجد الأسئلة فكتب ما سمعه من زميله. لا ريب أن هذا من توفيق الله للشيخ، لكن فيه أيضًا معنى سببي وهو هذا التركيز الشديد المهيأ للحفظ. سر الحفظ والاستيعاب هو التركيز. وليس التكرار إلا وسيلة لنفي الشواغل واستجلاب هذا التركيز. (بل يمكن أن تقارن هذا بذكر الله، حيث يؤدي طول الذكر باللسان إلى حضور القلب) ثم تذكرت نصيحة غالية سمعتها من شيخ فاضل تعليقًا على تململ بعض الطلاب من طول المجالس قال: تمرنوا على هذا فإنكم بحاجة إليه. جرب أن تفعل هذا في بيتك. ذاكر من بعد الفجر إلى العشاء وواظب على هذا الأمر وسترى أنك تغيرت. لو فعلت ذلك بتركيز لشهرين صرت عالمًا. طبعًا لا يقصد الشيخ أن العالمية تتحقق في شهرين، لكن يقصد أن ما يكتسبه الإنسان من مهارة اعتياد التركيز المتواصل لمدة شهرين في أمر واحد لا يتعداه إلى سواه من أسباب تهيئة الذهن للتركيز والحفظ والاستيعاب، والله أعلى وأعلم. |
|