الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

صبر ساعة

يحيى أحمد محمود

مقالة

تاريخ النشر: 2025/08/06
اقرأ للكاتب
عندي قناعة راسخة، نحتتها الأيام، أن الإنسان إذا فهم نفسه سيكون قادرًا على فهم جميع البشر (أو أكثرهم).
تبدو هذه الجملة سهلة لكنها ليست كذلك لأن فهم النفس من أصعب المهمات. وما أكثر ما يخدع الإنسان نفسه خوفًا من تبعات هذا الفهم، وما أكثر ما يعتري هذا الفهم من أوهام، وما قادك مثل الوهم.
أقول هذا لأن من الأسرار العجيبة لهذه الحياة أن الآخرين بشر أمثالنا.
ولهذا السر، فإن الأديب البارع هو الذي يحسن التعبير عما في نفسه لا ما في نفوس الآخرين؛ لو استطاع الكاتب فهم نفسه والتعبير عنها بصدق، سيصبح كاتبا عظيمًا لأن البشر سيرون أنفسهم فيه. أما الكاتب الذي ينشغل بوصف الاخرين، فإنه يفشل لأنه يفترض أن الخلافات بين البشر خلافات نوعية، ثم يضع تفسيرات من عنده، كأنما ينظر إلى الإنسان من خارجه. يتكلم عن الآخرين كما يتكلم عالم النباتات عن الأشجار مثلا.
أما من يصف نفسه بصدق فإنه يصف الآخرين لأن الناس متشابهون. وهذا سر نجاح كل أديب ناجح.
ولهذا يصيبنا الأدب الجيد بالدهشة اللذيذة، لأننا نعتقد في قرارة أنفسنا أننا متفردون، وهذا ليس صحيحًا على الإطلاق. وهم التفرد هذا من أكبر الأوهام المسيطرة على الإنسان.
معظم التجارب الإنسان واحدة في جوهرها: تجربة الأبوة والأمومة والحب والتقدم في العمر، والفقد، والحرمان، ومشاعر الخوف والحسد والغضب والملل والكراهية والإيثار وغير ذلك.. كل هذه تجارب إنسانية يفهمها البدوي في الصحراء والعالم في ناسا والثري في فيينا والقروي في الأمازون والجندي على خط الجبهة وغيرهم. كل هذه الخلافات قشور تغطي لبًا واحدًا يشترك فيه جميع البشر من حيث هم بشر.
ولهذا قد نجد السلوى والعزاء في رواية لأديب دنماركي أو قصيدة لشاعر جاهلي. لأن الأمر لا ارتباط له بالزمان ولا بالمكان، وإنما بالتجربة الإنسانية وصدقها وبراعة الأديب في التعبير عنها. حينها ينكسر طوق وحدة الإنسان وتنتعش روحه بهذا الشعور التحرري اللذيذ بالصلة مع غيره من بني آدم.
وليس هذا الأمر مقصورا على الأدب، بل هو ذاته في سائر العلاقات الإنسانية مثل الحب والصداقة والتجارة وغيرها. أقدر الناس على فهم أنفسهم، أقدرهم على إدارة علاقاته بغير من البشر.
وهذا أيضًا واحد من أهم مفاتيح فهم السياسة؛ العدو بشر. ولا أقصد هنا الأنسنة (أي إضفاء الطابع الإنساني على الآخرين بغرض التعاطف) بل أقصد أنه تعتريهم النوازع البشرية التي تعترينا وتحركهم الدوافع التي تحركنا. كل ما خطر ببالك فالآخرون كذلك. وأول خطوات مواجهة العدو، أن ندرك هذه الإنسانية.
لكن الإنسان يميل إلى تجريد أعدائه والوقوع تحت طائلة الهالة السحرية للقادة والمشاهير والزعماء وأسماء الكيانات التي تتكرر في وسائل الإعلام فتكتسب مهابة غير بشرية.
العدو بشر، غير خارق للعادة، يقهره النوم والجوع والعطش والحاجة إلى طرح ما أكله، ويحركه الخوف والطمع، ويؤثر فيه الفعل والقول، ومر الزمان.
وبهذا أفهم قول الله تعالى "إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون". لأنهم بشر. هذه الحقيقة هي التي أستمد منها الأمل.
سئل عنترة بن شداد: كيف تغلب أعداءك؟ فقال لمن سأله: ضع إصبعك في فمي، وأضع إصبعي في فمك، وليعض كل منا بنان الآخر. فلما فعلا ذلك، صرخ خصم عنترة، فقال عنترة: لو لم تصرخ، لصرخت أنا. إنما النصر صبر ساعة.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  4939