 | صديقي النحوي الياباني أحمد تاكيدامحمد خالد الفجر | مقالةتاريخ النشر: 2020/03/22 اقرأ للكاتب |
في محاضرة من محاضرات أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين -رحمه الله تعالى- وهو يقترح مشروعًا استثماريًّا في الحج، يقوم على تخصيص مبلغٍ ماليٍّ من مخصصات طباعة القرآن الكريم؛ لتعليم غير العرب في الحج قراءة الفاتحة بأصواتها العربية ووفق قواعد التجويد، التفت إلى طالب ياباني وهو يقول: وسأريكم الآن حقيقة ما أقول في عدم تمكن غير العرب من النطق ببعض الحروف العربية، اقرأ لنا يا أحمد من القرآن، فقرأ قراءة جعلتنا ننصت إنصات المتعلم مع شخص ياباني يعطيك الابتسامة كلما نظرت إليه. فوجئ أستاذنا وسأله من فوره، أين تعلّمتَ يا أحمد، وإذا بأحمد قد قام بجولة في بلاد المسلمين لتعلم العربية والقرآن، وهذا شجعني على التعرف عليه أكثر، وقفت معه وسألته عددًا من الأسئلة، ثم تلا هذا اللقاء صداقةٌ دامت واستمرّت سنوات، ولكن أحداث الزمن فرّقتنا وما زالت كلماته وشخصيته تحضر معي، كلما رأيت نفاقًا في شارعنا الإسلامي، وتديُّنًا زائفًا من شخصياتٍ دفعَتْ عددًا من الذين أسلموا اتّباعًا لا اقتناعًا إلى الخروج من الإسلام، كما نرى اليوم في (صرعات) اليوتيوبريين الملحدين الجُدد. وسأترك السطور الآتية تعرض مقتطفاتٍ من حياة أحمد، وصورًا من مواقفي معه: أحمد كان بوذيًّا يابانيًّا، لكنه من صِغَرهِ أحاطه أهله بالكتب، فقد كانت أسرته عندما تذهب إلى التسوق تضعه في مكان للعناية بالأطفال في مركز التسوق، وكان هذا المكان يحيط الأطفال بالكتب والروايات والقصص، ومن هنا بدأت صداقته بالأوراق وتقليبها، ثم نمَتْ حتى دخل قسم الإنكليزية وحصل على الترتيب الأول، فنال بعثة إلى بريطانيا لدراسة اللسانيات، ومع هذه الرحلة كان سؤال يرواده دائمًا ما هو الطريق الذي يوصل إلى السعادة في الدنيا، لم يجد إجابة مع أصدقائه الذين كانوا يرتادون الملاهي الليلية، فقد ذهب مرّةً ليرى هل تُعطي هذه الملاهي سعادةً؟ وصُدِم بعد نهاية السهرة وعودة العَبْرة إلى أصدقائه الذين كانوا يرقصون ويهيجون ويضربون الكؤوس؛ وإذا بهم ينقلبون إلى محبطين يائسين بعد انتهاء السهر والسمر في اليوم التالي. ويكتب القدر أن يتجوّل في أوربا بمدنها الجميلة وشوارعها النظيفة، وينتقل به عصا الترحال إلى قرية نائيةٍ فقيرةٍ في تايلاند، وهناك يلتقي برجل يكد ويعرق ويتعب، ولمس عنده الرضا والطمأنينة، ولما سأله كيف حالك؟ فوجئ بقوله: في أحسن حال والحمد لله. فسأله كيف في أحسن حال وأنت تتعب هذا التعب؟! فقال: هذا قدر الله لي وكلّ ما يقدِّره هو خير، وأنا راضٍ والحمد لله. حرّك هذا اللّقاء في قلب أحمد تساؤلًا محورُه ما معنى إله المسلمين، الذي يُعطي الإنسان هذا الرضا وهذه الطُّمأنينة؟ استمرّ في ترحاله وتصل به رحلته إلى حلب إلى المركز الياباني الذي كان قد افتُتح حديثًا في جامعة حلب وهناك تعرّف على أحد الأساتذة الذي استضافه في بيته، وفي البيت قام الأستاذ وصلّى مع أولاده أحد الأوقات، في المرة الثانية استأذن أحمد الأستاذ في مشاركته لهم في أداء حركات الصلاة، نالت الحركات إعجابًا لديه. ثم يقدّر الله أن يسكن في غرفة فندقية في القاهرة؛ وإذا بالذي كان فيها قد ترك كتابا بالإنكليزية عن الإسلام، فبدأ أحمد بقراءته قراءة متأنيةً، وكانت هذه القراءة النافذة لبدء قبوله لدين الإسلام. عاد إلى اليابان وكان قد سمع عن مدير المركز الإسلامي فالتقاه هناك، وبعد قراءاتٍ متأنية أخبره بأنه يريد دخول الإسلام، كان مدير المركز الياباني برفسورا يابانيًّا في اللغة العربية، وعندما سأله أحمد عن كيفية فهم الإسلام بكلّ دقائقه، أجابه مدير المركز إذا أردت فهم الإسلام، فعليك أن تعرف لغته معرفةً دقيقةً، ولا يمكنك ذلك إلا بتعلُّمها في موطنها وعند أهلها. سافر إلى الكويت والتحق بدوراتٍ لتقوية العربية ودورات لتعليم تجويد القرآن الكريم، والتحق بقسم اللغة العربية بإحدى الجامعات اليابانية وكتب القدر أن يتزوج بفتاة مصرية كانت مبتعثة إلى اليابان وتعرف عليها في المركز الإسلامي، فكان في الإجازة التي يعود فيها هو وزوجته إلى مصر يلتحق بمحاضرات دار العلوم، ومعهد البحوث الإسلامية، وغيرها من الندوات والمحاضرات. تحولت العربية إلى معشوقة أحمد تاكيدا، وكان مكلَّفًا من قبل قسم العربية بكتابة بحث أو بحثين -لا أذكر بالضبط- عن العربية والكتابات التي تتناولها وخاصة في ميدان النحو، فكان يطوف البلدان العربية جامعًا باحثًا، ينتقل بين عدد من دول المشرق العربي ومغربه؛ لكتابة بحثٍ أو بحثين، جامعا للمخطوطات والكتب، وكان يواظب على حضور خطبة أساذنا الكبير الدكتور عبد الصبور شاهين -رحمه الله تعالى- في حدائق القبة ونحن في الحافلة قال لي: تعرف يا محمد! أنا قلق الآن، أختي ستأتي وهي تريد السياحة والتجول وأنا عندي الوقت محسوب بالثانية، فالعمر يا صديقي أقصر من أن نحقِّق كلّ أحلامنا، فلا أعرف كيف سأضبط وقتي؟ قلت له أحمد: ما طموحك في الحياة؟ فأجابني بقوله: يا محمد طموحي أن أموت ويكتب على قبري، هنا يرقد النحوي الياباني أحمد تاكيدا. يومه في مصر كان وفق الآتي: في الثامنة يشرب فنجان قهوة ثم يخرج إلى مكتبة مجمع اللغة العربية، ثم إلى سور الأزبكية، حيث يفتش عن كتب التراث التي لم تعد طبعاتها متوفرة، وإن كان ثمة محاضرات للدكتور عبد الصبور في دار العلوم يحضرها، وفي المساء كان مواظبا على حضور محاضرات معهد البحوث الإسلامية. صحبته مرّة في سور الأزبكية وكنت ألتقط الكتب التي تُعنى باللسانيات والبنوية ونحو النص وغيرها، ولفت انتباهي أنه لا يعير هذه العناوين أيّ اهتمام، فسألته قائلا: أحمد لماذا لا تأخذ من هذه الكتب؟ فقال لي: محمد، أنا درست اللسانيات الإنكليزية في بريطانيا كما تعرف، صدقني يا صديقي، في تراثكم من النظريات اللغوية ما يفيض على ما درسته هناك،كان يهتم بالسؤال عن أدق ما يتعلق بالكلمات وتخريجها النحوي، ووجوه الاستعمال اللغوي للتراكيب العربية، ومعاني الكلمات وتأصيلها وتأثيلها، وكان يقول لي: أنا الحمد لله أفهم الآن العربية نثرًا لكن رغبتي الشديدة الآن هي العيش مع روح الشعر العربي؛ ولذلك أنوي أن أتعلم العروض. ونحن نسير في الشارع سألته: ما الذي لفت انتباهك في سلوك المسلمين العرب؟ فقال لي: كثرة الحلف بالله، وعدم الشعور بعظمة الاسم المنطوق عند الحلف، إنه الله يا محمد، فكيف يستعملون اسمه في أصغر المواقف. في زحمة السير يقول لي: هل يوجد مسجد؟ قريب قلت له: نعم، دخلنا المسجد صلَّيْنا ونحن خارجان قال لي: تعرف يا محمد، منذ دخلت الإسلام وإلى الآن إذا كان الضجيج وهدير الأصوات محيطا بي، فإنني عندما أدخل في الصلاة أنفصل عن كل هذه الأمور. كانت أمنيته أن تدخل أخته في الإسلام، فقد بدأ في إقناعها به، أكثر نصيحة كان يردّدها: يا محمد أرجوك ابتسم دائما، فلا شيء في الدنيا يستحق أن نغضب لأجله. كان إيمانه إيمان العالم. أحمد اليوم أستاذ دكتور (برفسور) باللغة العربية، وما زال على نشاطه السابق يطوف البلدان خدمة للعربية والإسلام، هذا هو صديقي النحوي الياباني أحمد تاكيدا. |
|
| نسأل الله أن يثبتنا وإياه ويختم لنا وله بالإسلام. |
|
| اللهم اعز الاسلام والمسلمين |
|