الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

الأستاذ راشد الزبير.. سمتٌ وأدب

محمد الصادق الخازمي

سيرة

تاريخ النشر: 2020/10/03
اقرأ للكاتب
لم تكن معرفتي بالسيد راشد الزبير السنوسي قديمة، ولا طويلة أيضا، لكن يُنتفَع بالقليل من أهل الفضل ما لا يُنتَفَعُ بكثير من لقاءات بغيرهم، أو بمن هم دونهم.
وكثيرا ما أحدث نفسي أنّني أنجذب لمن يتركون في نفسي ذكرى، أو من يعلّمون الروح مأْثرة، أو من يكون سماء أفقهم واسعا فيرتفع نظرك معهم عاليا، كأنهم خلقوا ليرشدوا، أو كأنهم الغرباء الذين لا يشبهون الناس.
وعندما تُكتَب التراجم يركّز الباحث على الميلاد، والنشأة، والتعليم، والرحلات، والآثار العلمية، وعندي أن التقاط بعض المواقف في حياة الشخصية أكثر ترجمة له من الطريقة التقليدية، فحياة الإنسان ليس بتاريخ مولده؛ بل بمدى تأثيره، وبالعبر من حياته التي يرشد فيها، ويؤثر بها.
وقد كان الشيخ راشد مؤثرا بالفطرة التي فُطِرَ عليها؛ بسمته، وهيئته، وأدبه، ووقاره، فلا تذهب العين أبعد منه حينما تلقاه، و لا يكون معك –وهو يؤانسك- مرتديا ثوب المعلم أو الأستاذ والمرشد، بل هو الأخ، والصديق الطروب، الذي يتذوق النكتة، وتعجبه اللمحة، ويروي الطرفة، وتبرق عيناه حماسة إن أصغيت إلى شعره بروح المتذوق العارف.
وهذه بعض مواقف(1) اخترت أن أجعلها لُـمَحا منفصلة، تروي شيئا من أدبه، ومما أفدته منه:

(1)
أذكر أنني في أول لقاء خاطبته ب(سموّ الأمير)، فاحتملها مرة، وأخرى، وفي السادة السنوسيين –كما تعرفون- أدب جمّ، وخلق عظيم، وسمت حسن، هو أصلٌ فيهم -أهلَ بيت-، ثم قال لي: إنّ الملك إدريس -الله يرحمه ويسامحه(2)- قد أصدر قرارا يحصر الـمُلْك فيه وفي أخيه، وإننا منذ ذلك الوقت من عامة الشعب ولسنا أمراء، فاعفني من هذا اللقب، بارك الله فيك. ثم استطرد، وفلان أيضا كان يناديني به، أظنه قال ذلك مؤانسة منه وتحببا.
ثم كنت أستخدم بعد لقب (الشيخ)، وهو خليقٌ بكل ألقاب الشرف والنبوغ، ومن عادة الناس أنهم يخاطبون من ينتسبون لآل البيت بالسيّد.

(2)
وممّا أذكره للشيخ راشد -أطال الله عمره- أنه علّمنا فضل الوَقْع الأول للكلمة، وأن اختيار الشاعر لعباراته فيه شيء من إلهام أحيانا، وطاف كلامه حول هذا المعنى، وأذكر له أنه قال باللفظ لصديق استفسر عن كلمة في شعره: "إن العرب لا تنظر في أعطاف شعرها".
ومازال في نفسي أن كثرة التهذيب والتعديل في الفن قد تُذهِب بريق الموهبة، وتنحو بالجمال منحى العقل، والجمالُ نفسيٌّ بالأساس، مبهم التفسير، مع وضوح الأثر.

(3)
كنت مولعا بالتقاط (شوارد) الشعر الليبي، وقد جمعت منها قدرا صالحا، وأعانني على ذلك تفرغي التام وقتها في القاهرة، وعرضت على الشيخ راشد هذا البيت، وكنت أقف عنده مُسْتملِحا مستعذِبا:
معوّداتٌ ظنوني كلما طمحت * لغايةٍ أن تُدجِّي صبحَها السُّجُفُ
وكنت أتردّد في نسبته إليه أو إلى الشاعر الفخم حسن السوسي، وليست أوراقي بيدي حينها، فقال: "بل هو لي، وأنا لا أحفظ جميع شعري".
ومن خَبِر شعر الشيخ راشد -وخاصة قديمه- يعرف صلابة ألفاظه، وفصاحتها، فأبياته تشي بنفسها، وتجربته العميقة الغور متفردة في بنائها وزينتها.

(4)
وأذكر أني عرضت عليه قصيدة (أدمنيني)؛ فوجّهني لِمَأْخَذ الشعر، ودلّني على مذاهبه، وهذّب شطرا منها، هو:
أدمني لهفتي ونزف جراحي
فكان شطرا حبيبا إليّ بعد.

(5)
روى لنا شيئا من أدب السجون، وفي السجن أدب كثير، ونُخبٌ من أفاضل البلد، وربما روى لنا بعض الطُّرف، فسألناه، وتمزحون أيضا هناك؟ "فأجاب: بلى، والله، ونضحك حتى تدمع العينان!" لم ينل السجن من أرواحهم أبدا.

(6)
ولا تخلو الجلسات من أحاديث التاريخ الليبي، وقد جاء الحديث مرة عن كفاح التحرير، وكيف أن السيد إدريس قد استطاع إقناع الحلفاء بقضية بلاده، وبدأ بعدها تكوين نواة جيش التحرير السنوسي من المهاجرين الليبيين في مصر، ومن الأسرى الليبيين عند قوات الحلفاء، وكان السيد شمس الدين السنوسي مندوب الأمير إدريس يعرض عليهم الانضمام؛ فكانت المسارعة إلا من فئام من غرب ليبيا خافوا بطش الإيطاليين على أهاليهم؛ إذ ما زال الغرب الليبي تحت سيطرة إيطاليا ذلك الوقت.
ورأى المجاهدون أن انضمامهم لجيش التحرير السنوسي كفّارة لقتالهم تحت (بنديرة)(3) الطليان، ومعلوم أن إيطاليا جندت كثيرا من الليبيين للقتال في صفوف جيشها، ومن طريف ما رواه لنا الشيخ راشد أن المجندين عند انضمامهم للجيش السنوسي (كشّكوا):
حتى السيّة اللي درناها * سيدي شمس الدين محاها

(7)
ولأحاديث الجهاد الليبي اهتمامٌ عند الشيخ راشد -أطال الله بقاءه، ومتعه بالصحة والعافية- ومن ضمن ما ذكر لي أنه أضاف عمّه السيد الشريف القائد المجاهد صفي الدين السنوسي، فحدّثه عن معارك الجهاد التي حضرها، وقال له:"سلني عمّا بدا لك، فأحداث الجهاد أذكرها باليوم والتاريخ بل بعضها أذكر ساعة وقوعها أيضا".
قال الشيخ راشد -ولعله يقرأ منشوري هذا- فسألته عن معركة القرضابية؛ هل راسله رمضان السويحلي قبل المعركة وأخبره أنه سينقلب أثناءها على الطليان؟
فقال: نعم، كان ذلك.

(8)
وفي باب فطنة النساء الليبيات؛ روى لي الشيخ راشد أن جده السيد أحمد الشريف كان ضيفا عند المجاهد عبد الحميد العبار، فبالغ في إكرامهم والاحتفاء بهم، غير أنه لاحظ شيئا عرضه على أمه:
- يا أمّه! إن الشريف لا ينال شيئا من الأكل!
- أيأكل أصحابه؟
- نعم، يأخذ هو شيئا يسيرا، ثم يدعو أصحابه للأكل، ويظهر كأنه يجاملهم، ولكنه لا ينال شيئا!
فأجابته السيدة الجليلة:
- ما أظن إلا أن السيد يشكو أسنانه، فيشق عليه اللحم، والأكل، وسأصنع له شيئا لا يشقّ عليه.
وفعلت، فسُرّ الشريف بذلك، ونال من الطعام بعد طول صبر، من غير أن يظهر شكوى، ولا تبرما، ففي الشريف أدب وصبر، وفي ربة البيت الكريمة فطنة ونباهة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان أغلبها في (جنينة مول) بمدينة نصر في المقهى الشامي بالدور الرابع.
(2) هكذا بالنص منه، وهي عبارة ترحّم، كثيرا ما أسمعها في شرق ليبيا.
(3) بنديرة: علم.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  4076