 | عن مكة المكرمةعبد الله بن عمر | مقالةتاريخ النشر: 2020/07/07 اقرأ للكاتب |
في فؤاد كل مسلم حنين أبدي إلى مكة المكرمة، فهي القبلة التي يتوجه نحوها المسلم خمس مرات على الأقل في كل يوم، لا يمنعه عن ذلك مرض مقعد، ولا سفر منهك، ولا حرب ضروس، ولا مسافة بعيدة، ولا ركوب دابةٍ أو سفينة أو طائرة. لا أظن أن مكاناً يحضر في أفئدة الناس بمقدار ما تحضر مكة المكرمة. وأفئدة المسلمين تهوي إلى هذا البلد العتيق، استجابةً من الله عز وجل لدعاء إبراهيم عليه السلام حين خلف هاجر وإسماعيل عليهما السلام عند موضع البيت العتيق، ولا يزال الحجاج والمعتمرون يؤمّون هذا البيت، ويطوفون حوله كما طاف من قبلهم كل الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، ويسعون بين الصفا والمروة كما فعلت هاجر وهي تبحث لوليدها عن ماء تروي به عطشه. ويشربون من زمزم كما شربت منه هاجر، وكما شرب منه الطائفون والعاكفون والركع السجود.
ولقد كُتب الكثير جداً عن مكة المكرمة على امتداد التاريخ، وأحاول في هذا المقال ترشيح بعض العناوين التي تناولت مكة المكرمة من زوايا مختلفة عن المألوف، لعلها تفيد من يحب الاطلاع والتوسع.
مكة المكرمة في عيون الجواسيس لعل هذه الزاوية واحدة من أكثر الزوايا تشويقاً عند الحديث عن مكة المكرمة، فقد اهتم الغربيون بمكة المكرمة منذ نشطت حركة الاكتشافات الجغرافية وأخذت كل واحدة من الممالك الأوروبية تفتش عن مساحات من العالم تفرض عليها الوصاية وتمتص منها الخيرات. ومن أبرز هؤلاء الجواسيس الذين كتبوا عن مكة المكرمة: لودوفيكو فارتيما الإيطالي الذي دخل مكة المكرمة عام 1503 بغرض جمع المعلومات لصالح البرتغال، التي كانت تهدف إلى احتلال مكة المكرمة، ويتوفر كتابه باللغة العربية تحت عنوان "رحلات فارتيما: الحاج يونس المصري". علي باي العباسي واسمه الحقيقي: باديا ليبليتش، وهو رحالة وجاسوس إسباني تجول في العالم الإسلامي، ودخل مكة المكرمة عام 1807، وكتب كتابين ضخمين عن رحلاته في أنحاء العالم الإسلامي، ويوجد الجزء المتعلق بمكة المكرمة في كتاب يحمل عنوان "رحالة إسباني في الجزيرة العربية". كريستيان سنوك هورخرونيه وهو أستاذ هولندي جامعي وجاسوس من طراز رفيع، زار مكة المكرمة بعدما أشهر إسلامه في مدينة جدة، وأمضى عدة أشهر في البلد الحرام ألف أثناءها كتابه الماتع "صفحات من تاريخ مكة المكرمة"، وهو كتاب يقع في مجلدين، تناول فيه تفاصيل كثيرة جدا ودقيقة جدا من الحالة العمرانية والاجتماعية والتاريخية لمكة المكرمة.
مكة المكرمة في عيون أمير الحج كان اللواء إبراهيم رفعت باشا أميراً للحج في السنوات 1901، و1903، و1904، و1908 للميلاد، وكان واسع الاطلاع حريصاً على توثيق مشاهداته ومسموعاته عن الطريق إلى مكة وعن مكة ومناسك الحج، وجمع خلاصة ما شاهده وسمعه وقرأه ووثقه بالكاميرا في كتاب ضخم من مجلدين يحمل عنوان "مرآة الحرمين، أو: الرحلات الحجازية ومشاعر الحج الدينية". وهو كتابٌ ماتع، ومليء بالإحصائيات والأرقام والتقارير التي تصف لنا إلى حد كبير جدا وضع مكة المكرمة والمشاعر المقدسة قبل أكثر من مئة عام.
مكة في الرواية كانت مكة المكرمة مسرحاً للعديد من الروايات، ومن بينها رواية "طوق الحمامة" لرجاء عالم، التي تقع في نحو ستمائة صفحة، ونجد في أثنائها الكثير من تفاصيل الحياة في مكة المكرمة. وهناك بعض السير المكتوبة بطريقة روائية: كرواية "علي باي العباسي.. مسيحي في مكة" لرايمون مايراتا، ترجمة: رفعت عطفة. ورواية "رواء مكة"، التي كتبها حسن أوريد، والتي تحكي بطريقة روائيةٍ تجربة روحانية عميقة لرجل مغربي بعيد عن التدين، تتغير حياته كلها بعد أدائه شعيرة الحج.
حارات مكة وأزقتها لا يكاد الذاهبون إلى مكة المكرمة يعرفون الكثير عن حارات مكة وتفاصيل الحياة الشعبية فيها، لأن الذي يهمهم في مكة لا يتجاوز المسجد الحرام والمنطقة المحيطة به، إضافة إلى بعض المعالم والمزارات، ولذا قد تشكّل القراءة عن مكة المكرمة وتفاصيل الحياة في حاراتها لوناً من المتعة وتغذية الفضول بالنسبة لكثير من القراء.
وللأستاذ عبد الله محمد أبكر كتابان يتناولان ببعض التفصيل صوراً وأعرافاً وشخصيات وحكايات من داخل الحياة في الحارة المكية، وهما: "صدى الأيام.. ماذا في حارات مكة؟" ويتناول فيه بعض تفاصيل الحياة الاجتماعية في مكة المكرمة: كتراث الحارة، وألعابها العبية، وفكاهات الحارة وشخصياتها الهزلية، والتحالفات والنزاعات بين مختلف الحارات المكية، ووجهاء الحارات وعُمَدها، وغير ذلك. "صور من تراث مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري" وهو كتاب ضخم من مجلدتين، وفيه يتحدث المؤلف عن تفاصيل من تراث مكة في القرن الماضي، كعادات الزواج، وأعراف البناء، ولعبة المزمار، والركب المكي المتجه إلى المدينة المنورة، والكتاتيب، والحلق العلمية في المسجد الحرام، والحرف والصناعات في مكة المكرمة، وأشياء من هذا القبيل.
سير ذاتية بنكهة الحرم لقد عاش في مكة المكرمة عدد غير قليل من الأدباء والشعراء والكتّاب، وقد كتب بعض هؤلاء سيرهم الذاتية التي تحمل نكهة مكة المكرمة وزمزمها وحطيمها. ومن أشهر هذه الكتب: "مذكرات أحمد بن علي أسد الله الكاظمي"، وهو أحد رجالات التعليم المكيين، ولد في مكة ونشأ بها، وتوف كذلك بها، لكنه أمضى مقداراً معتبراً من وقته في الرياض معلماً للأمراء، وفي مذكراته يحكي الكاظمي يومياته، ويبحر معنا في بحر تجاربه وأسفاره، لكن مكة تظل حاضرة بقوة في كتابه. "بين السجن والمنفى"، سيرة ذاتية غير كاملة، سطر فيها الأديب المكي أحمد عبد الغفور عطار قصته مع الملك عبدالعزيز ونائبه في الحجاز حينها: الملك لاحقاً، فيصل بن عبدالعزيز، وهي قصة موجعةٌ تعرض فيها "عطار" للحرمان من مواصلة دراسته الجامعية في القاهرة بناءً على وشاية من بعض زملائه، وسُجن في سجن "الفرن" بمكة المكرمة، ثم أفرج عنه لمدة وجيزة، حبس بعدها في قصر المصمك بالرياض، الذي كان سجناً في تلك الأيام. "لمحات من الماضي"، مذكرات الشيخ عبد الله خياط، إمام وخطيب المسجد الحرام، ووالد الشيخ أسامة خياط، الإمام والخطيب الحالي بالمسجد الحرام، سطر فيها حياته العملية الطويلة التي كانت مكة المكرمة ميدانها -عدا خمسة عشر عاماً قضاها في الرياض مديراً لمدرسة الأمراء-. ومما يضيف إلى هذه السيرة: العلاقات الوثيقة التي ربطت المؤلف بعدد كبير من أعلام القرن العشرين وبخاصة أولئك الذين استعان بهم الملك عبد العزيز في توطيد أركان دولته وأوكل إليهم تأسيس بعض الإدارات، وغيرهم ممن كان لهم حضور علمي وفكري في مكة المكرمة.
مكة المكرمة في فقه العمران في هذه الزاوية، يطل علينا كتابان حديثان: في كتاب: "من مكة إلى لاس فيغاس" لعلي عبد الرؤوف، نقرأ نقداً لعملية تطوير مكة المكرمة التي جرى قسم ضخم منها، ويجري العمل على ما تبقى، يتناول علي عبد الرؤوف المبررات الواقعية المحقة لتطوير مكة المكرمة التي يفد إليها الملايين من المسلمين في كل عام حجاجاً ومعتمرين، ولكنه ينتقد أسلوب التطوير وروحَه، ويبدي الكثير من الأسى على الروح الرأسمالية الطاغية التي تبرز حالياً في المنطقة المركزية من مكة المكرمة، على نحو أفقد المدينة قدراً مما يتوقع الزائر لمكة أن يراه من الآثار ومن عبق التاريخ.
وفي كتاب "مكة: المدينة المقدسة"، الذي ألفه ضياء الدين سردار، وترجمته هبة رؤوف عزت، نطالع سيرةً ذاتيةً لمكة المكرمة، وتحليلاً سياسيا واجتماعياً وعمرانياً لمكة المكرمة في تاريخها منذ التأسيس حتى يومنا الحاضر، بإسهاب في بعض المواطن وإجمال في البعض الآخر. ويتفق سردار وعبد الرؤوف في عدم الرضى عن النزعة الاستهلاكية الباذخة التي تحيط بمكة المكرمة بعد عمليات التحديث والتطوير التي أتت على معظم آثارها وتراثها المعماري العريق. أخيراً وليس آخراً: فإن مكة المكرمة أوسع بكثير من العناوين التي تم اقتراحها في هذه المقالة، إذ هناك قائمة شديدة الطول من الكتب المؤلفة حول مكة: فضائلها، وأحكامها، وتاريخها، وأعلامها، وعن الحج والعمرة، والمعالم والآثار، وغير ذلك، مما يجده الباحث الجاد بعد القليل جداً من البحث.
المصدر: موقع "الموقع" |
|