 | سيرة الشيخ الرئيسابن سينا | سيرةتاريخ النشر: 2020/05/02 اقرأ للكاتب |
كان والدي من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام نوح بن منصور، واشتغل بالتصرُّف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية من ضياع بخاري يُقال لها "خَرْمَيْثَن"، وهي من أمهات القرى بتلك الناحية، وبقُربها قرية يقال لها أفْشَنَة، فتزوج أبي منها بوالدتي، وقطن بها وتبنّك، ووُلدتُ أنا فيها، ثم وُلد أخي، ثم انتقلنا إلى بخارى، وأُحْضِر لي مُعلِّم القرآن ومعلم الأدب، وكمّلت العشر من العمر، وقد أتيتُ على القرآن وعلى كثيرٍ من الأدب، حتى كان يُقضى منِّي العجب. وكان أبي ممَّن أجاب داعي المصريين ويُعدُّ من الإسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويَعرفونه هم وكذلك أخي، وكانوا ربما تذاكَروا ذلك بينهم، وأنا أسمعهم وأُدرك ما يقولونه ولا تقبله نفسي، وابتدأوا يدعونني إليه، وكانوا يُجرون على ألسنتهم أيضا ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند، ثم كان أبي يوجهني إلى رجل يبيع البقل قيّم بحساب الهند فكنت أتعلم منه. ثم وصل إلى بخارى "أبو عبد الله الناتلي"، وكان يَدَّعي التفلسف، فأنزله أبي دارنا واشتغل بتعليمي، وكنت قبل قدومه أشتغل بالفقه والتردُّد فيه إلى إسماعيل الزاهد، وكنت من أفْرَه السائلين، وقد أَلفتُ طُرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به. ثم ابتدأتُ بقراءة كتاب "إيساغوجي" على الناتلي، فلما ذكر لي حدّ الجنس أنه المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب "ما هو"؟ فأخذته في تحقيق هذا الحدِّ بما لم يسمع بمثله، وتعجَّب منّي كلَّ العجب، وكان أي مسألة قالها تصوّرتها خيرًا منه، وحذَّر والدي من شغلي بغير العلم، حتى قرأتُ ظواهر المنطق عليه، وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر. ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي، وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق، فأما كتاب "أوقليدس" فإني قرأت عليه من أوله خمسة أشكال أو ستة، ثم توليت بنفسي حلّ بقية الكتاب بأجمعه. ثم انتقلت إلى "المجسطي"، ولما فرغتُ من مقدماته، وانتهيت إلى الأشكال الهندسية، قال لي الناتلي: "تولَّ قراءتها وحُلَّها بنفسك، ثم اعرضها عليَّ لأبين لك صوابه من خطئه" وما كان الرجل يقوم بالكتاب فحللته، فكم من شكل ما عرَفه إلا حين عرضتُه عليه وفهَّمتُه إياه. ثم فارقني الناتلي متوجِّهًا إلى "كركانج"، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب من الفصوص والشروح، من الطبيعيات والإلهيات، وصارت أبواب العلم تَنفتح عليَّ، ثم رغبت في علم الطب، وقرأت الكتب المصنَّفة فيه، وعلم الطب ليس هو من العلوم الصعبة، فلذلك برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الأطباء يقرؤون عليّ علم الطب، وتعهَّدتُ المرضى، فانفتح عليَّ من أبواب المعالَجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك مشغول بالفقه وأُناظر فيه، وأنا يومئذ من أبناء ست عشرة سنة. ثم توفَّرت على العلم والقراءة سنةً ونصفًا، فأعدتُ قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة، ولم أنم في هذه المدة ليلة واحدة بطولها، ولا اشتغلت بالنهار بغيره، وجمعتُ بين يديَّ ظهورًا، فكل حُجة كنت أنظر فيها أثبتّ ما فيها من مقدمات قياسية وترتيبها وما عساها تنتج، وأراعي شروط مقدماتها حتى تتحقق لي تلك المسألة، والذي كنت أتحيّر فيه من المسائل ولا أظفر فيه بالحد الأوسط في القياس أتردد بسبب ذلك إلى الجامع وأصلي، وأبتهل إلى مُبدع الكل حتى يفتح لي المنغلق منه ويسهل المُتعسِّر. وأرجع بالليل إلى داري وأحضر السراج بين يديَّ وأشتغل بالقراءة والكتابة، فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب، لكيما تعود إليّ قوتي، ثم أرجع إلى القراءة، ومتى أخَذني نوم كنت أرى تلك المسائل بأعيانها في منامي، واتضح لي كثير من المسائل في النوم، ولم أزل كذلك حتى استحكم معي جميعُ العلوم، ووقفتُ عليها بحسب الإمكان الإنساني، وكل ما علمتُه في ذلك الوقت فهو كما علمته الآن لم أزدَد فيه إلى اليوم شيئا، حتى أحكمتُ العلم المنطقي والرياضي وانتهيت إلى العلم الإلهي. وقرأتُ كتاب ما بعد الطبيعة، فلم أفهم ما فيه، والتبس عليَّ غرَضُ واضعه، حتى أعدتُ قراءته أربعين مرةً، وصار لي محفوظًا، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود به، وأيستُ من نفسي وقلت: "هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه"، فحضرت يوما وقت العصر في الورّاقين، فتقدم دلّال بيده مجلدٌ ينادي عليه، فعرَضه عليَّ فرددتُه ردّ مُتبرِّم معتقد ألا فائدة في هذا العلم، فقال لي: "اشترِه فصاحبه محتاجٌ إلى ثمنه، وهو رخيص وأبيعكه بثلاثة دراهم" فاشتريته فإذا هو كتاب أبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة. ورجعتُ إلى داري وأسرعت قراءته، فانفتح عليَّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب، لأنه كان قد صار لي محفوظا على ظهر القلب، وفرحتُ بذلك، وتصدَّقت في اليوم الثاني بشيءٍ كثيرٍ على الفقراء شكرًا لله تعالى.
المصدر: كتاب مختارات من النثر العربي لِوداد القاضي |
|