 | التجويد بين سلامة الطبع وآفة التكلف، قراءة نقدية في أداء الشيخ أيمن سويدأكرم علي حمدان | مقالةتاريخ النشر: 2026/11/06 اقرأ للكاتب |
تابعتُ في الآونة الأخيرة شيئًا مما يتداوله الناس من انتقادات الشيخ جمال القرش لطريقة الشيخ أيمن سويد في تلاوة القرآن الكريم وتعليمها، فوجدتُ في جملة ما أثاره ما يوافق رأيًا استقر عندي منذ أمد بعيد، ورأيت أن أدلي بدلوي في أمر يتصل بأداء كتاب الله، وبما يُلقَّن للناشئة من طرائق الإقراء، وبالميزان الذي يُعرف به صحيح الأداء من سقيمه. ولستُ حديث عهد بهذا الفن، ولا ممن عرف القراءة من بطون الكتب وحدها؛ فقد قضيتُ شطرًا كبيرًا من حياتي في القراءة والإقراء، وتلقيتُ عن شيوخ من مصر والشام والعراق وفلسطين، وحصلتُ على إجازات وأسانيد عالية، وتوليتُ إدارة دار القرآن الكريم والسنة في غزة في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وقد أتاح لي ذلك أن أعرف مذاهب القراء في الأداء، وأن أميز بين ما تقتضيه الرواية، وما تجري به طبائع الأصوات، وما يتسرب إلى التلاوة من تكلف يتوهمه صاحبه إحكامًا، وما هو إلا خروج عن حد الاعتدال. ولستُ أذكر ذلك مفاخرةً ولا احتجاجًا؛ فسيأتي أن الرجل يُعرف بصحة أدائه، لا بكثرة إجازاته، وإنما أذكره ليعلم القارئ أن ما أقوله ثمرةُ معاناةٍ طويلة، لا نظرةٍ عابرة، وحصيلةُ دُربةٍ ومِراس، لا ظنٍّ والتباس. ولقد كان لي منذ زمن بعيد اعتراض على طريقة الشيخ أيمن سويد في التلاوة وتعليمها؛ إذ أجد فيها من المبالغة والتصنع ما يباعد بينها وبين القراءة العربية السليمة التي وصفها أئمة هذا الشأن. وحاشا أن يكون اعتراضي على تحقيق الحروف وإعطائها حقوقها، وإنما على مجاوزة التحقيق إلى التعسف، والضبط إلى التكلف، حتى تغدو القراءة صناعة صوتية مفتعلة، تَسلب الألفاظ طلاوتها، وتشاطرها حلاوتها، بدل أن تجري على اللسان في لين ورفق، كما يجري الكلام الفصيح على ألسنة المطبوعين.
التجويد في ميزان أئمتهوإن من أبلغ ما قيل في هذا الباب كلام الإمام ابن الجزري في "النشر في القراءات العشر": "فليس التجويد بتمضيغ اللسان، ولا بتقعير الفم، ولا بتعويج الفك، ولا بترعيد الصوت، ولا بتمطيط الشد، ولا بتقطيع المد، ولا بتطنين الغنات، ولا بحصرمة الراءات". ثم وصفُه هذا الضربَ من الأداء بأنه قراءة تنفر منها الطباع وتمجها القلوب والأسماع. وقد قابل ذلك بالقراءة السهلة العذبة الحلوة اللطيفة، التي لا مضغ فيها ولا لوك، ولا تعسف ولا تكلف، ولا تصنع ولا تنطع، ولا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء. وأوجز ذلك في مقدمته بقوله:مُكَمِّلًا مِنْ غَيْرِ مَا تَكَلُّفِ بِاللُّطْفِ فِي النُّطْقِ بِلَا تَعَسُّفِولم ينفرد ابن الجزري بهذا الأصل؛ فقد اجتمعت كلمة من تعاطى هذا الفن على أن قِوامه اللين والرفق، وإن اختلفت عباراتهم في ذلك، فهذا مكي بن أبي طالب يوصي في "الرعاية" من يحقق الهمزتين أن يحققهما "في لين ورفق"، ويقول في موضع آخر: "في لطف ورفق". فإذا كان هذا قوله في الهمزتين، وهما مما يثقل على اللسان، فما الظن بما دونهما من الحروف؟ أفيكون الرفق مطلوبًا في تحقيق الأثقل، ثم يكون التعسف من تمام الإتقان في أداء الأخف؟ وينقل السيوطي في "الإتقان" عن أهل هذا الفن أن التجويد يكون بإعطاء الحروف حقوقها، وردها إلى مخارجها وأصولها، وتلطيف النطق بها على كمال هيئتها، من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف. ومن أنفس ما وقفت عليه في هذا الباب كلام الإمام علم الدين السخاوي في "جمال القراء وكمال الإقراء"، إذ وصف القراءة التي يرتضيها بأنها القراءة السهلة المرتلة العذبة الألفاظ، التي لا تخرج عن طباع العرب. ثم نظم ذلك في قصيدته "عمدة المفيد وعدة المجيد في معرفة التجويد"، فجاء فيها بما يصلح أن يكون دستورًا لهذا الفن، فقال:يَا مَنْ يَرُومُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَيَرُودُ شَأْوَ أَئِمَّةِ الْإِتْقَانِ لَا تَحْسَبِ التَّجْوِيدَ مَدًّا مُفْرِطًا أَوْ مَدَّ مَا لَا مَدَّ فِيهِ لِوَانِ أَوْ أَنْ تُشَدِّدَ بَعْدَ مَدٍّ هَمْزَةً أَوْ أَنْ تَلُوكَ الْحَرْفَ كَالسَّكْرَانِ أَوْ أَنْ تَفُوهَ بِهَمْزَةٍ مُتَهَوِّعًا فَيَفِرَّ سَامِعُهَا مِنَ الْغَثَيَانِ لِلْحَرْفِ مِيزَانٌ فَلَا تَكُ طَاغِيًا فِيهِ وَلَا تَكُ مُخْسِرَ الْمِيزَانِفانظر كيف جعل للحرف ميزانًا لا يُطغى فيه ولا يُخسر، ناظرًا إلى قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾؛ فالزيادة على حق الحرف طغيان، والنقص منه إخسار، والعدل بينهما هو الإتقان. ولم يكتف بالنهي عن المد المفرط، حتى عدّ لوك الحرف من فعل السكران، وجعل التهوّع بالهمزة مما يفرّ منه السامع؛ وتلك صفات لا يُرمى بها إلا أداءٌ تجاوز الحد، وخرج عن القصد. ومن هذا الباب ما رُوي أن رجلًا قرأ على حمزة فجعل يمد، فقال له: "لا تفعل، أما علمتَ أن ما كان فوق الجعودة فهو قطط، وما كان فوق البياض فهو برص، وما كان فوق القراءة فليس بقراءة". وما رواه الداني بسنده عن نافع في وصف قراءته: "سهلٌ جزل، لا نمضغ ولا نلوك"، وقوله: "ولا نخفف مشددًا، ولا نشدد مخففًا". فهذه أصول تضافرت عليها كلمات الأئمة: تحقيق لا إفراط فيه، وتمكين لا تمطيط معه، ولطف لا يفضي إلى تضييع الحروف. فما زاد على حق الحرف فهو طغيانٌ عليه، لا وفاءٌ له، وما أُدخل على القراءة من التكلف ليس من كمالها، وإن توهمه صاحبه كذلك. ويجمع ذلك كله كلمةٌ واحدة هي الاقتصاد؛ والقصد في كلام العرب استقامة الطريق، والتوسط بين الإفراط والتفريط، وبهذا المعنى سمّى الغزالي كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد". فالمقتصد في التلاوة لا يقصّر عن حق الحرف فيضيّعه، ولا يجاوزه فيتكلّفه، وإنما يوفّيه حقه، ويقف عند حدّه. وفي الحديث الصحيح: "القصدَ القصدَ تبلغوا".
العربية وطلب الخفةومن تأمل سنن العربية في نحوها وصرفها أدرك أن طلب الخفة من أظهر خصائصها، حتى لو شئنا أن نوجز جانبًا عظيمًا من أسرار هذين العلمين في كلمتين لقلنا: طلب الخفة. فما أكثر ما حذفت العرب التماسًا للخفة، وأبدلت طلبًا لها، وأدغمت فرارًا من الثقل في الكلام. وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، وجاء فيه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، وكان من وجوه التيسير في تلاوته أن أُنزل على سبعة أحرف، كما ثبت في الحديث الصحيح، فحفظت لنا القراءات من سنن العربية في الأداء وجوهًا شتى من الفتح والإمالة، والمد والقصر، وتحقيق الهمز وتخفيفه، وغير ذلك مما تلقاه القراء بالرواية، وأدوه على وجوهه. فإذا كانت العربية تطلب الخفة، وكان التيسير من حكم نزول القرآن، وكانت أئمة القراءة تنهى عن التعسف والتكلف، فأي وجه لأن يُحمَّل اللسان في تلاوته ما لم تحمله إياه الرواية، وأن تُثقل الحروف بما ليس من حقوقها، ويُطفأ رونق التلاوة وبهاؤها، ويُحسب ذلك من إحكامها وإتقانها؟ وليس التيسير أن نترك ما ثبتت به الرواية طلبًا للأخف، وإنما أن نؤدي ما ثبت منها على وجهه، من غير تنطع ولا تشدق، ولا زيادة على ما يقتضيه الأداء الصحيح.
حين يفسد التكلف ما صح على السليقةولقد خبرتُ في أثناء إقرائي أن بعض المتعلمين يُحسن أداء الحرف في كلامه المعتاد، فإذا شرع في التلاوة تكلف له هيئة مخصوصة، وأجهد لسانه في إخراجه، فإذا الحرف الذي كان يجري على سجيته صحيحًا قد فسد بالتكلف. من ذلك أن من الطلاب والطالبات من كان يعجز عن أداء الراء مثلًا على وجهها، فإذا قلت له: انطقها كما تنطقها في حديثك المعتاد، وكأنك تخاطب ابنك أو أحد أهل بيتك، جاء بها صحيحة سليمة، كأن لم يكن به عجز قط. وما تبدل اللسان، ولا تغير المخرج، وإنما زال الوهم الذي حمل صاحبه على التعسف. ويدخل في هذا الباب تمكين الحركات؛ فإن تمكينها حق، واختلاسها في غير موضعه إخلال، والمبالغة في إطالتها أو تضخيمها إفراط، والاقتصاد بين ذلك هو الصواب؛ وكذلك الشأن في سائر الأحكام: فنقتصد في المد فلا نمطّه، وفي الغنة فلا نطنّنها، وفي التفخيم فلا نقعّر به الفم. وليس المراد أن نجعل لهجات العامة ميزانًا للتلاوة، وإنما أن نرد اللسان إلى طبيعته العربية السليمة، من غير أن نضيّع شيئًا من أحكام الرواية. وكم من حرف أفسده صاحبه حين أراد المبالغة في تجويده، ولو ترك لسانه يجري به على سجيته لخرج صحيحًا سليمًا!
النبر والتنغيم وسلامة المعنىولا تنحصر سلامة الأداء في مخارج الحروف وصفاتها ومقادير المدود والغنات؛ بل تتصل كذلك بالنبر والتنغيم، وما لهما من أثر في بيان التركيب وإظهار المعنى. فبهما قد يتميز الخبر من الاستفهام، والتقرير من الإنكار، والعتاب من التقريع، وإن اتفقت الألفاظ واستوت الحركات. والنبر في كلام المتقدمين من القراء الهمز، يقولون: نبر الحرف إذا همزه، وليس ذلك مرادنا هنا؛ وإنما نريد به ما اصطلح عليه المحدثون من علماء الأصوات: أن يُخصّ مقطع من الكلمة بضغطٍ يجعله أبرز في السمع مما يجاوره. ولهذا المعنى أصل في كلام العرب؛ فقد نقل ابن منظور عن ابن الأنباري: "نَبَرَ الرجلُ نَبْرةً إذا تكلم بكلمة فيها عُلُوّ"، ومنه سُمّي المنبر لارتفاعه. وأما التنغيم فارتفاع الصوت وانخفاضه في الجملة على نحو يتبين به غرض المتكلم، وقد تنبّه إليه ابن جني حين ذكر أن السامع يحسّ في قول القائل: "سِيرَ عليه ليلٌ" من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل. فالاصطلاح حديث، والظاهرة قديمة، ولا مشاحّة في الاصطلاح ما دام المعنى مبينًا. وليس النبر مما تنفرد به العربية، بل هو من سنن اللغات في الكلام؛ ومن تعلّم لغةً من لغات العجم علم أن الكلمة قد يُؤتى بحروفها كاملةً، ثم لا يفهمها أهلها، لأن النبر وقع في غير موضعه. بل إن من اللغات ما يكون النبر وحده فيه فارقًا بين الاسم والفعل؛ فتُنطق الكلمة بحروفها نفسها، فإذا وقع النبر على مقطعها الأول كانت اسمًا، وإذا وقع على الثاني كانت فعلًا. فإذا بلغ من أمر النبر أن يفصل بين أقسام الكلم، فكيف يُستهان به، أو يُعدّ من فضول الأداء؟ هذا شأن النبر في لغات العجم؛ وأما في العربية فهو تابع لبناء الكلمة، يقع حيث تقتضيه مقاطعها، فالسامع يستدل بموضعه على بنائها؛ فإذا نُقل عن موضعه أو أُغفل، سمع بناءً غير البناء، ولفظًا غير اللفظ. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فإن "أَلَمْ" هنا همزة استفهام تقريري دخلت على "لَمْ"، وهي تختلف عن "الأَلَم" الذي هو الوجع في البناء والمعنى. وللحركات والسياق والنبر والتنغيم أثر في إبانة المراد، وإن لم يكن لكل تركيب نمط صوتي واحد لا يجوز العدول عنه. ولقد كان لي صديق يقول: وددت لو سمعت المتنبي نفسه ينشد قوله: "عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ"، لأعلم كيف كان يؤديه. ولعمري، إن للكلمة الواحدة من وجوه الأداء ما تتلون به دلالتها، ويختلف به وقعها في النفس؛ فقد يقول القائل: "عيدٌ؟!" بلهجة استنكار وتهكم، كأنه يقول: أهذا عيد؟ ثم يمضي في إنشاد البيت، فإذا هو يفيض حسرةً ومرارةً، وما تغير من ألفاظه حرف، ولا من حركاته حركة، وإنما اختلف التنغيم، فاختلف وجه البيان. ولهذا كنتُ أقول لمن يقرأ عليّ: كيف كنت تنطق بهذه العبارة لو خاطبت بها صاحبًا، أو سألت بها سائلًا، أو أردت بها تقريرًا أو تقريعًا؟ ثم أدعوه إلى أن يستعين بما في سليقته من النبر وارتفاع الصوت وانخفاضه، حتى يجري الكلام على طبيعته، ويظهر المعنى من غير تكلف ولا تصنع، مع التزام ما ثبت من أحكام التلاوة. وللنبر في الجملة شأن غير شأنه في الكلمة؛ فكما يُخصّ مقطع من الكلمة بالإبراز، تُخصّ كلمة من الجملة بمزيد عناية، لأنها موضع الفائدة. ومما يخالف ذلك ما تسمعه من بعض القراء من الضغط على "الذين" كلما مرّوا بها، في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، و﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾. والموصول لا يحمل بنفسه معنى يُقصد إليه، وإنما هو وُصلة إلى صلته، وفيها موضع البيان؛ فالذي يعيّن المقصودين هو "آمنوا" و"جاءوا بالإفك"، لا لفظ "الذين". فإذا أُبرز ما لا فائدة فيه، وخفي ما فيه الفائدة، اختل ميزان الكلام، وإن صحت الحروف كلها. وعلاج ذلك ما قدّمتُه: أن يسأل القارئ نفسه كيف كان يقول هذا الكلام لو خاطب به أحدًا؛ فإن أحدنا لو قال لصاحبه: "إن الذين جاؤوا بهذا الخبر قومٌ منكم" لم يضغط على "الذين"، وإنما على ما يعيّنهم ويُخبر عنهم. فليجعل قراءته على ذلك، مع التزام ما ثبت من أحكام التلاوة. وقد نبهتُ منذ زمن إلى أهمية هذا الجانب، وأرى أن الشيخ جمال القرش قد أصاب في التنبه إلى بعض مظاهره. ومما استوقفني في أداء الشيخ أيمن سويد ما سمعته منه في قوله تعالى: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾؛ إذ يسوّي بين حروف الكلمة تسويةً لا يعلو فيها حرف على حرف، فلا يُعطي الفعل نبره، ولا يُخفّ الفاء الداخلة عليه، فإذا اللفظ يُسمع "فَسَقَا لهما"، كأنه فعل تام من الفسق لا من السقي، وكأنه أُسند إلى اثنين، لا أنه عُطف على ما تقدّم، ويزيد الإيهامَ قوةً أن بعده ضمير المثنى. وإنما الفاء هنا عاطفة دخلت على "سَقَى"، فحقها أن تُنطق خفيفةً تابعة، لا ثقيلةً متبوعة، وأن يقع النبر على أول الفعل، فيتميز به الفعل من الحرف الداخل عليه. ومثله قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وإنما هو فاءٌ دخلت على "قَعُوا" من الوقوع، فإذا سُوّي بين حروفه سُمع "فَقَعُوا" من الفَقْع، فانتقل اللفظ من جذر إلى جذر، ومن معنى إلى معنى. وعلى هذا النحو يجري أداؤه في "فَعَصَىٰ" و"وَعَصَىٰ" و"فَبَدَتْ" و"فَكُلُوا مِنْهَا"، وكل ما كان من هذا الباب، فتُنطق حروف المعاني كأنها من أصول الكلم، ويلتبس ما هو من بنية الكلمة بما هو طارئ عليها. وليس اعتراضنا على إعطاء كل حرف حقه ومستحقه، فذلك مما لا خلاف فيه؛ وإنما على إغفال النبر الذي يميز حرف المعنى من أصل بناء الكلمة، ويصون البناء من الالتباس، والمعنى من الاضطراب؛ وذلك بدعوى تساوي وزن الحروف، وهو مما لا يفتأ الشيخ يُبدئ فيه ويعيد؛ فإذا أُعطيت الفاء وزن ما بعدها، لم يبق ما يميزها من الفعل، فتُسمع كأنها من أصل الكلمة. وقد قال الخاقاني: "زِنِ الحرفَ لا تُخرجْه عن حدِّ وزنِه"، فجعل لكل حرف وزنه وحدّه، لا وزنًا واحدًا تتساوى فيه الحروف. وتساوي الحروف في استيفاء حقوقها من المخارج والصفات لا يقتضي تساويها في الإبراز والنبر؛ فإن الكلمة العربية مقاطع، يعلو بعضها ويخفّ بعضها بحسب بنائها، ولو سُوّي بينها لخرج الكلام عن مجرى العربية، وصار أشبه بحروف تُعدّ عدًّا، لا بكلام يُتلى ويُرتَّل. وقد عرض الشيخ جمال القرش هذه المواضع من تلاوات الشيخ عرضًا يغني عن تتبعها هنا، وهي معروفة لأهل هذا الشأن، لا تخفى على من له به أدنى عناية. وقد سمعتُ الشيخ نفسه يرد على اعتراض المعترض على قراءته في نحو "فَقَسَتْ"، فتهكم بقوله: "وهل عندنا فقّاسات؟"، وعدَّ النبر فيها أمرًا دخيلًا لا صلة له بالأداء. وليس من العلم أن تُردَّ الظاهرة الصوتية بالاستهزاء بمثالها؛ فإن النبر والتنغيم من وسائل البيان في العربية، وإن كان موضعهما في كل تركيب مما يُبحث بالحجة والسماع، لا بمجرد الدعوى والصياح. واستمعتُ كذلك إلى بعض تلاميذه يحتج في الدفاع عن أدائه "فَسَقَىٰ لَهُمَا" بأن "المعيار الذي يحكم بيننا ويفصل بيننا هو السياق". وفي هذا الاحتجاج نفسه إقرارٌ بالاعتراض؛ إذ لو كان اللفظ مبينًا بنفسه، لما احتيج إلى السياق ليعيّن المراد. والحق أن السياق قد يدل على المعنى وإن فسد اللفظ، وقد يفهم السامع المراد مع اللحن الجليّ؛ فهل يُصلح السياق ما أفسده اللسان، أو يجعل الخطأ صوابًا لمجرد أن المعنى مفهوم؟ إنما يُحتكم في صحة القراءة إلى اللفظ المروي وأصول أدائه، ولا يُغني فهم المراد عن صحة المبنى. فالسياق يهدي إلى أن المراد "سَقَى"، ولكنه لا يُصلح لفظًا سُمع "فَسَقَا"؛ فهو دليلٌ على المعنى، لا شفيعٌ للمبنى. وإنما يُفصل في مثل هذا بسماع الأداء نفسه وتحليله، لا بالاحتجاج بالسياق. وقد استوقفني أيضًا ما سمعته في بعض وقوف الشيخ من تشديد أواخر كلمات لا تشديد فيها بحسب بنائها وروايتها. فإن ثبت التضعيف الزائد، لم يكن الأمر مجرد اختلاف في الذوق، بل زيادة في اللفظ تستوجب التصحيح؛ وقد مرّ قول نافع في وصف قراءته: "ولا نخفف مشددًا، ولا نشدد مخففًا".
بين العلم بالأصول والعمل بمقتضاهاولسنا نقصد إلى استقصاء ما قاله أئمة القراءة في هذا المعنى، من التلطف في الأداء والترفق به والتجمل فيه، فذلك أمر يطول، وفيما مضى منه كفاية، ولا سيما أن الشيخ أيمن سويد ليس ممن تخفى عليهم هذه النصوص، أو لم تبلغهم وصايا الأئمة في اجتناب التكلف؛ بل قد وقف عليها كلها وعرفها، فهو من المشتغلين بعلوم القراءة تدريسًا وتحقيقًا، وقد تولى تحقيق كتابَي ابن الجزري "النشر في القراءات العشر" و"طيبة النشر". ولكن العجب أن يجتمع العلم بهذه الأصول مع أداء يصلح نموذجًا للعدول عما ذهب إليه المحققون الأخيار، وقرّره الأئمة الكبار. وأين ثمرة التحقيق إذا لم تظهر في التطبيق، وأثر العلم إذا لم يبدُ في العمل؟ بل الأعجب أن الشيخ لا يرى في أدائه مخالفة لهذه الأصول، ويعتقد أن ما هو عليه في الأداء هو المطابق لوصايا هؤلاء الأئمة، وأنه يأتي بالحروف على وجهها كما وصفوه؛ وهو في ذلك كمن يتلو كلام ابن الجزري والسخاوي، فيرى أنه المعنيّ بمدحه، وأن مخالفه هو المعنيّ بذمه. فليس الخلاف إذن في الوقوف على النصوص، فنحن فيها شركاء، وإنما في فهمها وتنزيلها على الأداء. والدعوى في ذلك لا تكفي هنا ولا هناك؛ ولكن الأئمة لم يتركوا الأمر للدعاوى، بل نصبوا له موازين يُرجع إليها: فأولها أنهم جعلوا المرجع طباع العرب وكلام الفصحاء، فما خرج عن مجرى الكلام العربي الفصيح فليس من التجويد، وإن تسمّى باسمه. وثانيها أنهم وصفوا وجوه التكلف بأسمائها، من التمضيغ والتقعير، والتمطيط والتطنين، واللوك والتهوّع، وهي أوصاف تُدرك بالسماع، ولا تُدفع بالادعاء. وثالثها ما استقر عليه أداء كبار المقرئين، وتلقّاه الناس عنهم بالقبول؛ فمن خالفهم في هيئة الأداء فعليه البيان، لا على من وافقهم. ثم إن ما اعترضنا به في ﴿فَسَقَىٰ﴾ و﴿فَقَعُوا﴾ ليس من باب الذوق الذي تختلف فيه الأسماع، بل من باب البناء الذي يُحتكم فيه إلى الصرف واللغة؛ وهنا لا يُغني تحقيق النصوص شيئًا ما لم يصدّقه اللفظ المسموع. وقد يعتذر معتذر عن طريقة الشيخ بأنها طريقة تعليمية، وأن مقام التعليم يقتضي من التمهل ما لا يقتضيه مقام التلاوة المعتادة. وهذا اعتذار لا يدفع الاعتراض؛ فإن التمهل غير التكلف، وتحقيق الحرف غير تغيير بنائه. وما كان التعليم مسوغًا للخطأ، بل هو أولى المواطن بصحة المثال وأحوجها إلى سلامة الأداء؛ فخطأ القارئ قد يقف عند لسانه، وأما خطأ المقرئ إذا عُلِّم واقتُدي به فقد يتجاوز لسانه إلى ألسنة تلاميذه. ولنا في التلاوات التعليمية للشيخ محمود خليل الحصري وغيره من المقرئين نماذج على إمكان الجمع بين التمهل والتحقيق، وبين سلامة اللفظ وسهولة المأخذ.
الإتقان لا يستلزم التكلفولأداء الشيخ أيمن سويد، على ما فيه، فائدة في التعليم؛ فلو أردنا أن نسلك بالناشئة مسلكًا معكوسًا، فنريهم ما ينبغي أن يحذروه قبل أن نريهم ما ينبغي أن يأتوه، لوجدنا في بعض مواضعه أمثلة يستبين منها الطلبة كيف يكون التكلف فيحذروه، والطريق الوعر فيتنكبوه. ولو أردنا أن نشرح لهم كلام ابن الجزري في القراءة التي تنفر منها الطباع، لسهل علينا ذلك بما نسمعه منه. فإذا ما أسمعناهم بعدُ تلاوات الأئمة الذين جمعوا إلى صحة الأداء عذوبة الجرس، وإلى إحكام المخارج سلامة الطبع، وإلى استيفاء الحروف حقوقها انسياب اللفظ وسهولة المأخذ، سهل عليهم ميز الحسن من القبيح، والرديء من المليح. وليس هذا المسلك بدعًا؛ فقد بدأ السخاوي نونيته بالنهي عن وجوه التكلف قبل أن يذكر حقيقة التجويد، وعلّل ذلك بعض شُرّاحها بأن تجويد القراءة إنما يحصل بالاحتراز عما هو لحن، واستشهد بقول الخاقاني: "فكن عارفًا باللحن كيما تزيله ... وما للذي لا يعرف اللحن من عذر". ولقد عشتُ مع تلاوات كبار القراء المصريين، ولا سيما تسجيلاتهم الإذاعية المرتلة، ساعات من المتعة التي لا أكاد أجد لها نظيرًا. وكنت أقول أحيانًا، من شدة إعجابي بتلاوة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد: من لم يستمع إلى هذه التلاوة، فما ذاق طعم الشهد في الدنيا! وهذا ما أجده في تلاوات الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ محمود علي البنا، والشيخ أبي العينين شعيشع، وغيرهم من أعلام القراءة. تسمع أحدهم فتود لو أن تلاوته لا تنقضي، على ما قد يقع لبعضهم من هنات عارضة. ومن المعاصرين الشيخ عبد الرشيد صوفي، وحسبك أن تسمع قراءته لسورة الحديد في إحدى صلوات الفجر، فتجد فيها جماع ما ذكره ابن الجزري من صفات القراءة المرضية، إلى عذوبة صوت، وحسن تنغيم، ورقة وسكينة. ولئن لم يكن حسن الصوت حَكَمًا على صحة القراءة، إن اجتماعه إلى سلامة الأداء أكمل وأوقع في النفوس. وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري بقوله: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود"، فدلّ على أن جمال الصوت في التلاوة محمودٌ مطلوب. فإذا اجتمع إليه سلامة الطبع وصحة الأداء، فقد تمّ الحُسن واكتمل البهاء، وعلمنا أن الإتقان لا يستلزم التكلف، وأن القراءة قد تبلغ الغاية في الإحكام وهي سهلة عذبة، لا يشق بها اللسان ولا تنفر منها الأسماع.
ليس في القراءة أحد فوق النقدوإني لأعجب ممن يُجيب عن نقد أداء قارئ بتعداد مشايخه وإجازاته، كأنما الإجازة عصمة من الزلل، وعلو الإسناد برهان على سلامة كل لفظ يصدر عن صاحبه! والحق أنه يُحتج للرجل بصحة أدائه، لا لصحة الأداء بمنزلة الرجل. فلو أن ابن مجاهد وقع في خطأ لقلنا له: على رسلك يا أبا بكر، فقد أخطأت. ولو فرضنا ذلك فيمن هو أجلّ منه من أئمة الإقراء، لوجب بيان الخطأ مع حفظ جلالة قدره؛ فإن الصواب لا يصير خطأ لأن قائله مغمور، ولا الخطأ صوابًا لأن صاحبه مشهور. ولا يضير الإمامَ أن يُردَّ عليه خطؤه، وإنما يضير العلمَ أن يُترك الخطأ إجلالًا لصاحبه. وقد رأيتُ من تلاميذ هذه الطريقة من يُخطّئ قراءة الأئمة المعتبرين من شيوخ القراءة، لأنهم ليسوا على طريقة شيخهم في الغلو والإسراف. وليس المأخذ أن يخالف التلميذُ من سبقه، أو يردّ المتأخرُ على من تقدّمه، فالعلم لا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا إذا قام الدليل؛ وإنما المأخذ أن يُتخذ نمط مخصوص من الأداء ميزانًا تُرد إليه قراءات الناس، بدل أن يكون الميزان ما ثبت من الرواية واستقام من العربية. وإن أخوف ما أخافه أن يصير التكلف مذهبًا يُعلَّم، وأن تنقلب العادة الصوتية إلى أصل يُحتكم إليه، فيحسب المتعلم السلاسة تفريطًا، والسهولة تقصيرًا، ويخطّئ من لا يحاكي هيئة شيخه، وإن استقام لفظه وصحت روايته. وقد قرأتُ لبعض المدافعين عن الشيخ كلامًا ساق فيه مناقبه، وأطال في الثناء على علمه وخلقه ودفاعه عن السنة، ثم انتهى إلى أن "إسقاطه يعني إسقاط الإتقان". فقلت من التعجب ليت شعري، ما صلة هذه الفضائل، مع التسليم بها جميعًا، بصحة الأداء في موضع يُعترض عليه؟ وهل صار علم التجويد وقفًا على رجل، إذا نُوقش أداؤه ضاع العلم، وإن خُطِّئ في لفظة سقط الإتقان؟ إنما يُجاب عن الاعتراض يا صاحِ بالحجة، لا بسرد المناقب؛ وليس نقد المقرئ إسقاطًا له، ولا بيان خطئه هدمًا لعلمه، ولقد جوّد الناس القرآن قبل الشيخ أيمن سويد، وسيجوّدونه بعده.
خاتمةولا يُقذفَنّ في رُوع القارئ أن فيما ندعو إليه تهاونًا في أحكام التجويد، أو إخلالًا بمخارج الحروف وصفاتها، وإنما هو ردُّ هذا الفن إلى أصوله التي قررها أئمته، وارتضاها أعلامه، وجماعها الاقتصاد: تحقيق في غير تعسف، وتمكين في غير تمطيط، وأداء يستوفي حق الرواية ولا يخرج عن طباع العربية. وإنني إذ أوافق الشيخ جمال القرش في جملة من ملاحظاته، لا أنكر ما بذله الشيخ أيمن سويد من جهد في التعليم؛ ولكن الجهد لا يعصم من الخطأ، والشهرة لا تحول دون النقد، والإجازة لا تجعل كل هيئة من هيئات الأداء سنةً متبعة. فليس التجويد أن تُجهد اللسان في إخراج الحروف، ولا أن تُحمّل الألفاظ من التكلف ما ليس فيها، ولا أن تجعل من التعسف سبيلًا إلى الإتقان؛ وإنما التجويد أن تُعطي الحروف حقوقها من غير زيادة ولا نقصان، وأن تجري بالقراءة على سنن العربية، في لطف ورفق، لا تُفسد لفظًا، ولا تُغيّر مبنًى، ولا تُلبس معنًى. فما أفسد القراءةَ مثلُ تكلفٍ يتزيّا بزيّ الإتقان، ولا أضرّ بالتعليم من خطأٍ يلبس لباس الصواب، ثم يُتخذ مثالًا يُورَّث للأجيال. |
|