الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

أقبلت أيام السعود

علي يونس

مقالة

تاريخ النشر: 2026/10/14
اقرأ للكاتب
بغض النظر عما ينطوي عليه جيبك من مدخرات مالية، ومدى استعدادك لإنفاق القليل أو الكثير من ذلك في شراء الكتب.
فإن وجود هذا الحفل البهيج على قلة مبهجات هذا البلد لهو مما يغمر النفس بالسعادة.
معرض الكتاب هو مهرجان حقيقي، وفرصة للنزهة واكتشاف مكان خاص بالمدينة غير موجود باقي أيام السنة، يذهب الناس إليه فرادى ومع عائلاتهم، مبتسمين هادئين، لا طمع ولا خوف، ليقابلوا أمثالهم، في مكان حسن الشكل مليح المنظر، ليرجعوا بتجربة فريدة وطاقة إيجابية، حتى لو لم يشتروا كتابا واحدا.
ومع ذلك فالمعرض يحمل فوائد ثقافية حقيقية لغير المشتري:
- أن العلاقات تقوى بالقرب، وهذا الوجود الدوري لمهرجانات المعرفة الكبرى مع ما فيها من مشاركة رموز النشر العربي، لهو مما يجدد تلك الرابطة الكُتبيّة التي تكالبت عليها ظروف الحياة وهمومها المعاشية خنقاً ووأداً.
- وأن مجرد تعرّفنا على أسماء الكتب ومحتوياتها تكسبنا معرفة ثمينة بوجود نقاشات وجدل وحكايا وحقول معرفية ما، مما يقصّر جهدنا لاحقا في الوصول إليها عندما تتجدد رغبتنا في إدراك ذلك تفصيلا والوقوف عليه.
- وهي فرصة أخرى لجيل ناشئ، لم تعرف المكتبات والمعارض المدرسية لمدرسته طريقا، فنشأ عوضا عن ذلك في أحضان مؤثري التيكتوك ومقاطع الفيديو القصيرة، هي فرصة له لاكتشاف معرفة نوعية أداتها الكلمة وشكلها الكتاب، ولكنه كتاب سلمت حروفه من لجان وزارة التربية والتعليم ومقرراتها في حفظ المناقشات وتكرار الواجبات.
- وهي فرصة جميلة للحديث مع الأصدقاء في المقاهي، وقراءة منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنها ستكون هذه المرة حول الكتب ومخرجات الكتب، وقع المناسبة ومشهديتها سيؤثر بالضرورة كما يفعل التريند على أحاديثنا اليومية، وهو لحسن الحظ تريند جميل، يستأهل منا ذلك.
- وهذا الاجتماع الحقيقي والافتراضي لا يطيل من عمر الإنسان ولا يزيد من رصيده البنكي، وهو بالطبع لا يحل مشاكل البنية التحتية في بلاد تغرق لدى المطر أدنى نقطة منه للبحر، ولكن المعنى الأول للكتب غير كامن في محتواها المباشر، ولكنه أمر يأتي معها ومع أشكال الفنون أجمعها، حين تجعلنا أكثر إنسانية وأرهف حسا، وذلك لا شك غاية عظمى لشعب يشكو كل يوم من سيطرة العنف والقبح على أبنائه.
- أما الأمر الأخير، فهو نوع تأكيد للسابق، أن هذه الكتب لا تقود للحقيقة بالضرورة، ولا ينتقل المرء بقراءتها من الضلالة إلى الهداية، ومن الباطل إلى الحق، وستجد بين جنبات هذه المعارض كل ما شاء خيالك من الأفكار والايديولوجيا، خدمة لمن هم كما يشاء خيالك اختلافا في الأفكار والايديولوجيا، ولعلهم سيخرجون بعد قراءتهم لهذه الكتب كما دخلوها على نفس الأفكار والأيديولوجيا، إلا أنهم سيكونون بكل تأكيد أكثر قدرة على الحجاج دون أفكارهم، وأكثر تسلحا بالدليل والمنطق، وفوق هذا أفصح وأبلغ وأكثر أدبا. ولعمري إن ذلك لهو الغاية الكبرى، ولن يزال الناس مختلفين، لكن الحضارة هي أن يعبر الناس عن اختلافهم بالمطارحات الفكرية والنقاشات المعرفية، لا بالعنف اللفظي والحقيقي ولا بجهاد الهاهاه، ولا شك أن هذه الأشكال الأخيرة ليست إلا تعويضا عن النقص في الأولى.
معرض كتاب سعيد

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبك

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  5480