 | ما يتطلبه علم المخطوطات من القائم على ترميمهاتامر الجبالي | مقالةتاريخ النشر: 2026/08/31 اقرأ للكاتب |
عندما طُلب مني المشاركة في هذه الدورة، حدثت نفسي بأنني غير متخصص في الترميم، ولدي أعمال بحثية أخرى أعمل عليها، وربما يكون الاعتذار هو الخيار الأنسب والأسهل. وبالفعل قلت لأسامة بكر لست متخصصا في الترميم وأفضل عدم المشاركة، لكن بعد النقاش اقترح أن تكون المحاضرة حول المعرفة الكوديكولوجية الضرورية لمرمم المخطوطات، فأعجبتني الفكرة. وكانت الخطوة الأولى هي مساءلة نفسي: ما هي المعرفة الكوديكولوجية التي يحتاج إليها مرمم المخطوطات؟ وما أثر غيابها في قرارات الترميم؟ أسلمني هذا السؤال مباشرة إلى ملاحظة مهمة: بدون فهم عميق لبنية المخطوط وسياقاته المادية والتاريخية، قد ينجح المرمم في حمايته بوصفه أثرًا ماديًّا، لكنه قد يسهم (من حيث لا يدري) في فقد بعض أصالته المعرفية، وربما الإخلال بسياقاته وشواهده التاريخية حول صناعته وتداوله واستعماله عبر الزمن. ولو شبهنا الأثر المادي بالجسد، والمحتوى السياقي بالروح، فإن الترميم الناجح ينبغي أن يحافظ على الجسد والروح معًا. وهذا التوازن الدقيق لا يتحقق بالمعرفة التقنية والمخبرية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى إلمام بتاريخ الكتاب وصناعته وتقاليده. وعندما نظرت إلى الموضوع من هذه الزاوية، ظهرت لي عشرات الأمثلة التي تستلزم دراية بتقاليد المخطوطات العربية: على سبيل المثال: قد نجد جذاذة صغيرة جدًا لا تتخطى ١x١سم كُتب عليها (ك٣) أو (٣من٢)! قد تبدو مجرد قصاصة لا قيمة لها، لكنها في الغالب تمثل رقم كراسة من كراسات المخطوط. فإذا كان المرمم على معرفة بتقاليد صناعة المخطوطات العربية، والطرق المختلفة للتعبير عن أرقام الكراسات أو التعقيبات، تمكن بكل سهولة من اتخاذ القرار الصحيح بشأن موضعها ودلالتها عند إعادة ترتيب أجزاء المخطوط أو ترميمه. ويشبه ذلك وجود الطيارات أو الورقات الطيارة، وهي ورقات مفككة توضع في تضاعيف المخطوط.. وهناك مثال آخر أكثر تعقيدًا ويحتاج إلى نقاشات مشتركة بين المرممين وعلماء المخطوطات لوضع أطر علمية استرشادية للتعامل معه: بعض ملاك المخطوطات، على سبيل المثال، كان يكتب ملاحظة أو تقييدًا في ورقة مستقلة ثم يلصقها فوق نص أقدم في الصفحة. ومع مرور الزمن تضعف المادة اللاصقة وتنفصل تلك الورقة. في مثل تلك الحالة: ما القرار الصحيح؟ هل تُعاد الورقة إلى موضعها الأصلي فوق النص، محافظةً على آخر حالة تاريخية وصل إليها المخطوط؟ أم تُترك منفصلة حفاظًا على النص الأقدم الذي كانت تحجبه؟ أم تُتخذ معالجة أخرى توثق الحالتين معًا؟ وعرضت هنا نماذج لمخطوط كان أحد الأشخاص يكتب "رضي الله عنه" ويلصقها فوق النص الأصلي فوق كلمة "عليه السلام"! وهنا اقترح صلاح الدين النور أن يوثق المرمم عمله وصولا إلى اتخاذ إجراء محدد. مثل هذه الأسئلة لا تبدو تقنية فحسب كما هو ظاهر، بل هي في جوهرها أسئلة معرفية تتعلق بكيفية فهم تاريخ المخطوط وتمثيل طبقاته الزمنية المختلفة. وكلما تأملت هذه الأمثلة وغيرها ازدادت قناعتي بأن ترميم المخطوطات ليس أمرًا تقنيًا خالصًا، بل هو مجال تتقاطع فيه علوم عديدة في مقدمتها الترميم والكوديكولوجيا وتاريخ الكتاب، وربما علوم أخرى. وكثير من القرارات التي تبدو فنية في ظاهرها هي في حقيقتها قرارات معرفية تحتاج إلى نقاشات بين المتخصصين في الجانبين. لهذا رأيت أن المشاركة في هذه الدورة ستكون فرصة لفتح المزيد من الأسئلة للحوار والتعلم، والمساهمة في جمع مادة علمية قد تسهم مستقبلًا في بناء إطار نظري واسترشادي يساعد في ربط المعرفة الكوديكولوجية بالممارسة العملية في ترميم المخطوطات. وبالفعل شاركت وجهزت مادة علمية مناسبة تكلمت فيها حول العلاقة بين علم المخطوطات والترميم، والفكرة المركزية التي انطلقت منها مفادها أن الترميم ليس عملية تقنية مجردة، بل هو في جوهره عملية معرفية تقوم على تفسير الأدلة المادية التي يحملها المخطوط. فكل قرار يتخذه المرمم ــ من إعادة ترتيب الأوراق، أو تثبيت الإضافات، أو معالجة التلف ــ يفترض قراءة تاريخية للمخطوط، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تثبيت تفسير معين واستبعاد تفسيرات أخرى. واقترحت إطارًا نظريًا في ثلاث مراحل متكاملة: المشاهدة، والتفسير، والتدخل، مع التأكيد على أن نجاح عملية الترميم يعتمد أولًا على صحة التفسير الكوديكولوجي للشواهد المادية، وأن الدقة التقنية وحدها لا تكفي إذا بُنيت على فهم تاريخي غير صحيح. وعرضت مجموعة من الشواهد التطبيقية المستمدة من مخطوطات عربية، توضح كيف تسهم دراسة بنية الكراسات، والتعقيبات، وترقيم الأوراق، والهوامش، والقص والتهذيب، والأوراق الطيارة، والإضافات اللاحقة، وآثار الاستعمال، في توجيه قرارات الترميم وصون القيمة التاريخية للمخطوط. وتهدف المحاضرة في الجملة إلى إبراز أن الكوديكولوجيا ليست علمًا مساعدًا للترميم فحسب، بل تمثل الأساس المعرفي الذي ينبغي أن تستند إليه جميع قرارات الترميم، حفاظًا على أصالة المخطوط بوصفه شاهدًا تاريخيًا متعدد الطبقات، لا مجرد حامل للنص. |
|