الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

حين يتكلم العمل ويخرس الضجيج

أكرم علي حمدان

مقالة

تاريخ النشر: 2026/08/08
اقرأ للكاتب
حين يتكلم العمل ويخرس الضجيج
زرتُ اليابان غير مرة، فلم أستغرب ما رأيت فيها من نظامٍ ونظافةٍ وإجلالٍ للإنسان, فتلك أمةٌ أخذت مكانها في مقدمة العالم منذ عقود، حتى صار التفوق فيها عادة، لا مفاجأة.
وقد حسبت أن كثرة الأسفار قد قتلت في نفسي الدهشة، فما عدت أرى جديدًا إلا وجدت له شبيهًا هنا أو هناك، حتى وطئت قدمي أرض الصين، فإذا بذلك الشعور الذي ظننته ولى إلى غير رجعة يعود كأنما بُعث من جديد.
لا لأنك ترى أبراجًا أعلى، أو قطاراتٍ أسرع، أو مطاراتٍ أضخم؛ فهذه كلها ثمرات، أما الدهشة فهي في العقل الذي أبدع، واليد التي عملت. فهاهنا أمةً جعلت من الانضباط ثقافة، ومن الإتقان عبادة، ومن المصلحة العامة خلقًا، حتى ليخيل إليك أن الفوضى لم تجد إلى هذه البلاد سبيلًا، وهي البلاد التي كان ينخرها الجهل، ويفتك بها الفقر، ويغزوها كل طامع.
هنا لا تشعر أن المدن بُنيت فوق الأرض، بل تشعر أن الإنسان قد أعاد هندسة الأرض نفسها.
بنيةٌ تحتيةٌ إذا وقفت أمامها أدركت أن ما كنا نصفه بالأعجوبة الهندسية قد أصبح فصلًا قديمًا في كتاب التاريخ. طرقٌ، وجسورٌ، وأنفاقٌ، وموانئ، ومطارات، ومدنٌ بأسرها، كأنها خرجت دفعةً واحدةً من عقلٍ يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه.
ثم إذا أنت تحولت بفكرك إلى بلادنا، وهو تحول لا تملك منه فرارًا وإن جهدت وسعك، اعتصرك الأسى...
اعتصرك الأسى لأن أممًا كانت تملك من أسباب النهوض ما لا يقل، ثم اختارت أن تستهلك أعمارها في معارك لا تبني حجرًا، ولا تزرع شجرة، ولا تفتح مختبرًا.
وحتى إن هي بنت فإنما للخراب تبني، وللدمار تشيّد، ولله ما أقسى أن ترى من يبني وهو يعلم أن ما بناه في سنين قد يُهدم في لمحة بصر، وما أنفق في تعميره المليارات قد يمسي ركامًا أمام آلة البطش البشرية، وأن ما تركه من غرس لا يدري لمن تكون ثمرته. فكم من مدينةٍ شُيِّدت لتُقصف، وكم من مصنعٍ أُقيم ليُسوَّى بالأرض، وكم من جيلٍ نُشّئ ليبدأ من الصفر مرةً بعد مرة.
وهنا يكمن الفرق...
فالصين لم تبنِ لأنها غنية، بل اغتنت لأنها بنت.
ولم تُحترم لأنها قوية، بل أمست قوية لأنها قررت ألا يبقى احترامها مرهونًا بإرادة غيرها.
فهمت سنة التاريخ التي يغفل عنها الغافلون: أن الحضارة التي لا يحرسها اقتدار، تبقى مشروعًا للخراب مؤجلًا، أو غنيمةً لأول عابر.
فهمت ذلك فأخذت بأسباب القوة كلها؛ علمًا، وصناعةً، واقتصادًا، وتقنيةً، وتعليمًا، ودفاعًا، حتى بلغت منزلةً أصبح معها أقوياء العالم يحسبون لها الحساب قبل أن يتخذوا القرار.
ومع ذلك...
فما ثمة ضجيج يملأ الآفاق، ولا خطب تتغنى بكل طريق، ولا مهرجانات لكل جسر، ولا أناشيد لكل مصنع.
فالحضارة لا تصنعها الخطب الرنانة، ولا التصفيق، ولا الاحتفال بالإنجاز قبل وقوعه.
الحضارة تصنعها أيدٍ تعمل، وعقولٌ تخطط، ودول تعرف أن المستقبل لا يُستعار من الماضي، بل يُنتزع انتزاعًا من بين أنياب المستحيل.
إنهم يعملون... ثم يعملون... ثم يتركون للإنجاز أن يتحدث.
كأنهم يقولون للعالم، لا بألسنتهم ولكن بمصانعهم، ولا بخطبهم ولكن بأبحاثهم، ولا بشعاراتهم ولكن بأفعالهم: إن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، فلسنا أقل منكم عقلًا، ولا أدنى همة، ولا أقصر نفسًا.
وإنكم وإن احتكرتم التفوق زمنًا، وظننتم أن الحضارة إرثٌ عائلي تتوارثه أممٌ دون أمم، فلستم بأبناء الله ولا أحبائه، فقد وهبنا ما وهبكم، فجئناكم لنثبت أن العقل لا وطن له، وأن العبقرية لا لون لها، وأن الأمم لا تتفاضل بما تقول، بل بما تُنجز.
سأخرج من الصين وكلي إعجاب بتجربتها الفريدة...
وإن كان إعجابي بها ليس بأعظم من غضبي علينا.
غضبي من أمةٍ أنفقت قرونًا تتجادل في أسباب السقوط، بينما كان غيرها منهمكًا في بناء أسباب النهوض.
غضبي من أمةٍ ما زال بعض مثقفيها يصفقون لمستبد غاشم، وحاكم جاهل، ويفرحون لانقلابات عسكرية حمقاء تجاوزتها الشعوب الحيّة منذ مئات السنين.
غضبي من أمةٍ ما زال بعض حكامها يرون الخضوع سياسة، والتذلل حنكة، والعبودية نجاة.
غضبي من أمةٍ لم تتعلم من أمثالها السيّارة، ترى أخاها يذبح فتشحذ لذابحه المُدى، ولا تعلم أنها ستكون الذبيح التالي.
غضبي من أمةٍ تحسب زيادة سكانها عبئا فلا تجتهد في شيء اجتهادها في تحديد نسلها وتقليل سكانها!
غضبي من أمةٍ تفرّط في علمائها وترفع جهلتها، يعبثون بدينها وتاريخها وتراثها، تغدق عليهم وتروج لهم وتمنحهم المناصب والمنصات!
غضبي من أشياء كثيرة يقصر عن ذكرها كتاب كبير بله خاطرة عابرة

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  6252