الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

جئناكم بالتنوير

علي يونس

مقالة

تاريخ النشر: 2026/07/21
اقرأ للكاتب
يقابل طريقة التراثيين في التسليم بأي فكرة موروثة، بدون مساءلتها ولا السماح بمساءلتها، حتى ولو كانت انطباعا شخصيا في قرن متأخر = مسارعة الحداثيين إلى كسر المتاح من المعرفة الإنسانية لصالح افتراض وجود أشخاص وأفكار وأسباب ونيّات وعلاقات أخرى، بدون تكلف الأدلة ولا تحمل عبء الإثبات، بل وإعادة ضبط التاريخ واللغة والأفكار وتوزيع أحداثها بمحض التشهي، ولأني أستطيع، ولأني حر، ولا للوصاية!
عوالم فانتازية كاملة تبنى على طريقة الرواية التاريخية، بدون استشعار أي قدر من الحياء، ولا الحساسية العلمية لاجتراح هذا القدر من إهدار المنهجية العلمية، لصالح منهجية: أنا أشعر، ولعلّه، وفي ظني!
كل ذلك يجري مصحوباً بمعيّة ترسانة كاملة من: الصراخ بحرية العلم والرأي والهبد، وجئناكم بالتنوير، وارتقوا فالقاع مزدحم! مع قدر هائل من الدوغما، والتبرم بالنقد العلمي، وإرهاب المتجرئين على نقد النقد بدعاوى الظلامية!
وإن كان التراثي المكابر في كل مكان وثقافة، ينطلق من فكرة متفهمة نفسيا ومنطقيا، وهي انحيازه التأكيدي، لفكرة كثر قائلوها وكثرت براهينها، حتى ألحقت صوابا أو خطأ بالمسلمات.
فإن الحداثي المكابر لا يتكئ إلا على قلة أدبه، ذلك أنه ينهض لفكرة شائعة وقاعدة متبعة، ويقرر أن كل الناس قبله قد أخطؤوا وضلوا، أما دليله العريض على هذه الدعوى الكبيرة فهو: شعوره أو تمنيه!
ثم لا يتوقف على ذلك، حتى يستطيل بلسانه على تلك الفكرة، قدحا فيها واستصغارا لشأن قائلها، وانزعاجا من عدم مسارعة أصحابها الحمقى للتراجع عنها بمجرد أن باح لهم هذا المخلص بنقده الأسطوري، مع محاضرات عن النسبية المعرفية، والحقيقة المؤلمة المقدمة على الوهم اللذيذ.
وبينما هو كذلك، إذ يشتد غضبه لمجرد نقدهم نقده، وتضيق نفسه لمجرد تعكيرهم متعته، ويتساءل في جدّيّة لم كان عليهم أن يطرحوا هذه الأسئلة العلمية المزعجة! ولم كان عليهم أن يطالبوه بكل هذه البراهين الثقيلة!

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  9794