الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

صناعة الكرة وصناعة الأهداف

محمد خليل الزَّرُّوق

مقالة

تاريخ النشر: 2026/07/12
اقرأ للكاتب
قدرة الإنسان عجيبة على "صناعة الأهداف"، خذ مثلا كرة القدم، كيف صارت هذه اللعبة شغلا شاغلا للناس، وحرفة وصناعة ومؤسسة دولية، وموسما يعلق قلوب الشعوب والحكومات واللاعبين، ويعُد كل أولئك الفوز بالغلبة وإحراز الأهداف بالمعنى الاصطلاحي للعبة هدفا تبذل فيه الأموال والأوقات والجهود، وكيف انتقلت من رياضة أو ترويح، إلى هذا المكانة العجيبة في النفوس وفي خطط الحكومات، وكيف تحولت إلى صناعة وإلى مهنة وإلى مفخرة بالفوز والغلبة، وإلى محزنة بالخسارة والهزيمة، وإلى خصومة واختلاف، ثم إلى تعصب وانتماء، وداعية إلى حشد الناس وسفرهم وبكائهم وصراخهم وبذلهم من نفوسهم وأموالهم هذا القدر الكبير، إلى آخر ذلك مما نعلم.

هذا شاهد كبير على قبول عقل الإنسان ونفسه لصناعة الأهداف، وإن كانت تافهة بموازين أخرى، فما الذي يجعل للعمل أو الفكرة أو الاهتمام قيمة ومنزلة ووزنا؟ ما مصدر ذلك وما مرجعه؟ ولماذا يجب التسليم له والمجاراة فيه؟ وما أثر الاندفاع الجماعي والاشتغال العام في اهتمام الناس؟ وقس على ذلك كثيرا من شئون الترفيه والترويح ورياضة الأبدان والإعلام وما يسمى الفنون.

وهذا كما يصنع الانتماء، وتختلق الجماعات، وتُنشأ الكيانات، وينساق الناس إلى ما صُنع لهم من شيء في الذهن فيتحول إلى واقع وحدود ينمتون إليها ويموتون في سبيلها، وإن فرقت بين الأخ وأخيه، وخالفت التاريخ والجغرافيا، وعاندت الدين والعقيدة.

إن حقائق الموت والبعث والحساب والجزاء كفيلة بقلب الموازين وتحويل الاهتمام لو كانت حاضرة في الأذهان والقلوب، وهذا هو الإيمان بالتعبير القرآني، أو الاعتقاد بالتعبير الاصطلاحي، وهذا أثره في حياة الناس والأمم.

وكذلك تكون الكثرة غثاء أو وزنا، والعمل جُفاء أو نفعا، والاهتمام هوى أو حقا.

ويريك هذا أيضا غفلة كثير من المسلمين عن معنى الإيمان الذي في القرآن والسنة وتحويله إلى المعنى الكلامي، حيث يكون التفكر النظري الذي لا ينبني عليه عمل محط الولاء والبراء وتصنيف الناس، ومعنى النية والعمل وتقويم النيات والأعمال والناس بحسب الموازين الإيمانية مغفولا عنه محصورا في زوايا المتبتلين أو أنفاق المجاهدين أو أوراق الكاتبين، وهو هو الذي تتوقف عليه المصائر والمنازل والدرجات بحسب علم الآخرة، وهو هو الذي "يصنع أهداف المسلم" كما أريد له، وهو هو الذي ينزل الأعمال منازلها ويبين أوزانها وأقدارها، لو كانوا يعلمون.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  9024