 | لدغت كثيرا .. ولكن من أجحار شتىسعد مصلوح | مقالةتاريخ النشر: 2026/07/08 اقرأ للكاتب |
"حَديثُ الأفَاعِي طَوِيلُ المَدَى" هذا شطر بيتٍ حَكِيمٍ أجراه الأمير على لسان إحدى شخصياته في مسرحيته المشهودة "مصرع كليوباترا"، تمثَّلْتُه ذاتَ المِرَار حين كانت تعتادني الحوادث، ولكنْ غالبا ما يكون ذلكم بعد الفوات ووقوعِ الفاس في الراس. وكم أقلقني تعاقبُ اللدغة في إثر اللدغة، وتجاوبت في الأعماق أصداء القول الشريف: "لا يُلْدَغُ المؤمن من جحر واحد مرتين "، فأخاف على نفسي، ثم إني أسترجع وأفَوِّضُ إلى الله أمري ؛ ملتمسا عزائي وسلواي في أن اللدغ - وإن تعدد - كان بحمد الله من أجحار شتى، لا من جحر واحد. ولقد ظَلْتُ أدافع القول في هذه البَابَةِ المُمِضّة لِمَا لها في مسيرة العمر من طويل الذيول ،حتى زاحم مقالةَ الأمير في نفسي مقالةُ حبيب الطائي: شَكَوْتُ وَمَا الشَّكْوَى لِمِثْلِيَ عَادَةٌ * وَلكِنْ تَفِيضُ النَّفْسُ عِنْدَ امْتِلَائِهَافَأجَاءَنِي اقتحام ذلك المضيق إلى أن أعتصر من طَلْعِ شجرة الزقوم قطرات قِلالًا لا كأسا دِهَاقا معتذرا لقارئي، راجيا عند الكرام قبول المعذرة . في عام ١٩٨٨ دعاني من كنت أحسبه صديقا ثقة وزميلا مقربا إلى أن أشاركه ترجمة موسوعة علمية قيمة، توفر على إنجازها طائفة من الأعلام في صنوف العلوم الإنسانية في بضع مئين من الصفحات، ورأيت في نقلها إلى العربية خيرا كثيرا للباحثين ، فَمَرْحَبْتُ الاقتراحَ وهششت له، ثم تقاسمنا الكتاب، فشمرت للمهمة ، وأنجزت قَسْمِي بما عودت نفسي من توخي الإتقان واستفراغ الوسع في الإجادة، ثم تلقيت منه قَسْمَه وجعلت أقلّبُ فيه بصري فراعني ما فعل؛ فصاحبي - وكان أستاذا دكتورا - بينه وبين صحيح النحو خصام شديد ؛ إنه يلزم جمع السلامة المذكر الياء كَدَأْب العوام حيث يرد ، وكذلك شأنه مع المثنى، وتراكيبه الغثة المستعجمة تستخرج الضحك من فؤاد الثكلى ، وكنت بين أمرين أحلاهما علقم ؛ فإما أن ألقي بما انتصبت له شهورا وراء ظهري ، وإما أن أتقبل ما جاءني منه على العلات ، وأحثو التراب على اسمي وسمعتي . غير أني جنحت إلى ما جعلته في باب خدمة المعرفة والستر على الصديق، وكان مما هالني أني وجدته كلما صعبت عليه الجملة أو الفقرة هوّنَ على نفسه الأمر بالترك والإغفال ، ولا ريب أن صدور الموسوعة على هذا الوجه الدميم فضيحة ، وكفى بالفضيحة عارا عند ذوي الألباب ، فعكفت على ما قدمه لي كلمة كلمة ،. وفقرة فقرة، واستتممتُ ما أغفله وفَرط منُه ولم يكن بالقليل ، حتى لكأني قمت بالعمل كله فردا . وسألني أن أكتب للموسوعة مقدمة ممهورة باسم كلينا ، ولما فعلت أسمعني من الثناء والشكران ما طابت له نفسي حتي هممت بأن أضاعف له الشكر على شكره إياي. ذهب صاحبنا بالكتاب ليعرضه على ناشره الخاص ، وبغتني بعد أشهر قِلال بصدوره مطبوعا ، وبأنه قدم اسمه على اسمي في تصميم الغلاف ولم يكن ذلك بالقسط ، بيد أني لم ألق للأمر بالا .ولما سألته عن العقد وما ينبغي لنا من حفظ حقنا لديه قال : لسنا بحاجة لعقد ؛ فالرجل سمعته كالأصفر الرنان ، وناولني مبلغا متواضعا جدا ، وخمسا من النسخ ، وكان هذا آخر عهدي بالكتاب إلى يوم الناس هذا ، بل لعله من طريف الأمر أني اضطررت - ولا أزال - إلى شراء نسخ منه بأكثر مما نلت من المكافأة؛ أحوجتني إليها الضرورات. ثم إني في أحد مواسم معرض الكتاب في القاهرة تكشٌفَ لي قّدّرًا أنه قد دفع الموسوعة إلى ناشر آخر في الإسكندرية ليخرجها مصورة ويبيعها الناس بثمن معتبر، بغير علم مني ولا سابقة استئذان ، وملأ بطنه بالمال الحرام من هذا وذاك حتى صرت معه أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام . حين أخذ الحنق بمخانقي سولت لي الأمارة أن أقاضي الناشر الأول ؛ مّعْذِرّةً إلى ربي من تبعة التقصير في حق نفسي . وقد فعلت ، وأنا مستيقن بأن مآل القضية إلى الخسران ؛ إذ ليس تحت يدي عقد ولا مستند ، وقد كان ما أعلم أنه كائن . ودفعت للمحامي من الأتعاب ما ضاعف الخسارة ، وهكذا صار الأمر ضِغْثا على إبالة . وإلى الله وحده المشتكى . أما ما كان من أمر صاحبي في مسيره ومصيره فقد طرد من الكويت واضطر إلى مغادرتها في أيام معدودات لأمر أحدثه ولا أخوض فيه ، وعاد إلى مصر فأسس معهدا عاليا للخدمة الاجتماعية وجعل من نفسه عميدا له ، وأفلح في إدراجه ضمن كليات مكتب تنسيق الجامعات. وإن هي إلا سنوات معدودات حتى استبان لشركائه أنه فعل بهم فِعْلَةَ زُرَيق في الشاهد النحوي الشهير ؛ إذ نَدَلَ أموالَهم نَدْلَ الثعالب ، فلاحقوه في ساحات القضاء . بيد أنه تسلل لواذا إلى المغرب الأقصى بلدة زوجه ، وولّى دُبُرَه إلى خارج مصر. ولست أدري ما صنع الله به بعدُ .وأما أنا فما برحتُ جالسا الليلة في كِسْرِ بيتي لأقص على قارئي هذه القصة . إنها قصة لدغة واحدة من جحر واحد .أما الأجحار الأخرى فأحاديثها تطول. ألا ما أصدق مقالة الأمير : "حديث الأفاعي طويل المدى"!
المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبك |
|