 | الجودة الشعرية والجودة السياسيةحسين عدوان | مقالةتاريخ النشر: 2026/07/07 اقرأ للكاتب |
أغرب ما في الضجة التي أثيرت حول قصيدة تميم البرغوثي أنه لم يكتب قطُّ أنها في رثاء علي خامنئي، ولم تظهر في إخراجها البصري أيُّ دلالات تقول ذلك، بل ظهر تميم يلبس شعار "لا غالب إلا الله" الذي هو شعار دولة بني الأحمر في غرناطة، وهي دولة سُنية مالكية ينتسب مؤسسوها إلى العرب اليمانيين. مع ذلك، لم تمض ساعات على نشر الرجل قصيدته حتى ضج الناس بخبر أن الشعر في رثاء خامنئي، فوقعوا في فخّ تميم حيث قال في القصيدة: أتعرفُ من هذا؟ لُحيتَ، ألا نعم فلا هو مجهولٌ ولا أنتَ جاهلُ والحقّ أنّ هذا هو أول ما يَسلُك قصيدة تميم في خط شعر الهاشميات وأماديح أهل البيت ومراثيهم؛ فحشدُ الصفات التي تُفضي إلى الموصوف هو الأسلوب البديع الذي يعود إلى إحدى أشهر هذه القصائد (هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَه)، حتى اختلفت المصادر في تحديد المعنيّ بها: أهو الحسين بن علي أم زين العابدين بن الحسين أم علي بن عبد الله بن جعفر! فضلًا عن الاختلاف طبعًا في نسبتها إلى الفرزدق أو غيره. ولكن الأمر الأكيد أن الناس في ذلك الزمان عرفوا المعنيّ بها إذ أغنت صفاتُ الممدوح عن أن يُصرَّحَ باسمِه! والأمرُ الأوكد أن أعداء ذلك المعني كانوا أكثر معرفةً من أتباعه بانطباق تلكم الصفات على من أطلقها الشاعرُ عليه! أما قصيدة تميم فلا أظنّ رجلًا له أدنى ذائقة في شعر العرب، فضلًا عن أن يكون عالمًا به، يستطيع أن يصفها بوصفِ بعضِ الظّلَمَة من أنها ليست شعرًا! الخصومة مفهومة، والوضعُ الذي آلت إليه الأمة من الاحتقان أصبح واقعًا لا يُرد وتُسألُ عليه السلامة، ولكن المساس بشاعرية الرجل والدخول إلى الناس من باب الحطّ من قدراته هو أمرٌ عجيب وتزييفٌ عميق لإرثٍ كاملٍ من الشعر السياسي والمذهبي في تاريخ العرب قلّما انزلقت قدمُ متذوقٍ للشعر إلى محاكمته وفقَ المذهب أو الطائفة أو الفئة. في أقسام اللغة العربية من المحيط إلى الخليج تُدرَس مرثيةُ عبد الله بن الزبعرى في قتلى بدر المشركين ومناكفاته -إضافة إلى ضرار بن الخطاب وأبي سفيان بن الحارث وغيرهما- لشعراء المسلمين، ولا أنسى أننا قرأنا قصيدة لضرار بن الخطاب في رثاء أبي جهل! تُدرس كذلك قصائد الحزب الأموي جنبًا إلى جنب مع قصائد العلويين والخوارج والزبيريّين، ولم نتحدث عن نقائض الأخطل وجرير التي كان موضوعها الصليب والأذان! فإذا صعِدنا إلى العصر العباسيّ، درسنا رسائل للجاحظ في النبيذ والجواري والغلمان، وقصائد لبشار في الزندقة، وأخرى لأبي نواس في اللهو، ثم لا بد من وقفات مع زهد أبي العتاهية قبل أن يصل الدارس إلى تجديفات المتصوفة تتويجًا بغرائب أبي العلاء! ولولا الإطالة لذكرتُ في أدبنا عجائب وغرائب لا يعيها إلا من يعرفُ اتساعَ الكلمة وعلوّها على ما سواها. لا أقول إن على المرء أن يُميّع مواقفه، ومن ثمّ فللمرء الحانق أن يشتمَ تميمًا أو أن يصفه بما شاء إلا أن يدعيَ بالشعر علمًا فيكبو! فهذا لعمري مما يفضحُ المتعالمَ ويُضحكُ الناس.
صفحة الكاتب على الفيسبك |
|