 | ملحمة ليبيةمحمد الصادق الخازمي | مقالةتاريخ النشر: 2026/06/19 اقرأ للكاتب |
كثيرون في هذه الدنيا لم يُعرَف فضلُهم إلا بعد موتهم، وشواهد هذا ليست بالقليلة، لكن (حذام بن قدارة) هي آخرُ ما وصلنا في هذه البلاد التي لطالما وُصفت بأنها بلادٌ قَفرٌ من الإبداع والفن، أو أَعِدْ ترتيبَ حروف القفر ليكون الأمرُ أكثرَ عدالة. هذه سيّدةٌ ليبيّةٌ استثنائيّةٌ تخرّجت في جامعة كامبريدج البريطانية المرموقة سنة 1956م، واهتمت بالأدب والدراسات الشرقية خاصة، وأجادت حسب سيرتها سبع لغات هي بالإضافة إلى العربية: الفارسية، والإنجليزية، والإيطالية، والفرنسية، والإسبانية، والصينية الكلاسيكية الصعبة، وقيل إنها تجيد التركية أيضا! وإن عددتَ اللغات والأدب موهبةً، فهما لم يكونا الخصّيصى الوحيدة لها؛ فقد كانت رسّامةً ماهرة، لها لوحات تشكيلية تحمل توقيعها، وَشّحت بنماذج منها بعضًا من دواوينها، وهي -إلى ذلك- مغرمةٌ بالموسيقا وتجيد العزف على البيانو والعود معا؛ فكأن هذه السيدة تحاول أن تُثبتَ برسالةٍ ما أنّها صِلةُ ما بين الشرق والغرب. عاشت حذام بن قدارة أغلبَ حياتها خارج ليبيا، لكنها ارتبطت بهذا البلد ارتباطا قويًّا جمع بين أصالة الأسرة العريقة المعروفة (بن قدارة) نسب والدها، وبين زواجها من السيد (محيي الدين فكيني) رئيس وزراء ليبيا السابق في فترةٍ من عهد المملكة، ولابد أنّ الارتباط بسياسيٍّ لامعٍ مثلِه قد أطلعها على أسرار التاريخ السياسي الليبي المعاصر، وعلى تجاذبات القوى والتأثير وما بينهما من التفاصيل التي عمّقت الانتماء بالوطن على كلّ حالٍ. وقد أعاد الأستاذ الشاعر الأديب محمد المزوغي اكتشاف مواهبها، وأعادت هي لنا تقديمَ موهبةٍ أخرى له وهي موهبة الكتابة النثرية، وبراعة النقد الأدبي الذي تشبّع به، وأوغل فيه، ولم يتفرّغ له من قبل. عندما طُلِب إلى الأستاذ المزوغي إعادةُ طباعة دواوينها الصادرة باللغة الإنجليزية لم يفعل ذلك بمنطق التاجر وصاحب العمل المتعجِّل الذي لا يهمّه مضمون ما يطبع، وكان من وفائه لأدب موطنِه أن قرأ أعمال السيدة حذام قراءةً جميلةً ناقدة، ثم حاول أن يجد وشيجةً جامعةً بين هذه الأعمال؛ فهدتْه القراءةُ المتأمّلةُ الدقيقةُ إلى أن دواوينها الخمسة تشكّل عملا موحّدًا جامعًا، وأنها أقرب إلى الملحمة المتّصلة النشيد، ولكن بروحٍ تجديديّةٍ جميلةٍ، وبمزايا فريدةٍ غريبةٍ عجيبةٍ، سأسرد شيئا منها: - يسجل الأستاذ محمد المزوغي دهشته من حذام لأنها كتبت كلَّ نصوصِها عن الأساطير، ودارت معانيها من وحي الميثولوجيا القديمة، مع إدراكٍ دقيق عظيمٍ لمعانيها، وسيرها، وتوظيفاتها الأدبيّة القديمة. - وبمنطقٍ إحصائي فقد اتكأت الكاتبةُ على أكثر من 200 أسطورة في دواوينها الخمسة، وهي استعاناتٌ موظّفةٌ مهيكلةٌ في إطارٍ واحدٍ، اكتشفت القراءةُ النقديّة للأستاذ المزوغي أنّ له قوسَ بدايةٍ وقوسَ ختامٍ. - وقد تتبّع الأستاذ المزوغي هذا التفرّد الأسطوري في أدب حذام، فوجد أنها لا تكاد تجد لها نظيرًا في كون كلّ كتاباتها عن الأسطورة، ثم سرد سردا مختصرا أبرز الأدباء الذي اشتهروا بالتوظيف الأسطوري، مثل: أوفيد، وفيرجيل، والفردوسي، ودانتي، وميلتون، وبليك، وكيتس...وغيرهم، فوجد أنّ لكل منهم كتابةً أخرى في غير الأساطير، وهي وحدها التي لم تخرج عن هذا النطاق قط. - أَنْسَنَتْ حذام الأساطيرَ، وخرجت بها عن علوّها وتأليهها الوثني القديم، وفرّغتها من هالاتها المقدّسة، وأبقت لها رمزيّتها التي أعادت شحنتها؛ فحضرت في نصوصها رموزًا للمطر، والشعر، والحب، والخصب... وغير ذلك. - الأسطورة عندها (ملاذٌ جماليٌّ) بحسب تعبير الشيخ المزوغي، فالرعاة، والبحار، والقمر، والفصول، والخير، والجمال...كلها تشكّل فردوسها الذي تحاول دمجه في حياتها وحياة الناس.إبداع على إبداع:اطلع الأستاذ المزوغي على ترجماتٍ للنصوص المكتوبة كلّها باللغة الإنجليزية، وترجم هو بعضًا آخر بما تيسّر له من أدوات، ثم أعاد الصياغة، وهذّب شيئا من الدلالة -فترجمة النص الشعري هي أصعب أنواع الترجمة- وأخرج لنا بفضل عبقريّته الأدبية المعروفة نصوصًا ممتازة، توزاي كثيرًا مما يكتب على الساحة الأدبية الحالية، أو تزيد عليه، بفضل أخيلة الكاتبة وبفضل نفَس المترجم الشعري، وأولى الناس بإدراك الإبداع أهلُ الإبداع. وإذا ما قرأت النصوصَ المترجمة فإنك واجدٌ في هذه السيدة ميلًا إلى الطبيعة، وحبًّا للفطرة، ومن النظرات النقدية المميزة للأستاذ المزوغي ما دوّنه عن اهتمها الخاص بالشعر الرعوي، وهذا ينسجم مع ما ذكرناه من حبها للطبيعة، وهي في تحسّرها على الشعر الرعوي -الذي يمثّل طبيعة الأرض، والخصب، والحيوانات الأليفة، والمهنة البدائية النبيلة- تتأسف على انحسار هذا الشعر التطهيري الذي يعيد النفس سيرتَها الأولى، ففي ديوانها الأخير (حكايات صيفية) نشرته سنة 1977م، وفي قصيدتها الأولى منه (استهلال) تأسف لانحسار شعر الرعاء شعر الفطرة والنقاء، وتذكر أبرع خمسة شعراء عرفوا بالتركيز على هذا الفن، والتقدّم فيه، وهم حسب الأستاذ المزوغي: ثيوكريتوس، وفيرجيل، وجون درايدن، وإلكسندر بوب، وسبنسر، وهذا الانتقاء الخاص للأبرز لا ينم إلا عن ثقافة واسعة ورؤية نقدية فنية لمجمل هذا اللون الشعري الجميل الخاص. وفي سيرة هذه السيدة عِبرٌ لا ينبغي أن تترك، ومن ذلك هذا الذي ذكرته آنفًا عن حبّها الفطرة مع كونها سليلةَ بيتي غنىً وثراء من جهتي أبيها وأمها، فقد نُقِل لي أنها بنت قصرًا منيفًا في فرنسا على أراضٍ شاسعة، لعلّها تستذكر بالخضرة، والأشجار، والماء شيئا من تلك الطبيعة التي أسفت لفقدها، وعندما ابتنت دارةً في طرابلس نحتت بعض أجزائها ومنها المرافق الصحية من حجر؛ ولا أرى دلالة أبلغ من ذلك على التعلّق بالطبيعة! أما عمل الأستاذ المزوغي فهو جهدٌ كاشفٌ، وحسبك بالريادة أن يكون صاحبُها ناظرًا إلى ما لم يره الآخرون، ولم ينتبهوا له، وهو في عمله النقدي لا يتكئ على النقد الفطري الذوقي، بل ينفذ إلى أبعد من ذلك، يرسم الصورة الكاملة، وينظم الأجزاء المبعثرة، ويدقّق بعين الناقد الفنان مكامن الإبداع والإجادة، ومن تفاصيل ذلك أنه: • أعاد القراءة وأعاد التقويم، ولهذا سجّل للشاعرة جرأتَها، وكتب نقاط الاختلاف الإبداعي بينها وبين من سبقوها وعنون لذلك بعبارة نقدية جميلة، هي: (كسر الطوق الهوميروسي). • ولأن الملاحم ترتكز على البطل، وتروي قصته، وتفاصيل كثيرة في حكاياتٍ صغرى تنتظمها عادة، فقد شخّص الناقد المزوغي ملحمة حذام، وأقام بطلها الذي أخفته في ثنايا الأعمال، وعنون له بــ(البطل الدلالي) وما بطلُها إلا ذاتها الشاعرة نفسُها! • ومن عجيب التفاتات المزوغي النقدية تبصيرُه للقراء بالمزج الموسيقي بين غنائية أصواتها من (سيمفونية المعجم) ومعزوفة الصوت إلى الغنائية البصرية التي تجسّدها اللوحات والطبيعة في تراسل عظيم للحواس، وفي عمل ناقد بصير.النصوص:في صياغته لترجمات النصوص يقدّم لنا الناقد المزوغي شواهد عمليّةً ناطقةً من أدب حذام، وهو في ترتيبها وتهميشاته التي يقدّمها بها، يحيط القارئ علمًا ببداية الصورة، ويأخذه إلى شرفات النصوص المتتالية؛ فالطول مدعاة النسيان، ووهمٌ يتعمّده المبدع أحيانا ليغلق الباب أمام بدائية التفسير وضآلة التأويل. في النص الأول من ديوانها الأول (أصداء من الماضي) نشر بلندن سنة 1973م، عنونت النص بــ(قصيدة إلى أوليس)، وأوليس عند الميثولوجيين رمزٌ للمسافر الأبديّ والمغامر، وفي التحليل النقدي للعتبتين النصيتين (أصداء من الماضي) وأوليس -وهو اسم الشهرة في الثقافة الإنجليزية لاسمه اليوناني (أوديسيوس)- في العتبتين إشارة إلى (فتح رحلة الملحمة) ويبدو الاختيار في العنوانين عمديًّا واعيًا مقصودا، وفي الألفاظ بداية المعاني كما ترى. تقول في أحد أبياتها: لكنّك كنت تعرف أنّ الخلود بلا امرأةٍ تنتظرك ليس إلا موتًا أطول. إنّ فكرتها تدور حول الجمال الذاوي، الجمال الذي ينضب مع طول المحطّات في الطريق وكثرة المغريات والمحاولات، والإخفاقات والإنقاذات، وفي النهاية تخاطب أوليس : وأدركتَ أخيرًا أن الإنسان لا ينجو إلا باليد التي تعرف اسمه الحقيقيّ لهذا عدت لا إلى (إيثاكا) وحدها بل إلى نفسك!ختام:إنّ الحديث عن هذا التضافر الإبداعي الذي نتج لنا من هذا الإصدار الأدبي الجديد بحاجة إلى تسويد كثير من الصفحات، والعمل النقدي المتقن الذي قدّمه الأستاذ المزوغي يغري بكثير من التعقيب، لكن الكشف أن يرتاد القراء التجربة بأنفسهم، وفي العيان ما يربو عن كثير من الوصف. |
|