الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

الدعوة إلى جمع الأحاديث الصحيحة في كتاب

شريف محمد جابر

مقالة

تاريخ النشر: 2026/06/06
اقرأ للكاتب
لماذا لا نجمع الأحاديث النبوية الصحيحة الموثوقة ونتخلّص من كل ما عداها؟
الدعوة إلى جمع الأحاديث الصحيحة كلها في كتاب واحد بهدف تحديد السنّة وحصرها وحتى "نخلص" - كما قال مرّة الدكتور بشّار عوّاد معروف - هي دعوة متكررة من عدة أشخاص، ورغم وجود أكثر من كتاب بذل هذا الجهد ككتاب "معالم السنّة النبوية" للشيخ صالح الشامي حفظه الله، وكتاب "جامع السنّة" لعبد العزيز المقحِم، (وهو جمع مبارك لتيسير الدراسة لا للاختزال)، فإنّ الهدف الذي يسعى من أجله من يريدون "الحَصر" هدف وهميّ، والسنّة – أعني القطعي منها – محفوظة، وثمّة جوانب تتسع للأنظار المتباينة والاجتهادات المختلفة من السنن النبوية وهي كثيرة، وهذه ستظلّ في حالها من حيث تباين درجة القطع والظنّ ثبوتًا ودلالةً إلى يوم القيامة.
ينطلق أصحاب هذه الدعاوى من نزعة علموية كامنة أحيانًا وظاهرة في أحيان أخرى، غايتها "تحديد" الدين بحدود صارمة كما لو كان معادلة رياضية، مسايرةً لمزاج هذا العصر الذي يفكّر في الدين "رياضيّا" لا "إنسانيّا"، ويستشعر المسلمون في سياقه بالحرج، ففكرة وجود أحاديث كثيرة ضعيفة أو مختلف حولها هي فكرة غير مريحة لأصحاب هذا المزاج الرياضيّاتي، فهم يريدون الدين كمعادلة رياضية محسومة، غير مدركين زيف هذه الرؤية وطفوليّتها، وأنه ما دام الدين خطابًا للإنسان فستظلّ فيه تلك المساحة المرنة التي تتسع لمختلف الأفهام والأنظار، مع وجود مساحة قطعية يمكن حصرها بسهولة عبر استقراء القطعيات التي اتفق عليها أئمة العلم.
الأمر الآخر الذي لا ينتبه إليه هؤلاء أنّ "السنّة" النبوية، إذا فهمنا أنّها تتضمّن بيان القرآن وتفصيل كثير من الأحكام التي لم تُذكر فيه، لا تنحصر في "الأحاديث" حتى يكون جمع كتاب نقرر أن كلّ ما فيه "أحاديث صحيحة" حلًّا لأزمةٍ ما، فهذه السنّة ممتدّة في نسيج متداخل ضمن مختلف العلوم الإسلامية المبكّرة، بدءًا بالفقه الذي حمل فيه الفقهاء الأوائل "المعروف" من السنن حتى لو لم يحفظوا فيه حديثًا محدّدًا بسند، وستجدهم يذكرون هذا النوع من السنّة باسم "السنّة" تارة وباسم "الإجماع" تارة أخرى، كما ستجد هذه السنّة في دواوين الحديث والآثار، وستجدها في كتب التفسير المبكّرة التي جمعت آثار الصحابة وما اتفقوا عليه من معاني القرآن نظرًا لصحبتهم النبيَّ صلى الله عليه وسلّم وحفظهم ما علّمهم من الكتاب والحكمة.
فمن أراد معرفة قطعيّات السنّة – وهو أمر أساسي - فليعمد إلى ما اتفق عليه أهل الفقه والتفسير والحديث في القرون الأولى من حقائق الدين وشرائعه، ولينظر ما ليس من كتاب الله من ذلك أو كان تفصيلا له، فهذه هي السنن النبوية القطعية؛ لأنّ الصورة لا تكتمل بالأحاديث المسندة الصحيحة وحدها رغم مركزيّتها وكونها من أجلى الأوعية الحافظة لسنّة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولكنّها تحمل أيضًا أحداثًا ومواقف مختلفة، وإنْ كان الغالب عليها توثيق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلّم وما فعله وما أقرّه تبليغًا لحقائق الدين وشرائعه.
وما يغفله هؤلاء الذين يريدون مصنّفًا جامعًا للسنّة الصحيحة كي "نخلص" من باقي الدواوين التي حملت السنن والآثار أنّ قيمة هذه المصنّفات المتعدّدة الكثيرة هي في تنوّعها وتعدُّد مصادرها ومشاربها وأساليبها ومذاهب أصحابها وآفاقهم واختلاف بلدانهم وأعراقهم، فهذا الثراء يُفتّح العقول للفهم حين تلتقي الروايات المتعددة مختلفة الألفاظ على معنى واحد، أو حين يفسّر بعضها بعضًا، أو حين يحمل بعضها ما ليس في الآخر، فهذا الميراث كلّه ثراء لا يجدر بعاقل التفريط في أثارةٍ منه، حتى لو كان "ضعيفًا".
ويبدو هذا الكلام حول الآثار الضعيفة غريبا مستهجنًا لدى أمّة معاصرة تربّى كثير من أبنائها على التحسس من الضعيف، غير أنّه يحمل للعقلاء ثراءً وإفادةً على مستوى المتن والسند خصوصا لدى قراءته مع غيره مما يشبهه، وهو ما لا يعرف قيمته من لم يعالج هذا العلم الشريف.
وانطلاقًا من هذه النزعة "الخلاصية" أيضًا نجد دعوات أخرى لإلغاء القراءات القرآنية المتواترة واعتماد قراءة واحدة، بل بالغ بعضهم وزعموا أنّ القرآن كان مجموعًا في مصحف واحد منذ عهد النبيّ صلى الله عليه وسلّم (وقد فنّدنا هذا الزعم في المنشور السابق)، فهم يشعرون أنّهم في حاجة إلى إثبات ذلك هروبًا من الشبهات. وجميع هؤلاء يريدون نصًّا دينيًّا صارمًا منغلقًا بصيغة واحدة، فهم ضعفاء أمام التعددية الفطرية، فما إنْ يُرفع سيف الاختلاف حتى نجد هؤلاء يهرعون إلى معالجته عبر استراتيجية إلغاء تعدُّد القراءات والروايات والمدارك والمشارب!
والحديث في هذا الباب يطول، ولكنا في حاجة إلى "أخذ نفَس" وإلى أن نهدأ قليلا عن "هلعنا" المحموم هذا تجاه الدين وحفظه، فمع علمي بحسن نوايا كثيرين ممّن يقدّمون هذا الطرح فإنّي أظنّهم أخطأوا الطريق، وهم أسرى ردّ فعل نفسي على التهم والشبهات الموجّهة إلى ميراث الإسلام والسنّة، ولهذا لجأوا إلى سياسة "إلقاء الأحمال" ظنّا بذلك أنّهم يُنقذون السفينة، ولكنّهم في الواقع يُلقون أثمن ما فيها، ويتركونها فارغة هشّة تطير بها الريح حين تخلو من ثقلها الذي يُثبّت سيرها في عباب البحر اللجيّ!

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبك

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  1574