الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

حول الكتاب التذكاري عن المؤرخ الأديب الدكتور عمار جحيدر

محمد الصادق الخازمي

مقالة

تاريخ النشر: 2026/05/24
اقرأ للكاتب
الحمد لله حقّ حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد القائم بدينه الصادق في وعده، وعلى آله وصحبه أوليائه وجنده، ومن تبع سنته وهديه إلى يوم الدين وبعد
أيها السادة الكرام:
حيّاكم الله بتحية طيبة مباركة، وبعد
فإن اجتماعنا في هذا المحفل الكريم بدعوة طيبة من المركز الليبي للأبحاث والنشر لنحتفي بالكتاب التذكاري عن المؤرخ الأديب عمار جحيدر لهو فألٌ حسن على البلاد والثقافة والعلم، وهو دعوةٌ متجدِّدةٌ لإكبار أبناء الوطن المخلصين، والباحثين الجادّين المثابرين، وسنّةٌ حسنة تضيء في شمعة هذا الوطن الذي ما فتئنا نحسّ بآلامه هنا، أو هناك في غزّة النضال حيث يكافح شعبها احتلالا بشعا قاسيا لم يسلم منه شجر ولا حجر ولا بشر، نسأل الله لهم عونا وإنقاذا وتأييدا ونصرا.
وهذه الفكرة في تجديد اللقاء بالأستاذ عمار بعد محفل تكريمه في 17/ يوليو/ 2019م فكرة طيبة تضاف إلى ريادة هذا المركز والقائمين عليه في نسج فكرة الاستمرار، وتجديد المناسبات، وبناء العمل على العمل، وإضافة الجهد إلى الجهد، فقد رأينا المؤسسات إن بدا لها أن تكرّم الأحياء فعلت ذلك مرة واحدة كبيضة الديك، ثم نسيت وتناست، وأهملت، وحقُّ التكريم أن يتجدّد للدواعي، ولما يُستحدَث من أعمال، ولا أسرّ للمرء من أن يرى جهده محتفىً به في وطنه، ومقدرًا من أبناء شعبه.
وإذا كان أستاذنا الدكتور عمار لا يميل إلى الخطاب المناقبي، ويخشى من غوائل الثناء، ويتعفّف عنه، فإنه مع ذلك لحقيقٌ به، وخليقٌ بتدبيج الكلمات، وجدير بكل مكرمة:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك المباحثُ
وحرصا على وقتكم الثمين فإنني سأعرض عرضا موجزا بعض ما تناوله هذا الكتاب التكريمي الذي احتفى به وحرره الأستاذان الفاضلان المجدّان؛ محمود المهدي الغتمي، وجمال احميدة الدويش.

عرض الكتاب:

• الكتاب كان توثيقا لسُنّةٍ ابتدأها المركز الليبي للأبحاث والنشر في تكريم العلماء والأدباء والأفاضل من أبناء هذه البلاد، وبعد تكريم الراحل محمد جبران في 2018م، كرّم المركز الأستاذ عمار جحيدر في 17/يوليو/2019م.
• وقد كانت فكرة التكريم علميّة، كما ينبغي لها أن تكون، وذلك بعرض بحوث ومقالات عن أعمال المحتفى به، أغلبها بالاستكتتاب، وهو اتجاهٌ من أفضل ما يمكن، وقد تكون أعمال التكريم في وجهٍ آخر باختيار بحوث في أي تخصّصٍ كان، وفي أي موضوع يُتقن، ثم تهدى للمحتفى به، لتكون لكل من عرفه وأحبّه سُهمة في التكريم ببذل خير ما يمكنه بذله، وقد يكون المرء من قارئيك ومحبيك لكنّ معارفَه تَقصُر عن مجاراتك، أو لا تكون في الموقف الذي يمكنها من أن تقدم لأعمالك ما تستحقه من الدراسة والإحاطة.
• وقد قسَمَ المحرِّران – وجهدُهما عظيمٌ كريم- الكتاب ثلاثة أقسام؛ الأول: عن حراك الندوة، وجعلا فيه ما تُلِي فيها خاصّةً؛ من كلمات بروتوكولية، وشهاداتٍ، وبحوث، وفي هذا الفعل وفاء للمنهج التاريخي الذي من أوائل لبناته التوثيق؛ فكل شيءٍ بحسَب زمانه ومكانه، والقسم الثاني جُعِل لبحوثٍ أخرى لم تُعرض يوم التكريم، بعضها نُشر قبل التكريم بزمن كبحث الدكتور عبد الحميد الهرامة عن اليوميّات المغربية الذي نشر في مجلة الإحياء المغربية سنة 2012م، وبعضها نُشر إلكترونيا في موقع بلد الطيوب وغيرها، ومجموع هذا القسم ستة بحوث، تختلف كمًّا ونوعًا وفائدة. وأهمّ الأقسام قاطبةً ذلك القسم الجميل التوثيقي الموسّع وأعني به الحوارَ المطوّل الذي أجراه الأديب الأستاذ حسين البوسيفي مع المؤرخ الأستاذ عمار جحيدر، وشغل ما يزيد عن ثلث الكتاب. وقد اجتنيت منه فوائد سيأتي بعضها في هذا السرد.
• ويرصد المحرران الكريمان أنّ البحوث "لم تكن عددًا وكيفًا في مستوى الطموح" وهذا باب يحتاج تعقيبًا طويلا، غير أنّ فقدان كثيرٍ من الباحثين للجدّية، واعتمادهم على الشفاهية والذاكرة، وغلبة المجاملة، وضعف التحكيم العلمي، قد يكون من أسباب ذلك، كما أنّ الاتكاء على الاستكتاب، وبعض من يُستكتبون مشغولون غير قادرين على الإيفاء بالعمل في وقته، أو بعد حينٍ من أسباب ذلك، وفي مثل هذه المؤتمرات يجدر الاهتمام بالكيف لا بالكم، ولكن هل يمكن أن نرى لجنة علمية في بلادنا تردّ كتابةَ اسمٍ لامعٍ وتصدُّه عن المشاركة في مؤتمر إن كان بحثه الذي قدمه دون المأمول، ولم يوفِ المطلوبَ حقَّه.!
• ومن خدمة المحررين للبحوث المقدّمة أنهما جعلا هوامش ثرية للتعريف بالأعلام والشخصيات التي ترد في ثنايا البحوث، غير أنهما أحيانا يعرّفان من لا ضرورة للتعريف بهم لشهرتهم؛ كالعقاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، وهذا من لزوم ما لا يلزم، وقد يأخذ من لا يتريث ذلك على صاحب البحث الأصلي، ولا ينتبه إلى القوسين المعقوفين في نهاية الهامش وبه كلمة (المحرران). وقد تركا في مقابل ذلك بعض أعلام مغمورين يحتاجون ترجمة وتعريفا!
خلاصات وعبر:
لقد حفل الكتاب التذكاري بكثيرٍ من الأشياء المهمّة عن الحياتين الشخصية والعلمية للأستاذ عمار جحيدر، فنحن نقرأ الكتاب ليس بغرض عرض محتوياته، ولكن لعرض الخلاصات التي تقدّمُها الشخصيّةُ موضوعُ الكتاب من الأشياء التي أشارت إليها البحوث، أو تضمنتها الحواريّة خاصة، أو من عموم الإحالات على النتاج الفكري للدكتور عمار، فتلك هي الخصّيصى التي يحتفى بها، ويستقى منها النبوغ، ويلتمس فيها التفرد البحثي، والإنجاز التأليفي، وأحب أن أعرض شيئا منها لما فيه من الاعتبار والتذكير وما يصلح للحياة وللمجتمع:

سيرة:

من غريب ما ترى في سيرة الدكتور عمار تخرجه في شعبة التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية، وانظروا كيف تأخرت جامعاتنا وأقسام اللغة العربية بها خاصة في الاهتمام بالتاريخ الثقافي والفكري والحضاري، لقد تُرِك هذا الجانب يتداوله المتداولون، ويتتبعه من لم يُحِط بالعربية خبرا، والعربية أُمُّ التراث وأسّه، ومهدُه، ومداه، ودراسة تاريخ الأدب والحضارة العربية فرعٌ مهمل الآن في الجامعات الليبية في الدراسات الدنيا والعليا، وهو من الفروع الخادمة للأدب المحلّي القطري، وللتاريخ الثقافي للبلاد، ومتخصصو اللغة العربية ألصق به من متخصصي التاريخ في نظري.
لقد كانت تجربة ولادة هذا العالم الفذ من رحم ذلك التكوين عبرة لم نُعِد تكرارها أو التفكير فيها.
ومن عجيب القدر أن يرفض عميدُ كليّةٍ تعيين الأستاذ عمار معيدا بكلية التربية بزعم أنّ تخصّصه غير موجود! غير أنّ العطاء قد يكمن في الحرمان أحيانا، فهذا الموقف أنتج لأستاذنا:
- بعدًا محمودًا عن البحث الأكاديمي الرتيب، ولا أريد أن أردف بالكئيب.
- وأنتج باحثا اقترب من المخطوطات الليبية، والتاريخ الثقافي الليبي الحديث، وأضاف لمركز الجهاد كاتبا متثبتا ومدققا.
- كشف عيوب النظام التعليمي المحلي، وقصوره عن استيعاب التخصصات الملحّة، وعدم القدرة على اكتشاف الباحثين الجيدين، والمواهب المبشرة.
- نبّه إلى مسألة ما زالت مستمرة حتى اليوم فيما أعلم، وهي حجب مادة الحضارة الإسلامية في كليات الآداب والتربية، وفي أقسام العربية خاصة!
من أهم ما تراه في الأستاذ عمار الروح الريادية، والصبغة التأسيسية، ومن ذلك أنه:
- أول باحث في مركز الجهاد تعيينا وعملا.
- وأول مؤسس لشعبة المخطوطات بالمركز.
- وأول محرر لمجلة الشهيد، وهو من حوّلها إلى مجلة.
- وأول منشورات المركز (حملة نابولي) كان من عمله وتحريره، وحمل رقم 1 في منشورات المركز في ديسمبر 1978م.
- ومن أفكاره التي نبعت منه وهو بعد غضّ الإهاب مطالبته وهو طالب لوزير التعليم آنذاك (د.محمد الشريف) بإنشاء مركز أبحاث تاريخي عن الجهاد، في لقاء جعل للطلبة المبتعثين بغابة جودايم في سنة 1976م.
- ومن ريادته التأسيسية نصحه للمهتمين بالدراسات الأندلسية بتكوين جمعية علمية ثقافية تجمعهم، وقد كان ذلك.
- من بركات وجوده في مجمع اللغة العربية أنه نحا بحوليته أو مجلته العلمية نحو نشر البحوث المخصصة للتاريخ الثقافي المحلي والعربي، وكانت له فيها سهمة أسدية، وهذا المنحى محلّ حاجة وإضافةٍ معا، وهي خير من من تلك العنوانات التي تعجبك بريقا وبهرجا ثم لا تجد لها كبير إضافة أو حسن استقصاء!
- وقد كان نصحه التأسيسي يشع منه ليصل إلى أصدقائه وتلاميذه، وكم ترى من كاتب يرى أن الفضل للدكتور عمار في الإشارة أو في الحث، أو في الدلالة، وهذا الدكتور جمعة الزريقي يثني عليه في حثه على إخراج تذييل المعيار، رغم صعوبة العمل ومشقته، وغيره كثير.

منهجية:

كوّن الأستاذ عمار لنفسه بقراءاته وبحثه وذكائه الفطري منهجية علمية رائدة، وما فتئ يطورها، ويزيد فيها وينقص، ويظهر أثر ذلك في كتبه الأخيرة التي بلغت الغاية في النضج، واقتربت من فتح آفاق لا تنتهي للبحث والتدقيق والإفادة من كل كلمة في الوثائق والمخطوطات والكتابة عامة، ومن أهم معالم هذه المنهجية:

التوثيق:

- وهي سمةٌ لكلّ باحثٍ وبحث، ومن عميق مظاهرها عند الأستاذ عمار أنه انتبه مبكرا لأهمية كلّ عمل فكري؛ فتراه مثلا يحتفظ برسائل من مدرسه بمعهد أحمد باشا في سنة 1973م، ومن ذلك احتفاظه بالبطاقات المؤسّسة لليوميات مدة 40 سنة، وعندما يحضر مؤتمرًا علميًّا يحرص على الاحتفاظ بأعماله، ومن فضل ذلك ما ذكره الدكتور جمعة الزريقي من إفادته منه في تجميع بحوث كثيرة من مؤتمر الشيخ أحمد زروق الذي أقيم بمناسبة مرور خمسمائة سنة على وفاته، ثم عَدَتْ على البحوث العوادي، ومن بعض جهده استنقذه المخلصون مرة أخرى.
- وتوثيقات الدكتور عمار تصلح لأن تكون عملا كبيرا تقوم به أقسام التاريخ، وقد أشار إليها، ومن ذلك مثلا اليوميات الموازية لليوميات الليبية.
- ومن مظاهر توثيقه الاهتمام بالضبط، فهو مثلا يضبط كلمة (البلدي) في (كوشة الصفار) بكسر الباء وسكون اللام، وهو يعني السكان الذين في البلد وهكذا نطقه القديم، فعلينا أن نلتزم به، وكلمة بلدية بفتح الباء واللام لفظ لاحق عليه، فينبغي الاحتفاظ بالنطق القديم، والأسماء تُلفَظ كما توضع، وليس بحسب القياس.
- وبالتوثيق يقبل الآراء أو يفنّدها غيرَ عابئٍ بمكانة من ينقده أو بِلَمعان اسمه، مع الأدب الجمّ المعروف عنه، وقد استعان بالتاريخ لتفنيد الرأي الذي جاء في معجم سكان ليبيا لأوغستيني حيث ذكر فيها أن محلة البلدية سميت بذلك؛ لأن مقر البلدية بها، وقراءة الدكتور عمار جحيدر للمراجع أفادته، أن هذا اللفظ قديم، يسبق ظهور البلدية بعشرات السنين (كوشة الصفار، ص8، ه3).
- ومن منهجه في التوثيق: التزام الكتابة الأصلية حتى لو كانت محرفة أو فيها خطأ لغوي، والتصحيح يكون في الهامش، مثلا عندما نقل نصا من اليوميات فيه: "خرج الادن"، وكتب الإذن بدال مهملة ونبه في الهامش وهو الصحيح، وكذلك كلمة (دكور).
- ومن تجسيده لفوائد تحقيقه لليوميات الليبية أنه كرّرها موجزا ومفيدا في نشرتين على الأقل: يوميات إستانبول 2003م، واليوميات المغربية، وكتابة اليوميات هي رؤية أخرى عميقة للشعوب، والأحداث، وجزئيات الحياة، مما قد يضيق عن تفصيله التاريخ التقليدي.

الإخراج:

- والإخراج في البحث الحديث جزء أساس من العمل؛ فالقيمة البصرية مثيرة، وتشد انتباه القارئ، وتوضّح الأفكار، وتسهِّل وصول المعنى إلى القارئ.
- فترى في كل أعماله الحرص على الإخراج الجيد، والرقمنة للأفكار؛ لإبرازها، وتنظيمها، وكثيرا ما تراه يستخدم الترقيم في تقسيم فِقرات الكتاب، كل فكرة رئيسة يجعل لها رقما في المنتصف، وإذا تشظّت الفكرة إلى جزئيات يجعل للجزئيات أرقاما أيضا، إضافة إلى الجداول والرسوم البيانية، والتلوين... وغير ذلك، وكل ذلك مطّردٌ في أعماله لا يحتاج مزيد إسهاب.
- وإذا كان التوثيق محل معرفة وإقرار بين الباحثين؛ فإن الإخراج اليوم من مهمات العمل، وهو مهارة لو اهتم بها الكتاب والمؤلفون لأضافت إلى جهودهم كثيرا من الزينة، وحسن الأداء.
- التقسيم والترقيم وتشظية الفقرات بحسب ما يجعلها مناسبة لمراد النص، وفي نص وثيقة وقف مدرسة عمورة قسمه إلى عشرة عناوين رئيسة مزيدة على الأصل، وقسم الوثيقة عموما إلى 104 فقرة.

البحث الرأسي:

- وقد ضرب في تعميق البحث رأسيًا أمثلة رائعة، وحسبك أن تطالع (محلة كوشة الصفار بين ذاكرتين) لترى كيف جعل مقالة طريفة نُسِجت من ذاكرة صاحبيها إلى كتاب ضخم، يحفل بحشد من المعلومات الاجتماعية، والتاريخية، واللغوية.
- وكذلك فعل في كثير من كتبه التي كانت أجدى نفعا على المكتبة الليبية، بل كانت منقطعة النظير في موضوعاتها وخدماتها، ومن ذلك: كتاباه عن عبد السلام العالم التاجوري، وعن زاوية عمورة.
- حرصه على متابعة بحوثه وتطويرها، وكثير من كتبه كانت تطويرا لبحوث شارك بها في مناسبة ثقافية، أو احتفالية تكريمية، مثل كتابه عن (التليسي مؤرخا)، وكتابه عن الكتبي محمد بريون رحمهما الله، فالبحث عنده لا ينتهي بمجرد تقديمه إلى الجهة التي تطلبه، بل يعيد النظر فيه مرارا، ويزيد فيه، ويخدمه بما يليق به، وبما يتمه حتى يستوي على سوقه دوحة فكرية وعلمية متكاملة الأركان.

التهميش:

وهو في التهميش نسيج وحده، ومدرسة تعطي النماذج المثلى لخدمة النصوص وإكمالها بما يجعلها في أوضح بناء، وأتم صورة، ومن سمات الهامش عنده:
- أن الهامش في كتاباته حاشية، وهو فعلا يفضّل هذه التسمية ويعرض عن كلمة هامش، وحواشيه تشبه الشروح والإضافات، فكأنها تأليف على تأليف، وكذا كانت كتب الأمالي القديمة، والشروح، والتقريرات، غير أنه أكثر انضباطًا من حيث المنهجية، وأشد تشبّثًا بقواعد البحث العلمي.
- وفي الهوامش حلولٌ لمشكلات علمية، وهي خلاصات بحثٍ طويل متّصل، وإفراغٌ لخبرة مخلصة؛ وقديمًا قالت العرب: لأمرٍ ما يسوّد من يسود.
- وصياغة الهامش فنٌّ مستقل؛ فالباحث يقرأ 3 أو 4 كتب ليخرج عصارتها في هامش واحد من نصف صفحة، بِسبكٍ مكثّف موجز متقن، كما يقول الدكتور عمار في حواريته.
- الهامش عنده نوعان؛ بيان كلمة أو مفردة، وهو مختصر صغير، وحواش تركيبية تأليفية هي التي تحمل السمات الآنفة.

النظرة الشمولية:

وأنت ترى هذه القدرة الفائقة على استخلاص النتائج العامة، والتصنيف والتبويب المبني كله على درس عميق، ومستخرج من رحم مكابدة العلم والعلم بدقائق الأمور، مفيدا من جهود المؤرخين في التحقيب التاريخي وغيرها، ومن أهم ما نسجله في نظرته الشمولية:
- تقسيمه للمؤرّخين الليبيين إلى أجيال وطبقات، والتصنيف قائم على عمل نقديٍّ مضن، احتفظ فيه بروح المؤرخ، مع لمحة للمضمون، وقد فصل ذلك في كتابه (التليسي مؤرخا).
- ومن النظرة الشمولية الدقيقة تسجيله أن الإشعاع العلمي المحلي في هذا القطر الليبي لم يستأثر به المركز دون الأطراف.
- ومن رؤيته النقدية التاريخية تسجيله تحوّل فكر الدكتور التليسي من النظرة السلبية للعصر القرمانلي إلى نظرة إيجابية كانت هي المؤسسة لفكرة (الوعي بالكيان).
- ومن نظراته الشمولية أيضا حديثه عن فكرة (الوعي بالكيان) التي أسست لهذا القطر، ويمكننا منها جعله موطنا له خصوصيته التي تميزه عن غيره، ويبدأ منها بناء الفكرة والهوية والانتماء.

المبادئ البحثية:

وللأستاذ عمار بعض مبادئ في البحث الثقافي والتاريخي جديرة بالتخليد، وهو ينثرها هنا وهناك بحسب ما يعرض من داعٍ إلى إبدائها، ومن ذلك:
- نقله لعبارة لطيفة، وهي أن التاريخ كله معاصر، فالكتابة عن العصر العباسي في هذا العصر، إنما هي رؤية الحاضر للزمن الماضي رغم أن الأحداث واحدة.
- والتاريخ لا يكتب في يومه، وما يكتب حالًا هو التوثيق، وليس التاريخ؛ كتابة التاريخ تحتاج لامتصاص الأحداث، وظهور الوثائق، وانجلاء النتائج والعبر، ورفع حجاب المعاصرة.
- المحقق شريك للمؤلف في بناء النص، أو وكيلٌ عنه في إبلاغه، والنصوص المحقّقة لا تقرأ بأقلام مؤلفيها وإنما ببصائر محقّقيها.
- تسجيله لحسن الفقيه في اليوميات أنه كتب التاريخ الحقيقي؛ تاريخ الشعوب، وكل الناس، وليس تاريخ الولاة والساسة.
- وتسجيله للفقيه أيضا أنه رائد التاريخ الكمّي في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
- إكباره لمصطلح الثقافة، واختياره لهذا المصطلح بدلا من كلمات: العلم أو التأريخ أو البحث، وتراه دائما يحيل عليه، وينسج له التعبيرات؛ من البر الثقافي، والنسب الثقافي، وحتى التصوف الثقافي الذي نسب إليه الدكتور محمد عبد الكريم وافي، وأبو القاسم سعد الله الجزائري، والثقافة: حالة تغيّر، وجمعٌ من المعرفة، وأخذٌ من كل فنٍّ بطرف، مع تأثير في شخصية المثقف، وتغيير في سلوكه، ورؤيته، وهي ميزة تفرده عن مصطلحات أخرى مشابهة، وإن كان قد طرأ على المصطلح ما طرأ من دخول ما ليس منه فيه.
- وعند حديثه عن مصطلح (التصوف الثقافي) الذي لا تراه عند غيره يقول (وما أجمل ما قال): إن د. الوافي، ود. سعد الله، "تركا خزعبلات الإدارة، والهرج السياسي، ووقفا للعلم جنديين مخلصين" وقد أضاف إليهما في موضع آخر د. شكري الفيصل، و د.محمد المنوني، وهؤلاء ملائكة الثقافة، بحسب تعبيره.
- إعطاء الحقوق لمستحقيها والصرامة في ذلك، ولهذا تراه غير مقتنع بنسبة كتاب (سكان ليبيا) لأوغستيني؛ وأن في نسبة الكتاب إليه غمطًا لحقّ المؤرخ إسماعيل كمالي، والشخصيات التي كان لها السهمة الكبرى في تأليف الكتاب، وكيف يُنسب كتاب خطير عظيم عن تفاصيل حياة شعب لكاتبٍ لم يعرف يوما لغة هذا الشعب!
- وتحدث في هذا الإطار أيضا عن (الجناية الببلوغرافية) في ترتيب الأسماء على البحوث، فيقدم اسم مقدّم الكتاب على من قام بالجمع والترتيب والتصنيف؛ لا لشيء سوى أن المقدّم من ذوي الألقاب العلمية أو المنصب أو ما شابه.
- التواضع الحق، ونكران الذات، فتراه يستحيي أن ينسب إلى مؤلفاته (فهرس المخطوطات العلمية في ليبيا) لأنه كان فيه جمّاعة، أفاد من جهود غيره، والجمع بابٌ من أبواب التأليف، لكنه الخلق والفضل، ونرى اليوم السطو والسرقة والانتحال النسخي اللصقي منتشرًا في الجامعات في بلادنا وغيرها، تنال به الدرجات العلمية، ويترقى به الأساتيذ من غير حياء، ولا عقاب إن عدم الحياء!
- الحرص على تشريف بلده، والأنفة من أن يحضر مؤتمرا علميا من غير أن يكون له ما يقدمه فيه، أو ما يضيفه من جهود، وقد أثمر ذلك عملا جيدا أشرت إليه آنفا، وهذا خلق يجمع بين الحرص العلمي، والسلامة التربوية التي جبل عليها الأستاذ.
- وله فكرة جديدة في تحويل الفهارس إلى جداول تحليليّة مركبة في منظومة محوسبة.
- حديثه عن بعض أعمال العهدين العثمانيين، ونصحه بإعادة كتابة تاريخ بعض الشخصيات الليبية مثل: غومة المحمودي، بعيدا عن العاطفة، وعن الصورة الشعبية أيضا.
- الصبر الطويل على البحث، ومقاومة ضغط طلب سرعة الإنجاز، وعند انتهاء البحث يحمد القومُ السُّرى، وفي قصة اليوميات وطول فترات تحقيقها عبرة لمن اعتبر.
وبعد فهذه نبذة عجلى أجود بها من وحي القراءة للكتاب المحتفى به، ومن وحي قراءات أخرى لكتب الأستاذ عمار، ولا بد من إزجاء عاطر الشكر والثناء للأستاذ محمود الغتمي الذي شرفني بهذه القراءة، مع قلة البضاعة، وضيق الوقت، وعظم المناسبة، فجزاه الله عن أعماله البحثية المتّصلة خير الجزاء، وهو ممن نؤمل فيهم حمل الراية، واستمرار المسيرة، والله يوفقه ومن معه من القائمين على المركز الليبي للدراسات والبحوث.
وشكرا لصبركم واستماعكم. والسلام عليكم ورحمة الله

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  3755