الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

البخل بالهواء

محمد بوراس

قصة

تاريخ النشر: 2026/05/19
اقرأ للكاتب
في آخر زيارة لي للعزيزة ليبيا دخلت مقهى وطلبت "وحدة نص نص" بلهجة بنغازية واثقة وجلست منزوياً هادئاً مطمئناً أردد صدر بيت منذ ساعة ولم أهتد إلى عجزه تمامَ معنى، فوجب الارتشاف.
ولم يمض وقت طويل حتى اقتحم هدأتي تلك رجل يبدو كتمثال شمع، تعلو وجهه طمأنينة مريبة لا تنتمي إلى عصر هذا البلد، وخاطبني "كيف حالك يا شرقاوي؟"، كان يجلس قريبا جدا يرتشف قهوته أيضا بحذر هندسي مرعب، كأنما يحسب عدد القطرات السوداء المارة عبر حلقه، ويقيس زاوية انحدارها نحو معدته، رجل تجاوز مفهوم الشح المادي العادي، ليؤسس مذهباً جديداً في التقتير الكوني، ملامحه كانت محفورة بدقة مرعبة، كأنما خشي أن يستهلك مساحة إضافية من الفراغ المحيط به، حتى أنفاسه كانت تخرج محسوبة، كأنه يحاذر أن ينفد الهواء من حوله إذا تنفس بعمق أو تنهد بصدق.
بدا الهواء من حوله راكداً، فهو لا يتحرك إلا للضرورة القصوى، وكأن أي إيماءة بيده أو التفاتة لعنقه ستخصم فوراً من رصيد بقائه الفعلي على هذه الأرض.
تجاذبنا أطراف حديث لزج، انزلق بنا نحو موضوع الرياضة والركض والحركة، تحدثت معه بحماس كاذب لا ريب فيه وبتفاعل يموج نفاقاً عن متعة الركض في الصباح، باندفاع الدماء في العروق تشطف شوائب الروح وتنفض غبار الكسل، عن تجديد الدورة الدموية، وانتعاش الجسد، وكيف يغسل العرق هموم الأيام الرتيبة. كنت أنتظر تفاعلا مماثلا، لكنه رمقني بعينين تحملان حكمة خاطئة تماما. حينها، توقف الرجل عن ارتشاف قهوته، ونظر إليّ بشفقة مكثفة، شفقة عجوز يراقب معتوهاً.
قال لي بصوت خافت لا يستهلك من طاقة حنجرته سوى الحد الأدنى المسموح به للبقاء على قيد التواصل: "كيف للمرء أن يكون بهذا الغباء ليطارد كرة، أو يركض في دائرة مفرغة، مهدراً نبضات قلبه الثمينة؟".
أخبرني بلهجة الخبير الذي فك شفرة الخلود، كانت نظريته تتلخص في أن الخالق منح كل إنسان رصيداً محدوداً من النبضات، فلماذا يبعثرها صاحبها في الهرولة خلف سراب اللياقة البدنية؟ لماذا يدق القلب مئة وعشرين دقة في الدقيقة بينما يمكنه أن يكتفي بستين دقة، مدخراً الباقي لسنوات قادمة طويلة، مملة وراكدة؟
يا لها من فلسفة عظيمة! هذا الرجل لا يعيش الحياة، هو فقط يحرسها من الاستهلاك، لقد جعلني أفكر في كل أولئك الذين يبخلون بالعاطفة، بالكلمة، وبالخطوة، خوفاً من النضوب. رأيت في عينيه صورة بائسة لجيل كامل يفضل أن يتعفن في مكانه، هرباً من خدوش التجربة ولسعات الامتحان.
هذا الكائن لا يتهرب من الموت، هو يفر من الحياة نفسها بكل ما أوتي من سكون. يريد أن يحتفظ بقلبه رعباً من أن يستهلكه الفرح المفرط أو التعب اللذيذ. ربما يعتقد أنه سيقف في نهاية المطاف أمام محكمة الكون، متباهياً بقلب جديد، قلب لم يمسه غرام، ولم ترهقه رجفة عشق، ولم يختبر يوماً لهاث الركض تحت مطر الشتاء.
ودعته ومضيت أتمشى في الشوارع، أستنزف نبضاتي بسخاء مجنون، مفضلاً أن أموت بقلب مُنْهَكٍ حباً تماماً، مهترئٍ من كثرة الحياة، على أن أعيش مئةَ عام بقلب مليءٍ بنبضات مكدسة لم تذق طعم الوجود يوماً.
المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبك

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  9962