الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

السفر بالطائرة

عبد الله الهدلق

مقالة

تاريخ النشر: 2026/04/28
اقرأ للكاتب
لأن بعض المواقف نسيانها أصعب من تذكرها، فسأقص عليكم هذا الموقف الذي لم يكن طريفًا أبدا لكنه أصبح كذلك.. ونحن إذا بكينا يوما ثم تذكرناه ضاحكين، أو ضحكنا حينا ثم بكينا على ما ضحكنا عليه؛ ندرك ضعف مشاعر هذا الإنسان وغرابتها، في تباين يغري بالتفكر في أحوال هذا المخلوق الذي جعل الله قوته في ضعفه وضعفه في قوته..
أعاني فوبيا حادة من ركوب الطائرات، ولم أركب طائرة منذ إحدى عشرة سنة، وقبل أيام قليلة تاقت نفسي إلى حضور معرض أبو ظبي للكتاب، ولأن السكة طويلة والبراري قفار! وأين الرياض من أبوظبي في الطريق الصحراوي؛ قررتُ السفر بالطائرة.. و"السفر بالطائرة" هذه الكلمة التي تمر عليها عينك مرور الكرام كلفتني ثلاث ليالي من القلق الغامر والتوتر البالغ، وفي ليلة السفر تحولتُ -بقدرة قادر- إلى الفضيل بن عياض وبشر الحافي مجتمعين! فلا تسل عن التأله والصلاة والدعاء والمناجاة والاستغفار، تدبرت كل ما كنت قرأته عن القضاء والقدر، واستعرضت كل ما طالعته عن العلاج المعرفي في التخلص من فوبيا الطيران.. ثم أسفر الصبح لذي عينين!
حملتُ حقيبتي ومصحفي واتجهت إلى المطار كأني أساق إلى مصير غامض مجهول، أتحدث إلى ابني الذي أوصلني إلى المطار ولست أدري ما الذي أقوله أو يرد به.. لن أطيل عليكم لكني ركبت الطائرة! وحين استقررت مكاني بجوار النافذة أقبلت علي مضيفة في وجه فاتن كأزهار نيسان بابتسامة هي ألذُّ من نسيم العافية -من أين يأتون بهن!- فبادلت ابتسامتها بابتسامة أجمل منها مبتهجا ككل عربي جائع المشاعر؛ ما إن تبسم له أنثى حتى يظن أنها أحبته! ما علينا..
ابتسمتْ وقالت لي: أنت تجلس بجوار مخرج الطوارئ، ونريدك أن تعرف هذا حتى تساعد الركاب على الخروج من الطائرة فيما لو حصل مكروه لا قدر الله؟! رباه.. اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك!
هل صبّ أحد على رأسك ماء باردا في ليلة شاتية؟ هل مازحك صديق مزحة سمجة فحاول أن يدفعك على حين غفلة من مكان مرتفع؟ هل تسللت أيام المراهقة إلى البيت في الساعة الثالثة فجرا وتسمرت مكانك على صوت والدك يقول لك: ما شاء الله، أين كنت؟ هل وهل وهل.. اجمع هذا كله فلقد صار عندك عبدالله الهدلق!
بهت لوني، وبحثت عن صوتي فلم أجده وعرقت.. فأدركت المضيفة -يا لخيبتي أمام الجمال- شيئا مما ألم بي فقالت: هل تريد أن تبدل مكانك؟ فتذكرت كرامة العربي، ولملمت أطراف شجاعتي أو مخاوفي لست أدري، ثم قلت لها في أغرب "لا" قلتها في حياتي كأنها خارجة من كهف: لأ.. شكرا سأجلس هنا، مزت الدقائق الأولى تتمدد الدقيقة منها فتتجاوز قوانين الفيزياء كلها، كل دقيقة كأنها الأبد ثم هبطت علي رويدا رويدا سكينة غريبة حتى صرت غريبا عني، بلا انفعال أو إحساس، تناولت مصحفي ورحت أقرأ فيه فما انتبهت إلا على صوت يبلغنا قرب وصول الطائرة إلى مطار أبوظبي، كانت تلاوتي تلك واحدة من مرات قلائل قرأت فيها القرآن بكل ذلك الخشوع وذاك التبتّل.
المصدر: ظلال الأشياء لعبد الله الهدلق

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  3877