 | أيّام في دمشق الشاممحمد عكره النويري | رحلةتاريخ النشر: 2026/04/16 اقرأ للكاتب |
انقضى بليلة أمس عامٌ على مُصافحتي الأولى لكتابي "العالم المُربِّي" واحتضانه، أما كتابي الثاني "الرحلة الشامية" فكان أسبق منه وفودًا إليّ في طرابلس بنحو شهرين ونصف. كانت مناسبة بعثت من الذكريات الخوالي والآمال الفائتة والأشجان المُضنية الشيء الكثير، وممّا حزّ في نفسي أيضًا صدوف أُناسٍ عن الكتابين عامًّا كاملًا لم نسمع لهم فيه ركزًا ولا همسا، وكُنّا نَخالهم سَيَتَعَنّونَ للكتابين أو أحدهما بالنقد والمراجعة، والظن أكذب الحديث .. بيد أنّ هذا ليس بشيء مع الفتوح التي فُتحت لي بسببهما، والخير الذي أصابني منهما، وإني كلما ذكرت استفتاحي رحلة التأليف والكتابة بالإمام السنوسي وبلاد الشام ينتابني شعورٌ غامرٌ بالرضا والفخر، وربما بلغ بي الطيش غايته فأقول ما قال الشاعر: وكل الذي فوق التراب ترابُ! وقد حدّثتني نفسي قبل أيام أن أكتب لهذه المناسبة مقالًا أُروِّح فيه عن نفسي، أذكر فيه قصة تأليف الكتابين من النشوء إلى الارتقاء دون التطرُّق للمحتوى والمضمون، وأستطرد فأذكر طَرَفًا من يومياتي الدمشقية، وأسمِّيه: (أيّام في دمشق الشام)، ولعله يكون تَقدمة لكتابٍ عن أيامي في دمشق قُبيل التحرير وبُعيده، وعسى أن يجد فيه القارئ فائدة ومتعة. والحمد لله كثيرًا.
ماذا أفعل؟ ومن جاء بي إلى هنا؟!هذا ما حدَّثتُ نفسي به قبل سنتين ونصف لما دلفتُ أول مرة إلى حجرة الميكروفيلم بمكتبة دمشق الوطنية. كنت قد استويتُ جلوسًا في غرفة صغيرة أُلبست جدرانها العازلة قماشًا مخمليًّا أزرق، وأمامي شاشة ضخمة عتيقة أستعرض فيها جرائد شامية باهتة مضى على تحبيرها وطبعها أزيد من مائة عام، وفي طرف الشاشة بَكَرَةٌ يوضع فيها شريط الميكروفيلم، ولِلْبَكَرَةِ ذراعٌ أديرها كلما استعرضت صفحةً لأعرض الصفحة التي تليها، ومضت ساعة وأنا على هذا الحال المُمل دون أن أقف على شيء، حتى جزعت وأيقنت أنّ ضالَّتي التي أنشدها كإبرة في كومة قش، وعندها حوقلت واسترجعت وضربت كفًّا بكفٍّ وقلت ما قلت ... بيد أن اليأس لم يستفرد بي، بل كان يُعالجه بصيص أمل ورجاء، وسريعًا ما نفثتُ عن يساري ثلاثًا وتابعت البحث، وحددت لنفسي أسبوعًا إن لم أقف فيه على شيء أرحتُها من عناءٍ لا طائل من ورائه، وإن وقفتُ فيه على شيء ذا بال ألزمتها جرد أمهات الجرائد والمجلات الشامية منذ سنة 1911م وحتى 1939م، وهذا ما قد كان في رحلة بحث وتنقيب دامت ثلث عام في شتاء 2023 - 2024م.
المُحاولة الأولىوكانت زيارة دمشق والسياحة في بلاد الشام أمنية لازمة منذ وعيت الدنيا وقرأت تاريخ بني أمية وعرفت ابن تيميّة وأحببت القاسميَّ والألباني، ثم شاء الله أن يبعث لي باعثًا يقدح في هذه الأمنية ويخرجها من حيِّز القوّة إلى الفعل، وقد كان .. ولما رُحْتُ أبحث عن أيسر منفذٍ يُبلِّغني أرض سورية لم أجد أيسر من الأردن، فسافرت على عَجَلٍ ولم أحدِّث بذلك أحدًا، أعني السفر إلى سورية عن طريق الأردن لعلمي بردّة فعل الأقربين والأبعدين. وشاء الله أن تكون هذه الرحلة الأولى خالصة لعمّان بعدما تعذّر عليَّ دخول سورية، ولكني لم أرجع بخفَّي حنين بل كان لهذه الرحلة العمّانية الأولى خَرَاجٌ علميٌّ وروحيٌّ ما حسبت له حسابًا، وهذا من ألطاف الله سبحانه على عبده الآبق الذليل.
من السياحة إلى التأليفولم يمض شهر على عودتي إلى طرابلس حتى فُجعت بأنباء الزلزال الذي ضرب تركية وشمال سورية في شباط / فبراير 2023م، فعاودني حينها الحنين إلى دمشق ونازَعَني شوقٌ دفينٌ إليها. وقبل أن أعاود الكرَّة وأحزم حقائبي هذه المرَّة ألهمني الله سبحانه التَّريُّث قليلًا وترك العَجَلة حتى أُطالع ما كُتب عن تاريخ الطرابلسيين في دمشق؛ لتكون هذه الرحلة رحلة سياحيّة وعلميّة معًا، فقرأت كتاب "الليبيون في سوريا"، وكتاب: "كفاح الليبيين السياسي في بلاد الشام"، وطالعتُ وثائق ملف (شكري فيصل) بالمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، وهي بقايا أرشيف (جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي بدمشق)، استنقذها الدكتور شكري فيصل أمين مجمع اللغة العربية وأهداها إلى (مركز جهاد الليبيين) إبَّان افتتاحه فسُمِّيت باسمه تكريمًا له وشكرًا لجهوده، وقد كنت على علمٍ مسبق بهذه الجمعية التي أنشأها الزعيم بشير بك السعداوي في دمشق، وكنت أعلم أيضًا أن للإمام أحمد الشريف السنوسي رحلة إلى بلاد الشام لم تأخذ حقَّها من التدوين، وعلى علم أيضًا بهجرة مفتي طرابلس الغرب الشيخ إبراهيم باكير إلى دمشق، وأخيرًا استمعتُ إلى محاضرة للدكتور مازن المبارك تحدَّث فيها عن شيخه العلامة محمد سعيد الأفغاني، وفيها أن الأفغاني درّس في جامعة بنغازي وحرّر مجلتها في السبعينيات، وأثناء ذلك وقفتُ عفوًا في كتاب (إتحاف النبلاء بتاريخ حلب الشهباء) لراغب الطباخ على قصيدةٍ لأحد علماء طرابلس الغرب يرد فيها على مديح الصنعاني للإمام محمد بن عبد الوهاب، ومطلعها: سلامٌ على أهل الإصابة والرُّشد ... وليس على نجدٍ ومن حلّ في نجدِفكان لهذا الاطلاع اليسير أن دفعني دفعًا حثيثًا للسفر إلى سورية، وشحذ من همّتي أكثر للبحث هنالك عن الصِّلات العلمية بين طرابلس والشام .. وهكذا استحال الفشل في الرِّحلة الأولى إلى نُجح وظَفر، فقد قادتني ألطافه سُبحانه ومحاسن تدبيره عزَّ وجلَّ إلى ما ذكرته سلفًا من اشتغالي ببحثٍ علميٍّ كان فيما بعد مشروع العمر! ألا وهو: (تاريخ المغاربة في بلاد الشام).
من أين أبدأ؟بيد أنِّي كنت جاهلًا بأدوات البحث ووسائله ومهاراته، حتى انتبهتُ بفضل الله إلى كتاب في مكتبتي عنوانه "يوميات الجهاد الليبي في الصحافة التونسية"، في مجلدين من تأليف الأستاذ محمد صالح الجابري وتقديم المؤرخ الكبير خليفة التليسي، فراقتني هذه الفكرة وهي التنقيب أوَّلًا عن أخبار الحرب الطرابلسية وما كانت تنشره جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي في الصحافة الشامية منذ بدء الغزو سنة 1911م إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939م، إذ "كانت الصحافة آنذاك -كما قد علمت- مرآة الشعوب، وصحيفة الوقائع، ونبأ الحوادث، ومنبر الإعلام؛ ثم هي الآن زادُ الباحث وعِماد المؤرِّخ". والبحث أثناء ذلك أيضًا عن أخبار باكير والسنوسي في خزائن مكتبات دمشق، والسؤال عن صِلاتهما بأعلام الشام.
مُعاودة الكَرَّة وتحقيق الحلم!وهكذا وضعتُ لنفسي خُطَّةً واضحة المعالم فأصبتُ غرضي، كما يقول المازني: "ولما عيّنتُ الغاية سهل أنْ أرسم الطريق"، وكنت قبل ذلك مدفوعًا بالشغف محمولًا بالحبِّ، "والعزيمة والمحبَّة تُذهب المشقَّة وتطيب السَّير" كما يقول ابن القيِّم. وبعد هذا التخطيط العلمي كان عليَّ أن أحتال لنفسي في إقناع الأهل بهذه المُغامرة، وأن آخذ بأسباب الخلاص من تسلُّط الأجهزة الأمنية في مطار طرابلس فبنغازي فدمشق، وقد كان ذلك كله وأكثر بتوفيق الله وتيسيره. ولما خرجت من مطار دمشق كنت أطيل النظر في لوحات السيارات التي كُتب عليها (دمشق) وكلي ذهولٌ ونشوةٌ؛ كيف لا وقد راهن الجميع وأقسموا على سفه رأيي، وخَطَل فكري، وفشل مسعاي؛ إذ كانت الشام آنذاك تطرد أهلها، وتَعافها حتى السِّباع وجوارح الطير! وها أنذا أصل إليها في عافية وأمن على جناحَيْ أبي الطيِّب القائل: نضحتُ بذكراكُمْ حرارةَ قلبها ... فسارتْ وطول الأرضِ في عينِها شِبرُ!وها أنذا أصافح ثرى الفيحاء، وها أنذا أتنشَّق نسيم الغوطة، وهذا (قاسيون) يُحيِّيني من بعيد، وهذه مآذن جلَّق تُشنِّف أُذنيَّ بترانيمها، وهذا ماؤها العذب الرقراق يُقبِّل شفتيَّ ويختلط بعظمي ولحمي ودمي!
البداياتوصلت إلى المدينة يوم السبت ومكثتُ أتجول في أزقّتها العتيقة المبتهجة بأيّام المولد النبوي ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع ولَّيتُ وجهي شطر مجمع اللغة العربية فلقيتُ من علمائه الجلة الأفاضل -وأخصُّ منهم بالذكر أستاذي مروان البوَّاب نائب رئيس المجمع والدكتور مكي الحسني أمين المجمع حفظهما الله تعالى- كل حفاوة وتقدير؛ حتى ملكوا عليّ فؤادي، وأزاحوا عنّي وحشة الغربة، وزادوني همَّةً لبلوغ ما أصبو إليه. وفي الأسبوع الذي يليه ولجت مكتبة دمشق الوطنية، التي كانت تُدعى مكتبة الأسد، عند ساحة الأمويين، وفي فنائها الفسيح المتدرِّج تمثال لحافظ الأسد وهو جالس على كرسيٍّ وفي يده كتاب يطالعه، وقد أزيل بعد التحرير في جملة ما أزيل من تصاوير وأصنام الطاغية وابنه. وكان بين المكتبة والفندق نحو ميلين كنت أقطعهما مشيًا على الأقدام ذهابًا وإيابًا، انطلاقًا من الدرويشية في مدخل الحريقة، إلى القصر العدلي، فمبنى سكة الحجاز، فالحلبوني والتكية السليمانية، ثم أسير تحت الجسر وأجتاز محطة السرفيسات (جمع سرفيس = الباص)، ثم أواصل السَّير بمحاذاة النهر إلى ساحة الأمويين مرورًا بمعهد الموسيقى ووزارة الدفاع. وكان النهر على نضوب مائه وتلوثه يبعث في نفسي الأنس والراحة لولا الغربان ونعيقها، ودمشق مملوءة بها بخلاف طرابلس .. وقد كان لهذا المشي اليومي الطويل عائدٌ حَسَنٌ في الصحة والنحافة، ولولا رقّة نسائم الشتاء، وحبي لاكتشاف المدينة والتعرف عليها؛ لما تحملت هذا العَنَتَ. وفي المكتبة سألت عن الجرائد فدلُّوني على قسم التصوير في الطابق الثاني، واستفتحت بجريدة (ألف باء) الدمشقية لصاحبها يوسف العيسى، وكان لعمر المختار مقال مشهور أرسله لهذه الجريدة ونشرتْهُ قُبيل استشهاده ببضعة أشهر فلهذا قدَّمتها على غيرها. أما مكتبة مجمع اللغة فلم أستفد منها إلا قليلًا، وإنما استفدت من المكتبة الظاهرية التي كانت -منذ أكثر من قرن- وما زالت تتبع المجمع، وبشفاعة أستاذي مروان البواب أُذن لي بدخولها في غير أوقات الدوام، وربما بقيت فيها من صلاة الفجر إلى أذان العشاء برفقة غفيري المكتبة اللذَيْن صارا صديقين وهما الأخ فادي والأخ عمَّار .. سُقْيًا لتلك الليالي والأيام الحِسان العِذاب!
مُنادمة الجرائد والمجلاتاستفتحتُ بحوثي بمطالعة المجلات والجرائد كما أسلفت القول، وأرجأتُ مُطالعة الكتب إلى طرابلس، اللهم إلا النادر منها فعجَّلت بقراءتها أو تصويرها، وسنأتي لهذا لاحقًا. ولقد مضى عليَّ حينٌ من الدهر وأنا غافلٌ عن عالم المجلات والجرائد، وما كنت أدري أنها تكتنز الدر النفيس حتى نبَّهنا إلى ذلك الدكتور عبد الرحمن قائد بواسطة كتبه التي أحيت تراث فحول الأدباء والبلغاء المنسيِّ في ثنايا الصحف وأعطافها منذ عهدٍ طويل، ولذا كان له بوجهٍ من الوجوه سهمٌ وافرٌ من ثمار رحلتي البحثية البِكر. وكنت جهزت كراسة قبيل سفري قيَّدت فيها أسماء الجرائد السورية التي كانت تعضد جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي بدمشق، وأسماء الكتب النادرة المهمة التي تفيدني في بحثي، بل حتى أسماء الأحياء التي سكنها الأعيان الطرابلسيون في دمشق، ولما وصلت الشام وباشرت البحث جعلت هذه الكراسة فهرسًا لجميع ما أقف عليه من المقالات والأخبار والصور، وفي نهاية كل أسبوع أضع الكراسة عند موظفة التصوير لتصور الأعداد المطلوبة. وكنت أطلب تصويرها ورقيًّا وليس في قرص CD لأني حينها بلا حاسوب! وكان ثمن تصوير الورقة الواحدة 200 ليرة، وهو ثمن زهيدٌ جدًّا مقدارهُ سِنتًا ونصف أو خمسة قروش، وكان ثمن قرص الـ CD 1500 ليرة = أي نصف دينار تقريبًا، فيه أكثر من مائة لقطة .. ولما سافرت إلى مصر بأخَرة دفعت أكثر من 40 دولارًا في (دار الكتب المصرية) لتصوير 135 صفحة فقط على قرص CD ؛ فأين مصر من الشام! ذكرت سابقًا أني حصرت بحثي في مرحلة زمنية تمتد ثلث قرن، منذ سنة 1911 وحتى نهاية سنة 1939م، وأنِّي استفتحت رحلة البحث بجريدة (ألف باء)، وكان لصاحبها يوسف العيسي مقال استفتاحي في كل عدد، وفي إحدى الأعداد (وهو العدد 608 في أيلول 1922م) جاء ذكر إيطاليا وطرابلس الغرب عَرَضًا في سياق نقده لبعض السياسيين السوريين الذين يتقربون من روما لتخلِّصهم من باريس ولندن، فطرت فرحًا، وقلت: "أول الغيث قطرة"، وكان هذا في الساعات الأولى من اليوم الأول بُعيد يأسٍ عارض وسؤال سخيف: ماذا أفعل؟ ومن جاء بي إلى هنا؟! ثم وفقني الله سبحانه فوقفتُ في هذه الجريدة على مقالات نفيسة، منها: حوارٌ أجرته الصحيفة مع الإمام أحمد الشريف السنوسي لما زار دمشق 1924م، وعثرتُ أيضًا على مقال السيِّد عمر المختار -المذكور سابقًا- في فاتحة العدد 2750، ثم وقفتُ على ما نشرته من مقالات في تأبينه ورثائه وغير ذلك. وكان لهذا الفتح أن بعث في نفسي الهمة لمواصلة المسير وكلِّي شغف واندفاع: 1- فطالعتُ بعدها جريدة (المرصاد) ووجدت فيها مقالات عدة عن طرابلس ولكنها بأسماء مستعارة. 2- وجريدة (الشعب) لنصوح بابيل، وفيها حوار مع الباروني مبتور غير مكتمل لأنَّ تتمته نُشرت في أعداد تالية مفقودة، ولكم تأسَّفت على ضياعها. 3- وجريدة (الأيام) وكان يحرِّرها أيضًا نصوح بابيل، وفيها مقالات عدة لجمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي بدمشق، ومقالات عدة للزعيم بشير السعداوي والأمير شكيب أرسلان. 4- وجريدة (الجزيرة) لتيسير ظبيان، وكانت له زيارة إلى روما سنة 1935م التقى فيها بموسيليني، ثم زار طرابلس وكتب عن المصالحة مع إيطاليا؛ فهجاه من أجل ذلك الباروني هجاءً مقذعًا، ورد عليه كذلك عمر فائق شنِّيب، وغيره. 5- وجريدة (فتى العرب) لأكرم الأرنؤوط عضو المجمع، وقد شغل الطنطاوي في فترة ما تحرير الجريدة معه، وكان رجلًا ظريفًا له نوادر وطرائف مضحكة ذكرها الطنطاوي في ذكرياته. 6- وجريدة (المقتبس) للعلامة محمد كرد علي، وهي من أهم الجرائد آنذاك، والناس تخلط بينها وبين مجلة المقتبس، وكلاهما لكرد علي، لكن المجلة كانت شهرية وقد توقفت عند نشوب الحرب العالمية الأولى، أما الجريدة فكانت يومية ولم تتوقف إلا سنة 1928م، وقيل في 1931م. ومن حسن الحظ أن أكثر أعدادها محفوظة بخلاف بقيّة الجرائد التي لم يبق منها إلا أعداد يسيرة، والفضل في ذلك يعود لزعيم دمشق فخري البارودي، فقد كان حريصًا على جمع جريدة المقتبس وتجليدها، ثم إنه أهداها للمكتبة الظاهرية سنة 1952م كما هو مُدوّنٌ في أختام الإهداء، وبذلك صانها من الحريق الذي أوْدَى بمكتبته النفيسة في آذار 1963م. 7- وجريدة (الفيحاء) الأسبوعية، وفيها صور نادرة للإمام أحمد الشريف السنوسي لما زار دمشق سنة 1924م، وقد طلبت من مديرة قسم التزويد آنذاك الآنسة زبيدة تصوير أصل الجريدة بعدسة هاتفي؛ لأن فيها صورًا مهمة، والصور كما هو معلوم تكون سوداء على (الميكروفيلم)، فوافقت جزاها الله خيرًا، وانتهزتُ الفرصة فطلبت جريدة المقتبس أيضًا، وجريدة الجزيرة، ومجلة الاستقلال التي أنشأها أمين أرسلان في الأرجنتين، فجاءتني طِلبتي من المستودع على عربة، فكنت بذلك من القلة القليلة من الباحثين الذين لمسوا هذه الأصول الفريدة العتيقة. وهذا جميل لا أنساه للآنسة زبيدة، وكان ممَّا أخبرتني به أنّ زوج خالتها ليبي، وصارحتني بأنَّنا شعب "معصّب كتير" :)) وبُعيد التحرير مباشرة تفاجأتُ برؤيتها على قناة عراقية وهي تبكي بحُرقة في المُخيَّمات على الحدود العراقية، وتقول: كادوا يَذبحُونَنا! فرثيتُ لحالها وحزنت لها كثيرًا، وتبيّن لي حينها أنها شيعية، وأذكر أنها كانت المرأة الوحيدة في مكتبة الأسد بلباسها الشرعي الضافي المستور مع تأنُّقها وحسن هندامها .. فرَّج الله كربها وردَّها إلى أهلها وأنار بصيرتها! والمُضحك المُبكي أن المطبعة التي طبعتِ الكتاب فاتها أن تخرج هذه الصور ملونة، بل أخرجتها سوداء قاتمة وبحجم صغير، وبذلك ذهبت ثمرة شفاعة الآنسة أدراج الرياح، ولعلي أستدرك الخطأ في طبعة ثانية. أما المجلات فخصَّصتُ لها الشهر الأخير: ففي الظاهرية طالعت بعض أعداد مجلة (التمدن الإسلامي)، وقيدت بعدسة الهاتف ما وقفتُ عليه من مقالات عن طرابلس الغرب، وأشياء أخرى كثيرة، وقد ضاع ذلك كله بضياع الهاتف! وجردت كامل مجلة (سركيس) جردًا سريعًا، وكان صاحبها نصرانيًّا ظريفًا من نصارى الشام الذين استوطنوا القاهرة، وعلى الصفحة الأولى من المجلد الأول توقيع لمحبِّ الدين الخطيب، ثم ضاع جميع ما قيّدته من هذه المجلة أيضًا! وفي مكتبة المجمع طالعتُ مجلة (المقتبس)، وانتقيتُ أحاديثها عن طرابلس الغرب، وجردت في المكتبة الوطنية مجلة (الرابطة الأدبية)، ومجلتي (المعلمين والمعلمات) و(التربية والتعليم) اللتين كان يديرهما ويحرِّرهما الباجقني في ثلاثينيات القرن الماضي، وفيهما مقالاته، وكانا مسك الختام، بالإضافة إلى بعض أعداد مجلة المعلم العربي، والشعلة، وكلية التربية بجامعة دمشق، وما إلى ذلك. وقد أخذ مني جرد هذه الصحائف والمجلات مما ذكرتُ وما لم أذكر أربعة أشهر متصلة، اجتمع لي فيها حِمل بعير! حتى قال ضابط الأمن في مطار دمشق يُمازحني: ماذا أبقيت لنا؟
أردت عَمْرًا وأراد الله خارجة!كنت أؤمِّل كما أسلفت القول العثور على أخبار المفتي إبراهيم باكير في دمشق وصِلاته بأعلامها، ولكني لم أظفر بشيء من ذلك، ولم أجد له ذكرًا إلا في كتاب "تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري"، حيث نقل مؤلفاه ترجمته من كتاب (الأعلام) للزركلي دون زيادة منهما، وشاء الله أن أنتقل من باكير إلى ابن أخته الباجقني، ولم أكن على علم بصلة القرابة بينهما من قبل، بل غاية ما كنت أعرفه عن الباجقني معلومات يسيرة من هنا وهناك. وكانت أولى صِلاتي به في المكتبة الظاهرية، حيث وجدت له بضعة كتب مدرسية مضى على تأليفها مائة عام، ثم بحثت عن بقية كتبه في المكتبة الوطنية، وكان ذلك في الشهر الأول، وفي أيامي الأخيرة بدمشق وقفت -كما أسلفتُ القول- على مقالاته في مجلتي (المعلمين والمعلمات) و(التربية والتعليم) و(المعلم العربي)، وكانت غبطتي بهذه المقالات لا توصف؛ لأنِّي جردت مئات بل آلاف الأعداد من المجلات والجرائد الأدبية والسياسية والدينية السورية طيلة ثلث عام ولم أعثر له على مقالةٍ واحدةٍ! بيد أنّ ما زاد صِلتي به وحثَّني على تتبع سيرته وإفرادها في كتاب هو تواصلي مع حفيدته الأستاذة الفاضلة سناء الباجقني، لا سيَّما عندما أهدتني صوره وبعض رسائله العائلية ومخطوطاته، ثم كنَّاشته التي كتبها بقلمه وفيها جانبٌ غير يسير من سيرته الذاتية في بلاد الشام.
تهذيب المشروع وتَقدمتهكان للتَّطواف في الجرائد والمجلات الشامية عوائد قليلة على كتابتي في سيرة الباجقني، أما عن يوميات الجهاد وأخبار الحرب ومقالات الطرابلسيين فشيءٌ كثيرٌ وافرٌ، وهذا هو المشروع الأول الذي كان نصب عينيَّ، وقد آثرت الاستبطاء به والتريُّث في شأنه إلى حين استيعاب جميع أو جل ما كُتب في الصحافة الشامية آنذاك، وبعد هذا السَّبر والاستقراء تأتي عملية التهذيب والانتقاء؛ فإنَّ توثيقَ ونشرَ كلِّ ما في هذه الجرائد والمجلات الشامية من أحاديث عن طرابلس الغرب = عملٌ لا طائل من ورائه؛ لأنَّ المجموع سيكون فيه تباينٌ شديدٌ من حيث الصحة والإضافة، فبعضه لا يزال دليلًا ومرجعًا رغم طول العهد وتغيُّر الحال، وجلُّه كما لا يخفاكم لم تَعْدُ فائدته الساعة التي كُتبت فيه، والاختصار المُنضبط في مثل هذه الدراسات التوثيقية لا يَعدله شيء. ثم عنَّ ليَ أن أجمع بين الاستبطاء والعَجَلة فقدَّمتُ بين يدي هذا المشروع المؤجل تَقدمة اقتطعتُها منه، ثم هذَّبتها وزدت عليها أشياء وعجَّلت بنشرها، وكانت هذه الطليعة هي كتابي الذي سميته: (الرحلة الشامية لإمام السنوسية)، وسيأتي بقيَّة خبره.
فوائد ثانويةوكان أيضًا لهذه الرحلة بين أعطاف المجلات وخبايا الصحف فوائد جمة ثانوية، فمن ذلك: فائدة التفرقة بين الجريدة والصحيفة وبين المجلة، فالجريدة والصحيفة ما كانت تُنشر يوميًّا أو أسبوعيًّا وأوراقها كبيرة الحجم يسيرة العدد، أما المجلة فهي التي تُنشر مرة في كل شهر أو فصل أو سنة، ويكون حجم ورقها صغيرًا مقارنة بحجم الجرائد. ثم علمتُ أخيرًا من العلامة محمد كرد علي أن الجريدة والمجلة والصحيفة ألفاظٌ سكَّها العلامة فارس الشدياق ثم أخذها الناس عنه من بعده. ومما استفدته أيضًا: سرعة القراءة، فقد كنت أدير عيني في ثواني معدودة وأقلب الصفحة إن لم أجد ما يهمني، وكثيرًا ما كنت أقف على خبر مهم جدًّا في زاوية مهملة من الصحيفة كدت أتجاوزها بسرعة، فلا أدري أكان ذلك نتيجة الدُّربة على القراءة السريعة أم أنه من باب الكرامات !! ومن ذلك أيضًا: الإلمام الجيِّد بالتاريخ السوري المعاصر ما بين سنة 1911 إلى 1939م، حيث كانت المجلات والجرائد آنذاك وعاءً وميدانًا تسمع فيها نبأ الأحداث، وقرع الخطوب، وضرب الأسنَّة، وبُشرى الفتوح، وتَسَاجل الأعلام، فلم يكد يفوتني شيءٌ من الأحداث المهمة: من الثورة العربية 1916م، إلى مشانق جمال باشا 1916م، إلى قيام الحكومة الفيصلية 1918م، إلى يوم ميسلون 1920م، إلى نشوب الثورة السورية الكبرى 1925م ... الخ. وكان يطرق أذني أيضًا أسماء أشهر أعلام سورية في السياسة: فعرفتُ هنانو، والقوتلي، والأتاسي، ومردم بك، والبارودي، والخوري، والعظمة، والعظم، والعابد، والحسني، والجزائري، والجابري، والشهبندر ... الخ، وكانت تعترضني كذلك بعض الأنباء الاجتماعية والثقافية: كغرائب النصيرية في الجبل من خروج رجل فيهم يدَّعي النبوّة، إلى بيعهم بناتهم للأثرياء، وكذا فتنة قيام مشايخ الشام على الدقر والتيجانية في دمشق، ومعركة السفور والحجاب، ومعركة الطربوش والقبعة، وعن زيارات المشاهير للمدينة، وغير ذلك. ومن فوائد هذا التطواف أيضًا: الوقوف على مقالات كثيرة نادرة في فنون مختلفة لأعلام مشهورين في القرن الماضي، فلم تشغلني أحاديث طرابلس والطرابلسيين عما أجتاز به من الفوائد والفرائد، بل كنت أقيِّد أي شيء أمر عليه إذا شعرت بندرته وأهميته، وكانت مغبَّةُ هذا الاستطراد تأخُّرَ نجاز المهمة، ولكنَّ عوائده لم تكن في البال ولا على الخاطر .. وإذا فسح الله في الأجل وبارك في الوقت أخرجتُ بعض هذه النفائس بمعيَّة الله.
عودٌ على بَدْءٍقفلتُ عائدًا إلى طرابلس ومعي كتب الباجقني المدرسية ومقالاته النادرة، وأخبار وصور وإجازات ومحاورات الإمام أحمد الشريف السنوسي في رحلته إلى دمشق سنة 1343هـ / 1924م، إلى المقالات الكثيرة المتنوعة الأخرى. وأول ما بدأت به في طرابلس فرز هذا الخَرَاج الرائق وتصنيفه، ثم شرعتُ في البحث عن أخبار الباجقني عبر محركات البحث، وكنت أخذت من قبل نبذة عن أدواتها بواسطة الأستاذ الفاضل تامر الجبالي المصري في قناته على اليوتيوب، وقد سهَّلت عليّ هذه الوسائل الكثير من الجهد والوقت. ثم انطلقتُ بعدها إلى جرد الكتب التي هي مظنَّةٌ لورود ذكر الباجقني فيها، ومن عجائب السهو والنسيان أنِّي لما رجعت إلى كتاب (صلاة التراويح) للألباني وجدت في آخره قيدًا للفوائد بقلمي، وكان من ضمنها رد الألباني على الباجقني! وطالعتُ كتبًا في التراجم لاستنباط المنهج الأمثل في كتابة السِّيَر الفنية، ولم أجد أحسن من كتب أستاذنا إبراهيم الزيبق، وهي خمسة كتب في خمسة أعلام: شُعيب الأرنؤوط، وعز الدين التنوخي، وعبد القادر المبارك، وسبط ابن الجوزي، وأبي شامة، وقد قرأتها جميعًا قراءة مُتأمِّلٍ فراقني عرضه وأُخذت بمنهجه، وقرأت كتاب "فنِّ السيرة" لإحسان عباس فانتفعت به، وقرأتُ شطرًا من كتاب "جبران خليل جبران" لميخائيل نعيمة فاستحسنت بيانه وتأثرت بسَرده، وكما انتفعت بهذه الكتب العالية بمُحاكاتها والبناء عليها، فقد انتفعتُ بغيرها أيضًا من الكتب النازلة السقيمة بتجنُّب منهجها والحذر من لغوها وحشوها. ولم أغفل عن كتب التواريخ والمذكرات الطرابلسية والدمشقية حتى تكتمل صورة الباجقني في ذهني، إذ الإنسان ابن جيله وهو انعكاسٌ لزمانه، فابتدأت بتاريخ طرابلس الغرب في الحقبة التي سبقت هجرة الباجقني، ثم طالعتُ تاريخ دمشق في آخر عهد العثمانيين فالدولة العربية فالانتداب الفرنسي فالاستقلال فالوحدة ... الخ، وقرأتُ مذكرات كرد علي كاملة، وذكريات الطنطاوي كذلك، وكتابيهما عن دمشق، وكتاب الطنطاوي عن الجامع الأموي، وكتاب ظافر القاسمي عن مكتب عنبر ... الخ، وهكذا اكتملت في ذهني صورة ذاك الجيل وأحداث هذا العصر الذي نشأ وترعرع فيه المُتَرجم له. ثم ختمتُ رحلة التفتيش والتقميش هذه بزيارة أقاربه وتدوين حكاياتهم معه ورواياتهم عنه، وقراءة ما أطلعوني عليه من كتبه المخطوطة ورسائله العائلية قراءة دقيقة متفحِّصة.
استطرادٌوعلى ذكر الزيارات الميدانية: فقد زرت في دمشق الشيخ المُعمَّر الدكتور مازن المبارك في بيته بالمزّة، وقصَّ عليَّ أحاديثه مع الباجقني في المعهد العربي الإسلامي في مطلع خمسينيات القرن الماضي! وزرت الدكتور نزار أباظة في مكتبه بدار الفكر، فناولني ترجمته للباجقني ومحمد كامل عياد من كتابٍ له مخطوط، وبفضلهما اهتديتُ إلى مقالات الباجقني في مجلتيه .. وزرت غيرهما فكنت أحظى دائمًا بالترحيب والإكرام ولله الحمد، حتى اتّصلت يومًا بأحد المشتغلين بالتاريخ الدمشقي والمعتنين بتراجم أعلامها، فعرفته بنفسي والتمست لقاءه وشرحت له حاجتي، فاعتذر بأنه ليس عنده شيء يفيدني به، وكان يشغل منصبًا مرموقًا .. ثم دارت الأيام دورتها وسقط النظام ولزم هذا الشيخ داره بعد أن جُرِّد من منصبه الرفيع، وكُتبت لي زيارة ثانية إلى دمشق لأجد كتابي (الرحلة الشامية) قد سبقني إليه، ولأكون هذه المرة مدعوًّا لزيارته بدعوةٍ منه شخصيًّا، وضربنا موعدًا شغلتني عنه الشواغل سهوًا لا عمدًا، وسبحان مُقلّب القلوب ومُغيّر الأحوال!
مرحلة الكتابةولما انتهيتُ من مرحلة التفتيش والتقميش على قول المحدِّثين، خططت فهرسًا مبدئيًّا لفصول الكتاب حتى يتَّسق النظام، وتتوارد الخواطر، وينطلق القلم. وقد أخذ مني هذا كله نحو نصف عام، غير الأشهر الأربعة التي قضيتها في الشام، ثم شرعتُ في الكتابة مدة خمسة أشهر تقريبًا حتى انتهيت من سيرته رحمه الله تعالى، جمعًا، وتنسيقًا، وكتابةً، وتنضيدًا، ومراجعةً.
بين الباجقني والسنوسيهذا عن سيرة الباجقني، أما رحلة الإمام أحمد الشريف السنوسي فكان أمرها أيسر لأنِّي جمعتُ أكثر مادتها في الشام، ثم لأنّ صَنعة التحقيق وطابع التوثيق غلب عليها بخلاف سيرة الباجقني التي كانت تأليفًا محضًا، وأمرٌ آخر أيضًا: هو أنَّ إلمامي بتاريخ بلاد الشام في تلك الحقبة اختصر لي الطريق وذلَّل لي السبل لفهم ماجريات الرحلة والوقوف على مُلابساتها، ولم يبق بعد ذلك إلا مُطالعة بعض الجرائد البيروتية والمقدسية المرفوعة على الشبكة، ثم مُطالعة بعض كتب السنوسية، وكتب الأثبات، والتراجم، حتى إذا اجتمعت لي المادة كلها أقبلتُ عليها ناظرًا مُتفحِّصًا فوجدتها تندرج في تسعة مواضيع، وهكذا جاء الكتاب في تسعة فصول، ولكل فصل مقدمة تُمهِّد له، وتزيده بسطًا، وتستدرك ما عساه قد غفلت عنه الجرائد. وفرغت من كتاب (الرحلة الشامية لإمام السنوسية) في نحو خمسين يومًا، وكان هو أول الكتابين اشتغالًا وآخرهما نجازًا والباجقني بالعكس، أما عن طباعتهما فقد قدمت كتاب الباجقني إلى الناشر قبل السنوسي بنحو شهر، وشاء الله أن تُطبع رحلة السنوسي في أقل من أسبوع وأن تتأخر سيرة الباجقني مائة يوم! فسبحان من رزق الباجقني الأدب مع شيخه السنوسي في حياته وبعد مماته!! وكان كتاب الرحلة سهلًا أيضًا في صياغة العنوان، أما كتاب الباجقني فلقد لبثتُ أشهرًا حتى اهتديت إلى العنوان الذي أحببته وارتضيته (هدية طرابلس إلى الشام)، وقديمًا قال المازني رحمه الله تعالى: (والأسماء آخر ما أختار لكتبي، واختيارها يكلِّفني شططًا، فإنّ لي فيها لمذهبًا خاصًّا، وأنا أتحرّى فيها ما لا يتحرّاه غيري، ولقد لبث كتاب "خيوط العنكبوت" حولًا وزيادةً لا يَصْدُر حتى اهتديتُ إلى اسمه!
مُصَفِّفو الكتب والمطابع ودور النشروبعد عناء السفر والبحث والكتابة جاء وقت العناء مع مُصفِّفي الكتب، وعامتهم جهال لا علاقة لهم بالعلم، وأنا امرؤٌ مُبتلًى بدقة الملاحظة وحب الزينة واشتهاء الكمال، ولهذا أتعبت نفسي وأتعبت معي صاحب الدار الذي تردّد على ثلاثة مصفِّفين حتى صار الكتاب جاهزًا للطباعة. أما حالي مع المطابع فما أشبهه وأصدقه بكلمة الرافعي لأبي ريّة قبل مائة عام رحمه الله: (لا أعرف موعد صدور الكتاب فللمطابع المصرية مواعيد غير معروفة ... وساعة المواعيد في مصر لا ضبط لها ولا يمكن أن تضبط إلا في يد نبي مصري إن ظهر في مصر نبي آخر!)، والكتابان طُبعا في مصر، ولا زال الحال كما وصفه الرافعي. أما عن دور النشر فقد وقع اختياري على (دار الوليد) بطرابلس، لصاحبها الأخ النبيل الكريم وليد المختار، ولقد كان اختيارًا موفَّقًا جدًّا، وكان حظِّي معه أسعد من حظوظ كثير من الأدباء والعلماء الذين طالما قرأنا لهم وسمعنا منهم الأنين والشكوى من الناشرين، وكيف لا أكون أوفر حظًّا وقد وثق بي وجازف فطبع ألف نسخة من الكتابين وأنا كاتب مغمور لا يعرفني أحد؟! إلى جودة الورق، وحُسن الغلاف، ومتانة التجليد، ونُبل المعاملة. وبعض الناس يحرصون على طباعة كتبهم وتوزيعها بأنفسهم، وهذا عناء فوق عناء التأليف! وما أجمل عبارة الشيخ الطاهر الجزائري التي نقلها عنه القاسمي: (لا ينبغي أن يُكلف المؤلف ما وراء تكليفه، إذ يكفيه إنهاك قواه فيما جمعه)، وبعضهم يحرص على طبعها في المؤسسات الحكومية ليربح المال، وهذا حَسَنٌ إن كانت هذه المؤسسات مهتمة بالنشر والمشاركة في معارض الكتب، أما إن كان مصير الكتب دفنها في المستودعات كما هو الحال اليوم فهذه جناية بالكاتب على نفسه، وبخس لكتابه. أما غلاف الكتابين فقد جلست ساعات أتخيّر لهما أحسن الصور، وجاءا فوق ما كنت أتمنّى، ولا أحصي كم فاضل حلو الذائقة شديد الملاحظة أطال النظر في صور الغلافين وكله اندهاشٌ واستحسان لهما !!
الإهداءوبعد عناء البحث، والكتابة، والتعاقد مع الناشر، ومراجعة المصفِّف، وانتظار المطبعة = تأتي مرحلة العناء مع الإهداء والاستهداء .. وللعلامة محمد كرد علي كلمة في مذكراته عن هذه الآبدة أنقلها بحذافيرها ولا أزيد عليها! قال رحمه الله: (ومن عظيم الأسف أنّ المُقتدرين على ابتياع الكتب إذا أُهديت إليهم أخذوها، ومنهم من لا يشكرك على هديّتك، على ما تقضي بذلك قواعد اللياقة واللباقة، أما أنهم يُطالعونها ويستفيدون منها فهذا علمه عند ربي. ورأيت منهم من يبيع هذه الهدايا وينتفع بثمنها مع استغنائه عنه، وذلك قبل أن يقص ورقها، أو ينظر في صفحة منها). *~*~*~*~*وإني في الختام ألتمس من القارئ العذر والصفح إن كان فيما كتبته مدحًا للنفس، فإنما ذلك إن وُجد حقًّا من باب التحدث بنعمة الله، أو من باب وَلَهِ الوالد بولده وكلفه بابنه، ولا يخفى عليكم قول الجاحظ عن علاقة الكاتب بكتبه: "وفتنته بشعره وفتنته بكلامه وكتبه فوق فتنته بجميع نعمته!"، فهذا من ذاك !! وليعذرني القارئ أيضًا على صبوتي لدمشق وتحنُّني إليها، وما أشبهني بالطنطاوي إذ يقول: (فلا تلوموني إن كررت الحديث عنها، فمن أحبّ شيئًا أكثر من ذكره، ولو أكرهتُ النفس على نسيانها لَمَا طاوعتني نفسي، ولئن نأيت بالجسد عنها فإن روحي فيها: أريدُ لأنسى ذكرَها فكأنما ... تَمَثّلُ لي ليلى بكلِّ سبيل!وممَّا سطرته في فاتحة كتاب الرحلة الشامية: "وليت شِعري أيُلام محبٌّ على تعشُّقه دمشقَ: صائدة الأفئدة، ومهوى القلوب، ومستقرّ الأنس، وجنّة المستعجلين؟!". وسُبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. محمد النُّويري 27 شوال 1447هـ |
|