الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

السكاكي وتلقي عبد القاهر

أنس رفيدة

مقالة

تاريخ النشر: 2026/03/26
اقرأ للكاتب
فكرةٌ، أو رأيٌ بالأحرى، يكادُ يستقرُّ في عقلي بعد تتبعٍ وتفكرٍ؛ مفادُه أنَّ كتابي إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، قد عاشا غربةً مكانية ومعرفية منذ وفاة مؤلفهما حتى بزوغ فجر "مفتاح العلوم".
فإنني أزعم أنَّ الاحتفاء الحقيقي والتلقي العلمي الجاد «الواسع» بكتب الجرجاني كان حكراً على حواضر "ما وراء النهر"؛ من خوارزم والري وما جاورهما، ولعلَّ العلة في ذلك تعودُ إلى عدم توفر نسخ هذين الكتابين واستفاضتهما إلا في تلك الأقاليم القاصية، مما جعل كتب الجرجاني حبيسة تلك الديار زماناً؛ وأنت إذا تتبعت النسخ الخطية للدلائل والأسرار سيعييك وجود نسخة مكتوبة في الحواضر العربية قبل المائة السابعة.
ومما قد يدلك على ذلك أنك لا تكاد ترى أثراً لروح "الدلائل والأسرار" قبل المائة السابعة إلا عند أفذاذ تلك الأصقاع الذين تهيأ لهم الاطلاع عليهما؛ كالإمام الزمخشري الذي تجلى أثر الجرجاني في كشافه، والإمام فخر الدين الرازي الذي روض صِعابها ولخصهما في "نهاية الإيجاز"، والمُطرزي في مقدمة شرحه للمقامات الذي اتكأ عليهما في بعض المباحث كالحقيقة والمجلز والتشبيه والتجنيس والفصاحة والبلاغة، وصولاً إلى السكاكي الذي جعل القسم الثالث من مفتاحه مصبّاً لجداول فكر عبد القاهر، ومستودعاً لذراري علمه ومكنون أسراره، فاستقطر فيه رحيق كتابيه، وجعله ملاذا لشوارد فكره.
إن الوصمة التي ظلت تطارد السكاكي منذ أكثر من قرن بأنه جمّد البلاغة وتنكب طريق عبد القاهر لهي وصمة ظالمة باطلة؛ فإني أرى أن الفضل الكبير في التفات الناس لعلم عبد القاهر يرجع للإمامين الخوارزميين الأعرجين، أبي القاسم الزمخشري وأبي يعقوب السكاكي، وبينهما الإمام الفخر الرازي؛ بل إني أظن ظناً أشبه باليقين أن اكتشاف الناس لاتكاء الزمخشري على ما كتبه عبد القاهر كان بفضل السكاكي واحتفائه به في كتابه العظيم مفتاح العلوم والتفات الناس إليه بعده.
وإنني لأجد في نفسي شيئا قد أكون مخطئا فيه، ولكنه جدير بالمناقشة، وهو أنَّ كثيراً من الناسِ اليوم يحاكمون عصرَ السكاكي وما سبقه بأثرٍ رجعيٍّ، مستندين في حكمهم إلى ما استقرَّ عليه الإجماعُ في القرونِ اللاحقة من عظيم شأنِ "الدلائل" و"الأسرار". فهم يظنون، عن غيرِ تبصّر، أنَّ هذه المنزلةَ المعرفيةَ السامية التي تبوَّأتها كتبُ عبد القاهر الآن -وهي حقيقة بها- كانت هي منزلتَها وعينَ تلقيها في فضاءِ التراثِ المعرفيِّ العربيِّ قبل المائةِ السابعةِ الهجريةِ، وهذا زعمٌ في ظني ترده حقائقُ التتبعِ التاريخي للمدونة العربية؛ ففي ظني أن الكتابين لم يكونا قد حظيا بعدُ بالانتشارِ أو الاحتفاءِ المؤسسِ في الحواضرِ العربية، بل كانا يرسفانِ في قيدِ الغربةِ المكانيةِ وندرةِ التداول، ولم يكن ليعرفَ قدرهما إلا من أُتيحَ له تصفحهما في ديار ما وراء النهر، قبل أن تمتدَّ يدُ أبي يعقوب بمفتاحه ليفتح أبوابَ التعريفِ بهما على مصراعيها في الشرقِ والمغرب.
وما زال الجدلُ القائمُ بين صرامةِ التقعيدِ عند السكاكي وعذوبةِ التذوقِ عند الجرجاني مادةً بكرًا تستوجبُ إعادةَ النظرِ والمناقشة؛ فالتراثُ البلاغيُّ لم يقف عند حدودِ المفاضلة والمفاصلة بينهما.
وختاماً، فإنَّ هذا الرأيَ قد يبدو «فطيراً» يحتاجُ إلى مزيدِ إنضاجٍ على نارِ البحثِ الهادئة، إلا أنَّها فكرة تحيكُ في صدري منذ زمنٍ بعيد، وتزداد مع الأيام والقراءة رسوخا، فأردتُ أن أبوحَ بها لعلها تفتح باباً لمراجعةِ المسارِ التاريخيِّ لتلقي هذا العلم الشريف، وكتبه الأصول، وأشياخه المؤسسين.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  8783