 | الحروف المقطعة في أوائل السورفرج كريكش | مقالةتاريخ النشر: 2026/01/05 اقرأ للكاتب |
حين أقرأ الحروف المقطّعة في بداية بعض سور القرآن الكريم، لا أشعر أن النص قد بدأ، بل أشعر أنني أنا الذي يُعاد ترتيبي. كأن الوحي لا يُدخلني مباشرة في الكلام، بل يسبق ذلك بلحظة قصيرة، لحظة قد لا تحمل مضمونًا أستوعبه لكنها تُغيّر فيَّ وضعية الاستقبال من الداخل. أقرأ: ألم فلا أفهم، ولا أبحث عن الفهم، لأن البحث نفسه يبدو دخيلًا هنا، كمن يقطع الصمت ليسأل: ماذا يعني هذا الصمت؟ إنها ليست كلمات بالمعنى المعتاد، بل عتبة. وقد خطر لي — وأنا أستغفر الله من كل خاطر يُقاس به كلامه — أن لهذه اللحظة أثرًا نعرفه في التجربة الإنسانية؛ أثر البدايات التي لا تُفسِّر نفسها، ولا تُقدِّم وعدًا، لكنها تُعلن الدخول. شعارٌ يظهر، أو مقدّمة صامتة، أو واجهة جذابة أو افتتاح لا يشرح شيئًا، لكنه يقول لك دون كلام: اربط الأحزمة الإقلاع الآن . ولله المثل الأعلى، فكلام الله أجلّ من أن يُشبَّه، وكلماته التامّة أسمى من أن تُقاس بصنعة البشر، غير أن القلب البشري واحد، وهو يعرف متى يُطلَب منه أن يُصغي قبل أن يُطلب منه أن يفهم. وهكذا تفعل هذه الحروف: لا تحمل فكرة، لكنها تُسكت الفوضى. لا تشرح، لكنها تُهيّئك. ثم يبدأ الكلام… فأُدرك متأخرًا أن هذه الحروف لم تكن جزءًا من المعنى، بل جزءًا من الدخول إليه. وحين أقرأ: كهيعص أشعر أن الدخول هذه المرّة أهدأ، أخصّ، وأقرب إلى الهمس؛ كأن النص لا يُلقى، بل يُسرّ إليّ ثم تأتي الآيات، فأفهم أن هذه الحروف لم تُضِف معنىً جديدًا، لكنها أضافت هيبة البداية، ولو غابت، لدخلتُ النص… ولكن دون هذا التأهب الجميل. وليست كل البدايات سواء. بعض الحروف تقف وحدها، بلا سندٍ لغوي، ثم يُقسِم النص بعدها، كأن الحقيقة لا تقبل التدرّج، ولا تنتظر أن تُقنِعك. ص… والقرآن ذي الذكر. ق… والقرآن المجيد. ن… والقلم وما يسطرون. لا تعريف هنا، ولا تمهيد، ولا يدٌ تمتدّ لتأخذك برفق. هنا حرفٌ واحد، وصوتٌ واحد، وقَسَمٌ يُلقى في وجه الشك، ثم تُترك وحدك مع ما لا مهرب منه. كأن الحرف المفرد لا يفتح لك الباب، بل يخلعه، ويقول لك بصمتٍ قاسٍ: هذه الحقيقة… فادخلها كما أنت. وفي مواضع أخرى، يتغيّر المزاج. تأتي الحروف مجتمعة، لا لتصدم، بل لتُمهِّد. ثم يُشار إلى الكتاب، لا ليُقسَم عليه، بل ليُعرَّف. الم… ذلك الكتاب. الر… تلك آيات الكتاب. هنا لا تُدفَع إلى الحافة، بل تُساق على مهل. لا يُراد لك أن تُصدِّق فورًا، بل أن تُرافِق، وتبني، وتتعلّم كيف تمشي مع الكلام خطوةً خطوة. فالطريق طويل، والكلام سيأخذ وقته. وهكذا أفهم اختلاف هذه المطالع: ليس اختلافَ حروف، بل اختلافَ طرائق للدخول، كلّها صادقة، وكلّها وُضِعت حيث ينبغي لها أن تكون. كشعارٍ جميل، كحارسٍ صامتٍ يعرف مهمته جيدًا: لا يصدّك عن الدخول، لكنه يسحب منك وهمَ السيطرة وفهم كل شيء ، ثم يفسح لك الطريق… بابتسامةٍ تحسها ولا تراها . |
|