الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

عاشت سورية!

شريف محمد جابر

مقالة

تاريخ النشر: 2025/11/30
اقرأ للكاتب
المشكلة ليست فقط في "عاشت سورية الأسد" كما قالت إحدى الفاضلات سهوًا في لقاء صحفي. المشكلة في مثل هذه الشعارات التي بُرمجتْ عليها الأجيال، في سورية وسائر العالم.

أن تنادي بعيش كيان سياسي أو دولة ليس أمرًا فطريّا، فسورية أو غيرها من الأقطار لا تحمل مبدأ حتى نقول "عاش"، وكثيرًا ما يمكن تحويل هذا "الوطن" إلى "وثن" تُسفك الدماء من أجله، وتُنهب الأموال باسمه. كثيرا ما "يعيش الوطن" على حساب تفكيك المجتمعات وموتها أو موت قيمها!

هذه الشعوب الإسلامية دخلت منذ قرن في بوتقة مفاهيم فاسدة خرّبتْ عليها عيشها ودينها، ولا بد من الانقلاب على هذه المفاهيم والعودة إلى المفاهيم الفطرية التي تقدّم "الإنسان" وكرامته وقيمَه على "الوطن"، وحين تكون هذه المفاهيم واضحة مفصّلة لها "رسالة خالدة" حقيقية يمكن تصفّح معانيها، ولها مصادرها الأصيلة الراسخة في بنيان الأمة؛ يكون من اللازم على المسلمين أن يبنوا حراكهم الجماعي ورسالتهم وغاياتهم في الحياة على هذه المفاهيم.

وأنا لا ألوم بسطاء الناس وعوامهم الذين يصعب عليهم استيعاب التغيير فضلا عن قيامهم بأعبائه، بل ألوم العلماء والمشايخ والدعاة والنخب الفكرية والسياسية المسلمة التي يفترض أنها عرفتْ قدرًا جيّدا من دين الله ومارستْه، ومن المعيب أن تستسهل الأمور وتُركّب خطابها على هذه المفاهيم الوطنية المنحطّة: "من أجل سورية"، "سورية للسوريين"، "عاشت سورية"، "السوري أخو السوري"، "نريد أن نبني سورية"... إلخ. وقس عليها ما يحدث في سائر البلدان.

مثل هذه الشعارات التي لا يبدو أن بعضها يحمل إشكالًا تنتمي إلى حالة أيديولوجية جاهلية مستوردَة، ما زالت تنخر في عقولنا وقلوبنا منذ قرن، ولم نستفد منها شيئا سوى أنها مزّقت أمّتنا، وكانت مع ذلك مركبًا سهلًا للوصوليين وطلاب السلطة، فهي لا تحمل بذاتها "المعايير" التي تضبط المسيرة، بل قد تتحوّل إلى أداة للفتنة والغواية والاستبداد، حين يصبح "الوطن" هو "الدولة"، وحين توضع تحت شعار "حماية الوطن" أو "بناء البلد" الكثير من الممارسات الاستبدادية أو مشاريع التبعية والفساد!

ومن الخطأ الظنّ بأنّه يمكن الالتقاء مع هذه المفاهيم الفاسدة في منتصف الطريق، أو البدء بها مسايرةً للمزاج الشعبي ثم تُصحّح المفاهيم لاحقًا.. فأنت متى ركبتَها سارتْ بك في مسارها الهائج المتعرّج بلا بوصلة، وصعُبَ عليك ضبط الأمر لاحقًا أكثر. وكذلك كل محاولة لمزجها بالخطاب الإسلامي هي محاولة فاشلة، فالخطاب الإسلامي لا يقبل الشِركة في القيم والمفاهيم التي تبني هوية الأمة ووجهتها الجماعية. لا يقبل إلّا أن يكون "المحيا والممات" لله لا "الصلاة والنُّسك" فحسب!

فاخرجوا منها يرحمكم الله، ولا أقول إنّ مجرّد الخروج منها سيزيل كل العراقيل من أمامنا، ولكنها خطوة مهمة في الخطاب والمفاهيم، خطوة في طريق صعب طويل، لبِنَة أساسية في بناء الأجيال القادمة التي أستبشر بها خيرا، وأراها متحرّرة من هذه الأغلال الاستعمارية تمامًا، تبني الإنسان والمجتمع والدولة على أسس ومفاهيم مغايرة تماما، مستمدّة من المصادر المعصومة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

المصدر: صفحة الكاتب على التلغرام

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  2299