الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

حُرية القلب.. في التعبّد والحُب

فاطمة كشبور

مقالة

تاريخ النشر: 2020/10/08
اقرأ للكاتب
منذ زمنٍ وفي نفسي حاجةٌ مُلحّة للحديث عن مقام الحبِّ الإلهي وجلاله، وللكتابة عنه استرسالا دونَ قيدٍ، باعثًا من البواعث الكُبرى لعمل المؤمن وقوله؛ ولكن القلمَ ترجمانُ القلب وفيض الشّعور الآني، والكَلِم فرعٌ عن تجليّات العقلِ والبصيرة، وهو كاشفٌ عن صدقِ العمل وزيفه لأولي الألباب والنّظر؛ وهو أيضًا سُهامٌ مُرسلةٌ تصيبُ نفوسًا مُتشابهة، وأرواحًا مُتعارفة مُتآلفة؛ يألفه الشّبيه وإن بعد، وينكرهُ المختلف وإن قرُب؛ فكنتُ وما زلتُ أتهيّبُ ولوجَ هذا المقام المهيب، وليس في جعبتي اللّغوية والشّعورية ما يبلغُ إكرامه واستيفاءه.
في صغري كانت تلفتني آياتُ التّرهيب في القرآن، على رأسها جميعًا وصف المنافقين، سماتهم وأقوالهم وصفات قلوبهم، وكيف خُصّوا بأدنى جزاءات الدّنيا رداءة، وأسوأ دركات الآخرة سفولا، ثمّ كانت تلفتني دقائق العذاب وآياته الواعظات، مقت الله وغضبه على الأشقياء من عباده الذين ألفوا الخلود إلى الأرض واستحبّوا الدّنيا على الآخرة، القلوب التي تصبحُ كالحجارة القاسية، بل أشدّ، وأعظُ قلبي بذلك كُلّه، وأسيرُ إليه سُبحانه بالخوف والمهابة، وأرمّم عثراتي بدمع الخشية والوجل، ثمّ كبرتُ قليلاً وتفتّحتْ مسامُ نظري وبصيرتي، وصرتُ أرى آياتِ إعجاز القرآن على هيئة أكثر وضوحًا وإشراقًا، صارت آياتُ المواساةِ للصّالحين والقَصص، معية الله لهم ووعده، رحمته بعبده وحفظه وعنايته، إجابته للمُضطرّ، أكثر قربًا من قلبي وتأثيرًا فيه، ثمّ اتّسعت بفضل الله وعلوم الشّريعة وبعض تجارب الحياة المريرة آفاق رؤيتي وتصوّراتي وعمل ذهني؛ فصارت تفاصيلُ الأحكام التشريعيّة في كتاب الله، وربطها بوعدٍ أو وعيدٍ أو اسم من أسمائه سُبحانه، تكشف لعقلي عن إعجازٍ عظيمٍ فريدٍ ليس بصنع بشرٍ، وعن منظومة تشريعيّة آسرة من الرّحمة والعدلِ والجلال والجمال والحقّ.
وحتى يومي هذا أكثر ما يخضع له قلبي، وينشرح له صدري آياتُ الولاية والمعيّة، حبّ العبد لربّه، وحبّ الربّ لعبده، هذا الجزاء العظيم الذي إن أوتيه الإنسان فليس ثمّ جزاءٌ في الدّنيا أكمل منه ولا أتمّ، وهو بقدر ما جُعل جزاءً وعطيّة، فهو أيضًا باعثٌ وسبب ودافعٌ داخليّ عميقٌ، بل من أكبر البواعث والأسباب الموصلة لطريق الله التعبّدي العمليّ في الدنيا، وجزاءه الآجل في الآخرة.
يرى بعض علماء الإسلام أنّ الحبّ والإرادة هما مبعثُ الأفعال جميعها، فلا يخلو فعلٌ إنسانيّ من باعث حبٍّ أو باعث إرادة؛ يبدو لي ذلك صحيحًا حين أتأمّل أثرَ حالاتِ الوَهَن الإنسانيّ التي تعتري الرّوح والقلب في مسؤولياتنا وواجباتنا الاعتياديّة اليوميّة؛ فتُثْقِل النّفس وتُضعف مادّة الحياة فيها، يبدو المرءُ منّا في تلك الأزمنة مُجهدًا ثقيلاً يُباشرُ أعماله بثقلِ جوارحه مُنفردة، لا بخفّة روحه ونفسه المساندة، وخلال تأمّلي وجدتُ أنّه كلّما قلّت مباعث الرّوح والقلب وضاقت؛ ثقُلت على إثرها الجوارح في العمل؛ كأنّهما قرينان لا ينفكّان أبدًا، نحن نرى كثيرَ العمل أو التعبّد إنسانًا من طراز خاصّ يشقُّ علينا فهم التزامه فيهما، إلا أنّنا نبصر فيه هيئة العمل الخارجيّة، ونغفل عن حالته الدّاخلية، وعن أزمنة جهاده القبليّة، غالبًا استحالت عنده مشّقة الأعمالِ إلى لذّة وإرادة وحبّ بعد طول صبر وجهاد ومشقّة؛ فهو يعمل بقلبه وروحه قبل بدنه وجوارحه، ومناط استمراره بعد إخلاصه: خفّة روحه، ولذّة قلبه، ومن هنا يبدو لي أنّ أثر الرّوح والشّعور ومباعث الوجدان عميقٌ وأصيلٌ في الكائن الإنسانيّ عمومًا وفي عمله الخارجيّ، وأنّ العقل والفكر يعجزان عن الانفراد بباعث العمل والقول الأكثر صوابًا، وعن جعلهما مناطًا للاستمرار والدّيمومة والالتزام، وكانت دائمًا ما تحدّثني نفسي عن الذين يُقدّسون العقل والمنطق المجرّد في التركيبة الإنسانيّة، أن لو شاء ربنا لخلقنا على صورة آلة عقليّة فكريّة مُنبتّة عن القلب والشّعور، ولكنّه سُبحانه أودع فينا الشّعور الإنساني النبّيل لغايات حكيمة.
يذكرني هذا التأمّل بحديث النبي "إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه" (متفق عليه)، وأتذكّر أيضًا أنّ الشّارع عظّم عمل القلب، بل ومنح الجزاء عليه وعلى محض النيّة إن عجز البدن عن تصديقها بالعمل، ووضع الشّارع الوزرَ -في بعض الأحوال- عن عمل الجوارح حال الاضطرار والإكراه الملجئ إن خلا من عمل القلب وانعقاد النيّة، والاستدلال في تفاصيل هذا الشأن من جهة الأنظار التشّريعية يطول، لا يناسبه هذا المقام المختصر.
من هنا يظهر لي ما يمنحه الشّارع من درجة رفيعة للبواعث القلبيّة، والأحاسيس الدّاخلية؛ فعليها ينعقد حبلُ الصّدق، ومنها تخرجُ بذور النّفاق، وعليها يدور أصل الجزاء، وبها يُحبط العمل العظيم الظاهر في معايير الدّنيا والبشر.
وحبّ الله وحبّ ولايته وقربه في نظري أعظم هذه البواعث مُطلقًا، الدّافعة للعمل ولزوم الاستقامة، وللقرب من درجات الكمال الإنسانيّ في الدنيا، ولا معنى هنا للحديث عن أهمية الخوف والرّجاء كذلك في نظري؛ فالحب الصّادق قرينُ الخوف من الله والرّجاء فيه بالضّرورة، المحبّة الإنسانيّة الصّادقة عمومًا والمستمرّة ثمرة المعرفة الحقيقيّة للآخر، والمحبّ الجاهل بمحبوبه ليس محبًا لذات المحبوب، بل محبّا لتصوّره العقلي أو العاطفيّ الخاصّ عن ذلك المحبوب؛ لذلك فالمحبّ الصّادق لله عارفٌ به، عارفٌ بكماله وجلاله، بجزائه وثوابه وعذابه، يتتبّعُ مسالك العلم واليقين، وهو عارفٌ كذلك بضعفه الإنسانيّ وجهله ونقصه وعيبه وعظم حاجته إلى مولاه وفاقته.
من زاوية أخرى أرى أنّ المحبَّ الصّادق على درجة عالية من الوعي بنفسه الداخليّة بلغة علماء النّفس المعاصرة، واعٍ بخيرها وشرّها، بكمالاتها ونقائصها؛ ولذلك هو أرجى في نظري للاستقامة السليمة؛ ولذلك أيضًا هو مُتتبّع لمحابّ الله ومراضيه ولمظانّ ذلك في الوحي وفروع التشريع؛ لأنّه سيدرك بالضرورة بهذا الوعي الدّاخلي عَظَمة هذا التشريع ودرجات كماله في إصلاح النّفس الإنسانيّة والسموّ بها.
في المنظور الإسلاميّ لا يأتي الحبّ بغتةً، وليست هو الكهنوت النّصراني، وليس توريثا ولا وساطة ولا دروشة، وليس برهبانيّة ولا بانقطاع عن الحياة الدّنيا وزهرتها، وليس منفصلا عن العمل البتة، بل هو عطيّة من الله في القلبِ لعبده على أية صفة كان بغير وصاية بشريّة، تُمنح بالأسباب، وتُصدّقها الأفعال، وتُؤتى بالمجاهدة والمراقبة والصّبر، وكلما علا العبد في درجاتِ المحبة علا في تحقيقه لدرجات إفراد الله بالعبادة القلبية والعمليّة التي خُلق لأجلها؛ فالقلب المتعلّق بالله، وهو أحبّ إليه مما سواه، قلبٌ حرّ، طليقٌ، والقلب الحرّ من العلائق هو القلب الخالص لله، وهو مُهيأ لاستقبال موادّ الوحي والعمل بها والجهاد فيها، لقد كانت هذه الصّفة مُقدّمة على ما سواها في إخبار الله تعالى عن عباده المؤمنين الذين يصطفيهم لإقامة شرائعه في الدّنيا، وكأنّها الأصل الذي تدور عليه وتُبعث منه سائر الأعمال العظيمة التي تتجاوز الذات الإنسانيّة الضّيقة، قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (المائدة:54).
يوسُف الفاخري2020/10/08
بورِك المداد، ورُزقتِ التوفيقَ والسّداد والرّشاد.
كلماتٌ حيّةٌ، تنبضُ صدقًا وحُبًّا.
جعلكِ اللهُ ممّن وقَر حبّ مولاهُ في قلبه.

فخورٌ بكِ.
غفران عادل 2020/10/09
بارك الله فيك ونفع بك 💛

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  4308