الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

أخي العزيز.. رسائل حسين وجلال أمين

محمد عبد العزيز

مقالة

تاريخ النشر: 2023/09/10
اقرأ للكاتب
أحبُّ فنَّ الرسائل بين الأدباء، خصوصًا أن الرسائل تُكتب ولا تسبقها نيَّة النشر، لذا فهي تصبح تعبيرًا عن مكنونات صاحبها في لحظة كتابة صادقة وصافية، وعندما رأيتُ أغلفة كتب الرسائل بين حسين وجلال أمين، سألت: هل من إضافة جديدة فيها؟
بعد قراءة مذكرات العائلة -نعم عائلة أمين كتبت مذكراتها على امتداد أجيال- بدأها الأب أحمد أمين في سيرته الوقورة "حياتي"، التي حكى فيها عن عصره وتعليمه، وتميزت بالمحافظة الشديدة، ولم تكن على نمط الاعترافات الغربي، أما جلال ابنُه فسيكتبُ لاحقًا سِيَرًا لحياته في ثلاثة كُتب: "ماذا علمتني الحياة؟" و"رحيق العمر"، ثم يجد لديه حكايات أخرى فيكتب "مكتوب على الجبين".
أما حسين أمين، فقد كتب "في بيت أحمد أمين"، وحكى عن تجربته في كتاب بعنوان "شخصيات عرفتها"، وتميزت سِيَر الأبناء بالاعترافات والبوح، ولعل جلال قد اقتنع بمقولة جورج أورويل: ‏"إنَّ كتابًا في السيرة الذاتية لا يمكن أن يصبح محلًّا للثقة إلا إذا كشف بعض الأشياء التي تشين صاحبها"، وبعد تصفُّحي الرسائل وجدتُ أنها تستحق أن تكون تكملة لسيرة العائلة وحياة جيل مصري، ففيها من البوح والإبانة عن النفس والتطور الفكري لأفكار الأخوَين ما يستحق القراءة والنقاش.


رسائل فلسفية


عثر كمال، أحد أحفاد حسين أمين، على هذه الرسائل، وأعاد قراءة كتب جَدَّيْه، وأخذ يتعرف إليهما من خلال هذه الخطابات، وقد أبدع في تحرير الرسائل، مع وضع السياقات التاريخية والمعلومات التي تكمل القصة من خلال مذكرات العائلة.
وتبدأ مراسلات حسين وجلال عام 1950م، وتمتد حتى عام 1987م، أي منذ كان سنُّهما ثمانية عشر وخمسة عشر عامًا على الترتيب، إلى أن بلغا الخامسة والخمسين والثانية والخمسين، وقد أقاما خلال تلك السنوات في مدن مختلفة، مثل لندن وكامبريدج وموسكو وكندا ونيجيريا والكويت والقاهرة وغيرها، ولقد طربت وأنا أقرأ الرسائل وسط نقاش عميق بين حسين وجلال، ففي خطاب كتبه حسين إلى جلال في 30 مارس عام 1959م يذكر فيه بعد مناقشات فلسفية: "لنعُد إلى كتابة خطابات كتلك التي يكتبها سائر الخلق، فإنه ليُخيَّل إليَّ أننا نكتب رسائلنا وعيننا على مؤرخي سِيَرنا، وكأنما نحاول حاليًّا تخفيف العبء عمن سيحرر فيما بعد رسائل حسين أمين إلى إخوته وأصدقائه"!
ترِد هذه العبارة كأنها نبوءة، ولعل حسين توقع نشر هذه الرسائل يومًا ما، فحافظ عليها في ملفات خاصة.


مباهج لندن


عاش حسين في لندن وعمل في إذاعة "بي بي سي"، وأخذ يصف لأخيه جلال أجواء العمل وشخصية الكاتب حسن الكرمي في محطة الراديو ذائعة الصيت، يقول له: "الزملاء هنا أقوياء في اللغة العربية جدًّا وأعتقد أن لغتي العربية قد تحسَّنت كثيرًا منذ مجيئي إلى لندن وهم يهتمون برفع الفاعل ونصب المفعول أكثر من اهتمامهم بالصوت أو القراءة، وهنا شخص يُدعى حسن الكرمي، وظيفته الوحيدة هي مراقبة لغتنا العربية. ويقدم إلينا بعد كل نشرة أخبار نقرؤها قائمة (في طول هذه الصفحة) كُتُب فيها أربعون خطأ نحْويًّا ارتكبناها في النشرة، مثلا: كلمة (نشرة الأنباء) ليست صحيحة لأن (النبأ) هو الخبر العظيم المذهل كقيام الساعة أو حدوث زلزال، كلمة (حادث هام) ليست صحيحة، لأن الهام هو ما يجلب الهمّ، أما الصحيح فهو الحادث (المُهم)، وهكذا. وقد أراد حسن الكرمي هذا أن يجعلنا نقول (القنبلة النووية) بدلًا من القنبلة الذرية، لكننا بالطبع أصررنا على استعمال (الذرية)، فخضع آخر الأمر وهو مشمئز متحسِّر على ضياع اللغة العربية".
ويقول حسين في موضع آخر من الرسائل لأخيه جلال: "ما رأيك في لغتي العربية؟ هل تشعر أنها قد تحسَّنت؟ أعتقد ذلك، وذلك بفضل عملي مع الفلسطينيين، خصوصًا حسن الكرمي الذي يؤذي أذنه الخطأُ النحْوي كأنه دبُّوس. ليس فقط الخطأ النحوي، بل أشياء مثل (هيئة الأمم المتحدة) بدلًا من (منظمة الأمم المتحدة)".


قلم جميل تحول من كتابة القصة إلى الفكر


وفي رسائل حسين إلى جلال وصفٌ لأختهما فاطمة، التي كان يزورها حسين في لندن، وصْف بسيط عن النكد وتقلُّب المزاج عند المرأة، بساطة الوصف مع صدقه لفتت نظري! يقول حسين:
"فاطمة لا أصدقاء لها، منعزلة، أعصابها كما كانت وهي طالبة في حلوان، تتوقعون أن تجدوها مختلفة عند عودتها؟ حسن! ستجدونها بالضبط كما كانت في أي وقت من الأوقات تغمرك بسيل لا ينقطع من الكرم، ثم تطردك من المنزل. عندما أزورها تصيح مهللة (هالو يا حسين)، وتقوم لتحضر العشاء وتزغّطني كالكتكوت (كُل التفاحة دي، كُل الموزة دي، كُل التورتة دي) فآكل حتى أمتلئ وأتمدد على الكرسي أمام المدفأة كالسلطان لأهضم ما أكلت. وفجأة… ودون سابق إنذار أسمع صوتًا يصرخ بي: (حضرتك قاعد قدام الدفاية وأنا عمالة أغسل الأطباق؟ أنا خدامة عندك أطبخ لك وأغسل لك الأطباق بعد ما تاكل؟)، فأقوم من الكرسيّ مذعورًا إلى المطبخ والأكل الذي أكلته يمغص في معدتي، سبحان الله، وكأنها تتعمد بالفعل أن تفسد باستمرار كل جميل تُسديه للشخص. في أيام الأحد يمكث عبد العزيز في الفراش متعبًا من أثر المجهود الذي يبذله أيام الأسبوع، فتحمل إليه فاطمة الإفطار في السرير Thank you, Fatma، وتبتسم فاطمة كالملائكة: "إِه! وهوَّه إحنا عندنا كام عبد العزيز؟)، تقصد زوجها، وتحمل إليه الغداء في السرير، إِه وهوَّه إحنا عندنا أغلى من عبد العزيز؟! ويبتسم عبد العزيز في نشوة ويتقلب على جنبه الآخر ليغفو غفوة لذيذة. وفجأة… ودون سابق إنذار يسمع صوت فاطمة تصيح صارخة في الأولاد بالدور الأسفل (الحِمل كلّه عليَّ وأبوكم نايم لي في السرير طول النهار، دي عيشة إيه دي؟!)، ويهب عبد العزيز المسكين من سريره مذعورًا ويلبس الشبشب في عجَل وينزل لمساعدتها في المطبخ، وفي يوم الأحد التالي تأتيه فاطمة بالإفطار في السرير: (إِه! وهوَّه إحنا عندنا كام عبد العزيز؟!)، ويرتجف عبد العزيز وهو يسمع هذه الجملة، ويتناول الملعقة ويده ترتعش..".


الجمال جواز عبور في الحياة


وأرسل حسين رسالة إلى أخيه جلال يقول فيها: "التحقَتْ بالإذاعة البريطانية مؤخرًا فتاة عراقية في منتهى الجمال تعمل تايبيست Typist في القسم العربي. وأنا وزملائي نَعْجب: كيف أخذوها في الإذاعة؟! هي لا تجيد الكتابة على الآلة الكاتبة إطلاقًا. اغتيال تكتبها (اختياب) ومحاولة تكتبها (ملاوحة)، حتى إنك تُضطر لإعادة كتابة النشرة أو الهامش كله تقريبًا من جديد. ومع ذلك فإن جمالها يجعلنا نغفر لها أخطاءها. وقد أدركت سلطانها على أعضاء القسم العربي فلم تعد تهتم بأخطائها كما كانت من قبل. وفي الساعة الثالثة (موعد إملاء النشرة أو الهامش) تجد الزملاء يتأنَّقون قبل صعودهم إلى غرفة الآلة الكاتبة، فإذا وجدوا شخصًا آخر هناك أملَوا النشرة في اشمئناط. أما إذا وجدوها هي، فالوجوه تبتسم والإملاء يبطئ والنشرة تتخلَّلها دعوات للعشاء".
الرسالة جاءت في عام 1955م في أثناء عمل حسين في الإذاعة.
وتبوح الرسائل عمومًا بهموم الأخوَين العاطفية في سنوات لندن، والبحث عن خطيبة، وقلق جلال من الزواج بأجنبية، مع أننا نعلم أنه قرر لاحقًا الزواج ببريطانية، لكننا نرى عذاباتِ الحب في مدينة لندن واعترافات الأخوَين بهمومهما العاطفية وقد اختفت لاحقًا مع الزواج.


البحث عن أحمد أمين


نلاحظ في رسائل الأخوَين بحثَهما في تراث والدهما أحمد أمين، وقراءة ما يُكتب عنه، فعندما نشر ألبيرت حوراني كتابًا تضمن ذكر والدهما حرص الأخوَان على الحديث عنه، وفي رسالة جلال أمين يصف والده أحمد أمين، يقول:
"عزيزي حسين، قد وصلت إليَّ من مصر أخيرًا الأجزاء الثلاثة الأولى من (فيض الخاطر) لأحمد أمين، قرأت بعض المقالات في كل منها. والواقع أنني أتعرف إلى والدي لأول مرة، وأتمنى لو كنتُ أكبر سنًّا عند وفاته، إذ إن نظرتي إليه في أثناء حياته كان يشوبها كثير من الحماقة. أنا لا أقول إنه كان أديبًا عظيمًا ولا حتى أعماله تعكس ذكاءً غير عادي، ولكن كان فيه إخلاصٌ وطيبة عميقان، فضلًا عن الصبر على العمل والقراءة. كثير من المقالات التي قرأتها له تنم أساسًا عن قدرة على توليد الأفكار من أي موضوع، ولكن الأفكار ذاتها غير عميقة عُمقًا كبيرًا. وأفكاره السياسية بوجه خاص تنم عن قلة اطلاع في هذا الصدد، ولكن من ناحية أخرى حبُّه للإصلاح، ولوطنه بوجه عام إلى درجة التألم من أجله، واضح وضوحًا كافيًا".
ثم يقول له: "والدي من الموضوعات الكثيرة التي أحب أن أقابلك للتحدث فيها، ولا أجد -بطبيعة الحال- أحدًا هنا أكلمه عنها في لندن".


في حب الكتب


تبادل حسين وجلال كثيرًا من الأحاديث، خصوصًا الحديث عن الكتب، مثل رسالة حسين إلى أخيه جلال عام 1950م في أثناء وجوده في لندن:
"أنصحك يا جلال جديًّا أن تكف عن قراءة طه حسين وتوفيق الحكيم، وتبدأ قراءة سومرست موم.. اشترِ فورًا (عبودية الإنسان) لسومرست موم، ولا تنتظر حتى أحضره معي، وابدأ في قراءته حالًا، فلن تجد في الدنيا كتابًا مثله..".
وفي رسالة أخرى، كتب حسين أنه قرأ لسومرست موم 16 كتابًا وينوي كتابة سلسلة مقالات عنه، وكتب جلال أمين إلى أخيه حسين عام 1979م:
"قرأت بعض فصول كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد وأعجبت به، وانتقادي الأساسي له أنه مكتوب من وجهة نظر ناقد أدبي أكثر منه عالم اجتماع أو مؤرخ، ومن ثم كثيرًا ما يعلّق أهميةً مبالغًا فيها على فقرة بعينها أكثر من الاهتمام بمغزى اتجاه المؤلف برمته".
وكتب حسين أمين إلى أخيه: "كلانا قد فقد الإيمان بالقراءة وبما يقرأ، أما طارق (البشري) فهو (الجيل الصاعد)، يقبل على القراءة بنهم. ويعدُّ الآن بحثًا في تاريخ مصر من 1948م إلى 1952م ويواظب يوميًّا على التوجه إلى دار الكتب للقراءة في موضوعه".. سيصدر كتاب البشري لاحقًا بعنوان: "الحركة السياسية في مصر".
وفي الجزء الثاني من رسائل حسين وجلال ترى المادة الخام، التي نسج منها جلال لاحقًا مذكراته وسيَره الذاتية.. ترى قلق الإنجاز في الحياة والتفكير في الإنتاج الأدبي والخوف من مرور العمر، والبحث عن الرضا وظلال نقصان الحياة، التي جعلته يشعر بالاكتئاب في مرحلة من حياته، لعل جلال عاش مع نمط التأمل الذاتي الطويل في مصاير البشر، وهذا ما ميَّز رسائله، التفكير في أفكار مجردة والبحث عن حقيقتها، ولعل قراءات جلال، التي جمعت بين علم الاقتصاد وبين الأدب أمدَّته بقدرة على النظر في أحول الناس جعلته يكتب "ماذا حدث للمصريين؟" وغيره من الكتب، التي تنطلق من الذاتي والشخصي إلى العام.
ما لفت نظري هو ما عبَّر عنه جلال بسؤال: "لماذا تخيب الآمال في الحياة؟".. فقد بدأت الرسائل بين الأخوَين بآمال عريضة في الحياة والشهرة والنجاح، ثم تقلَّصت تلك الطموحات مع صعوبات الحياة، خصوصًا عند حسين، الذي نراه يعاني صراعًا في حياته بين الوظيفة والرغبة في التفرغ للأدب.. أسئلة كثيرة قد تخطر على بال القارئ وهو يتلصَّص على رسائل "الأخوَين أمين" ويجد فيها فرصة للتفكير في حياته نفسها.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  9259