الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

ناقدان على باب الله

حسين بافقيه

مقالة

تاريخ النشر: 2023/08/17
اقرأ للكاتب
بينما كانتْ حركةُ الحداثةِ عندنا على أَشُدِّها، وبينما كان عبد الله الغذَّاميّ وسعيد السُّريحيّ يملآن الحياة الأدبيَّة صَخَبًا وضجيجًا وحديثًا في البنيويَّة صباحَ مساءَ = ظَهَرَ لهما - مِنْ حيث لا يريدان - رَجُلٌ لا شأنَ له بالبنيويَّة ولا بأخواتِها، ولكنَّه كان - بوجهٍ مَّا - مُفكِّرًا، فإنْ لمْ يَكُنْ مُفَكِّرًا فهو، لا شكَّ، مترجِمٌ ممتازٌ للفلسفة الغربيَّة.
كان ذلك المفكِّر أو المترجِم هو أحمد الشَّيبانيّ!

-٢-

قُلْتُ لكمْ: لمْ يكنْ للشَّيبانيِّ صِلةٌ بالبنيويَّة، لكنَّه أرادَ أن يَعرفَها؛ فاستجلبَ عددًا مِنْ كُتُبِها باللِّسانين العربيّ والفرنسيّ!
أَكَبَّ الشَّيبانيُّ على قراءة تلك الكُتُب، وكان - بهذا المعنى - حديثَ عهدٍ بالبنيويَّة لا يختلف عن الغذَّاميّ والسُّريحيّ إلَّا في أمرٍ مهمّ!
ذلك الأمر المُهِمّ هو أنَّه رَجُلٌ عالِمٌ بالفلسفة، عالِمٌ بمصطلحِها، عالِمٌ باللِّسان الذي ينقلُ عنه، وما هكذا الغذَّاميُّ والسُّريحيّ! فكلا النَّاقدين لا علاقة له بالفلسفة! وأقربُ الظَّنِّ أنَّ تضلُّعَ الغذَّاميّ مِنَ اللُّغة الإنگليزيَّة ليس بذاك، أمَّا السُّريحيُّ فمِنْ أصحاب اللِّسان الواحد!

-٣-

بدأ سِجَالُ البنيويَّة [أوْ معركتُها] في ملحق (الأربعاء) بصحيفة (المدينة) بين الشَّيبانيّ والغذَّاميّ، وأظُنُّكم تَعْرِفون النَّتيجة قبل أنْ أُعْلِنَها لكم!!
أَكَلَ الشَّيبانيُّ [العالِمُ بالفكر الغربيّ والفلسفة] الغذَّاميَّ الذي كان حديثَ عهدٍ بالنَّقدِ الحداثيّ. والعِلَّةُ في ذلك أنَّ الشَّيبانيَّ - مهما كانتْ صِلتُه بالبنيويَّة جديدة - كان عالِمًا بمَضايِق الفلسفة ومصطلحِها، عارِفًا لكَلِمِها، والغذَّاميُّ كان، كما يقول المَثَلُ العامِّيُّ، "على باب الله"!
وحينئذٍ ترك الغذَّاميُّ خصمَه الشَّرِسَ الشَّيبانيَّ يُلَخِّصُ لقُرَّائِه ما قرأه عن البنيويَّة في جُذُورها الفلسفيَّة، ولْأَقُلْ: يُلَخِّصُ لقُرَّائِهِ كلامًا طَهَرَ عليه للفيلسوف الفرنسيّ الماركسيّ روجيه غارودي في كِتابِهِ (البنيويَّة فلسفة موت الإنسان)، وأنشأَ صاحِبُ كِتاب (الخطيئة والتَّكفير) يَمضغُ الكلامَ ويلوكُه حول بيتٍ شِعريٍّ مِنْ شواهد النَّحوِ، لِيُظْهِرَ ما فيه مِنْ لَفَتاتٍ بنيويَّة!

سَلَامُ اللـهِ يا مَطَرٌ عَلَيْها * ولَيْسَ عَلَيْكَ يا مَطَرُ السَّلامُ!

وصارَ الشَّيبانيُّ والغذَّاميُّ كأنَّهما مُتدابِران لا مُتقابِلان!

-٤-

أمَّا سعيد السُّريحيُّ فكانتْ صِلَتُه بالفلسفة مبتوتةً، أوْ هي، في أحسنِ أحوالِها، لا تتعدَّى القُشُورَ التي لعلَّ شيئًا مِنها انتهَى إليه مِنْ أستاذِه في الجامِعة الدُّكتور لطفي عبد البديع = الذي عساه كان يَجْتَرُّ شيئًا مِمَّا عَرَفَه، قديمًا، عنها!
لكنَّ سعيدًا كأنَّما كان "الفَتَى المُشاغِب" أو "الوَلَد الشَّقِيّ"، الذي استطاعَ رُغْمَ رِقَّةِ عِلْمِهِ بالفلسفة = أن يُعَكِّرَ صَفْوَ المترجِمِ الضَّخْم الشَّيبانيّ [ولقدْ كان، بِحَقٍّ ضخم الجُثَّة!] ويُناكِفُه - بشجاعة فِتيانِ الحارَة المُزعجين - بِفَرِّهِ وكَرِّهِ ومُرَاوغَتِهِ، حتَّى ضَجَّ الشَّيبانيُّ مِنَ "الفتى المُشاغِبِ" وعَنَّفَه، وقال له: لا دَخْلَ لكَ فيما نَشِبَ بيني وبين الغذَّاميّ!
والحَقُّ أنَّ عِلْمَ سـعـيــد السُّريحيّ بالفلسفةِ لا يختلفُ عنْ عِلْم صديقِه [أو الذي كان صديقَه!] عبد الله الغذَّاميّ، مع تنبيهٍ مُهِمٍّ يتفرَّدُ به سعيد، وهو ذكاؤهُ الحادُّ، ومَهارتُه العجيبةُ في تقليب شتَّى الأمور، وتعميتِها، حتَّى لَيُوْهِمُكَ أنَّه أبو عُذْرةِ الشَّأن الذي يَخُوض فيه، وإنْ لمْ يسمعْ به إلَّا السَّاعة!
والسُّريحيُّ مثقَّفٌ، بلْ هو مثقَّفٌ كبير، متى ما قِسْناه بعقْلِهِ لا بعِلْمِهِ، وبينما نَفَعَهُ دهاؤه في استفزاز الشَّيبانيّ وتعكيرِ مِزاجِه = فَرَّ الغذَّاميّ إلى شاهد النَّحوِ، فِرارَ الطَّريدةِ مِنَ السَّبُع!

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  9979