الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

جلسة امتحان في "قسم الإلحاد العلمي"

سعد مصلوح

مقالة

تاريخ النشر: 2023/06/08
اقرأ للكاتب
هو يوم يقاوم النسيان في الحقبة الموسكوفية من حياتي. لقد ذهبت إليها مبتعثا لنيل شهادة الدكتوراه، وما كانت لي الخِيَرَةٌ من أمري إذ قضى الله هذا الأمر. قبلته من قَبْلُ بَرِمًا به لأول واهلة، ثم علمت علم اليقين من بَعْدُ أنه سبحانه لا يقضي في شأن عبده إلا بخير، وبدا لي أني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اخترت غير الذي كان. وخفف عني وقع هذا الأمر ما سمعته وقرأته لأخي الكبير الأستاذ الدكتور محمد فتوح أحمد -مد الله في عمره وبارك عمله- في ما تبادلناه من رسائل، وهو الذي سبقني إلى هناك بعامين، وكان عيني ولساني في أيامي الأُول حين لم يكن لي ثمة عين ولا لسان، فجزاه الله عني خيرا بما صنع لي وهَوّنَ علي. كان على المبتعث أن يجتاز اختبارين؛ أحدهما في الاختصاص والآخر في اللغة الروسية، وأمكنني -والفضل من الله- أن أجتازهما في العام الثاني من البعثة بامتياز. أما الذي فجأني وزملاء دفعتي بحق فمقرر استحدثته لنا وزارة التعليم السوفيتية في عامنا الثالث، وطلبت إلينا دراسته والنجاح فيه شرطا للدفاع عن الأطروحة ونيل الدرجة العلمية، وأعني به مادة "الفلسفة الماركسية". ولقد قاومنا وحاولنا ما وسعنا الحِوال أن نستدفع هذا الضر، بيد أن السلطات المصرية راوحت بين الاعتراض بادئَ بداءة، ثم انتقلت بها الحال من الاعتراض إلى التأول، ثم من التأول إلى التعلل، ثم ألقت إليهم السَّلَم، فسيق المبتعثون إلى قاعات المحاضرات زمرا، وكان المحاضرون أساتيذ في قسم" الإلحاد العلمي" وهو أحد أقسام كلية الفلسفة في جامعة موسكو. وكنت أسميه معابثا أصحابنا من الماركسيين العرب "قسم سَبِّ الدين"، ولست أدري ما آلت إليه حاله الآن.
كان المقرر صعبا في موضوعاته ومراجعه المكتوبة باللسان الروسي، وكذلكم كان الاختبار فيه. لقد أعطونا مئة سؤال نستعد بدراستها للاختبارالشفوي، ووزعوا الأسئلة المئة توزيعا عشوائيا على بطاقات، في كل بطاقة منها ثلاث. وعلى الطالب في جلسة الامتحان أن يسحب إحداها، ثم يخلو إلى صحيفة وقلم يسجل فيهما ما يعن له من فِكَرٍ، ثم يجلس إلى لجنة الممتحنين للمساءلة. كنا حيال جبل من الأسئلة لا قِبَل لواحد فرد بأن يحيط بدقائقها علما، فانتهي أصدقاء الدفعة من المبتعثين العرب إلى اختيار عشرة من أولي العزم ، وكُلِّفَ كل منهم بتجهيز عشرة أسئلة من المراجع المقررة ، فاجتمع لدينا سفر ثقيل ضم الإجابات المَرْضيَّة عن تلكم المئوية، ثم كان يوم الامتحان، وماأدراك ما هُوَهْ!!
كنّا في القاعة زَيْدًا على ثلاثين، تباينت بلدانهم وأعراقهم بين آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وفيهم من العرب عدد ليس بالقليل. وجاء دوري للجلوس إلى اللجنة وأخرجت بطاقتي، ثم قرأت عليهم ما انطوت عليه من الأسئلة. وكان أن أطلق الله لساني بجوابات مركزة خالصة من الفضول بلسان روسي مبين، يكاد يكون خلوا من اللحن وحدثتني نفسي أني نجوت من القوم الممتحِنين؛ إذ بدت عليهم سيما الارتياح لما سمعوا. بيد أن كبيرهم - وكان من ذوي الأسنان، ذا نظرة نافذة، قد أراح منظاره ذا العدستين السميكتين على أرنبتي أنفه - بغتني بسؤال على غير توقع. قال: "لي ملاحظة أسألك أن تفسرها لي. كنت في إجاباتك تردد كثيرا عبارات من مثل: ويرى ماركس....، وبحسب ما يقول إنجلز ... والمسألة من المنظور الماركسي كذا وكذا. ولم تقل لنا ما رأيك أنت؟ نريد أن نعرف رأيك؟ حاولت أن أثبت للمفاجأة، وقلت له وأنا ألملم شعثي: إنني من مصر ودراستي كلها في اللغة العربية والعلوم الإسلامية ، وهذا المقرر أدرسه هنا أول مرة. إنني أقرأ وأفكر ، ولما أصلْ بعد إلى رأي حاسم ، لكني بكل تأكيد سأواصل التفكير في الأمر.
ولا تسل عن انشراح صدر العجوز الذي سلخ عمره في الضلال المبين ، ولا عما بدر من رفاقه من عبارات التشجيع، وأعطاني رقم هاتفه لمزيد من التواصل، وتعهد لي بالإجابة على ما يعرض لي مما يراه من الشبهات. ثمة خرجنا من القاعة، ولبثنا في انتظار إعلان النتيجة بعض ساعة. ودعينا إلى الدخول، وتلا علينا كبيرهم ما انتهت إليه اللجنة من تقويم، ونودي باسمي فوقفت، وإذا الرجل يقول: تقديرك ممتاز ، وهذا هو الامتياز الوحيد الذي منحته اللجنة لطلاب هذه الدفعة .
شكرته وشكرت اللجنة، وتمتمت في سريرتي بقول كريم ، كنت تلوته وأنا أدلف إلى قاعة الامتحان، ووجدتني أعيده تارة أخرى وأنا خارج منها؛ ذلكم هو قول العزيز الرحيم : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِنْ لَدْنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا)
ولقد جعل-سبحانه- وله الحمد والمنة.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  8129