الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

وفاة عَلَم وأفول نجم

أحمد محمد جاد الله

مقالة

تاريخ النشر: 2022/12/08
اقرأ للكاتب
علمت عشيَّة اليوم بوفاة شيخنا ومجيزنا، العالم الصالح المعمَّر، وحيد دهره، ومسند عصره، عالي الإسناد، ملحق الأحفاد بالأجداد، سِيدي الشريف: عبد الرحمن بن عبد الحيِّ بن عبد الكبير بن محمَّد بن عبد الواحد الكتَّانِيِّ الإدريسيِّ الحسنيِّ، في بلده بالمغرب الأقصى بمدينة فاس، عن عمر ناهز (106) أعوام، جبر الله كسرنا في مصابه، وخلفه بخير في أهله وأصحابه وأحبابه.
وبحسب علمنا فإنَّ شيخنا -رحمه الله- هو آخر من يروي عن شيخ شيوخنا، العلَّامة المجاهد السيِّد: أحمد بن محمَّد الشريف السنوسيِّ (1290-1351هـ) /(1873-1933م)؛ فقد أجازه بسنده في القرآن الكريم، والكتب الحديثيَّة، والطريقة السنوسيَّة، وكلِّ ما تضمَّنته إجازته المسمَّاة: (الفيوضات الربَّانيَّة، في إجازة الطريقة السنوسيَّة).
كما أنَّه يروي عن شيخ شيوخنا، ملك ليبيا، السيِّد: محمَّد إدريس بن محمَّد المهديِّ السنوسيِّ (1307-1403هـ) /(1890-1983م)؛ فقد أجازه بتاريخ 3 شوَّال 1373هـ/ يونيو 1954م، وكتب له بخطِّ يده -كما في الصورة المرفقة- إجازة تامَّة، مطلقة عامَّة، على غلاف رسالة (المسلسلات العشر) التي جمع فيها جدُّه السنوسيُّ الكبير عشرة من الأحاديث المسلسلة.
وإنِّي -بتوفيق الله تعالى- قد حصلت لي الإجازة العامَّة من شيخنا -جزاه الله عنِّي خير الجزاء- عشيَّة يوم الأحد 18 محرَّم 1439 هـ/ 8 أكتوبر 2017م.
وغير خافٍ ما بين البيت الكتَّانِيِّ المغربيِّ، والبيت السنوسيِّ الليبيِّ، من علاقات علميَّة، وصلات روحيَّة، تاريخيَّة متوارثة؛ فقد التقى السيِّد: محمَّد بن عبد الواحد (الكبير) الكتَّانِيِّ بالأستاذ الأكبر السيِّد محمَّد بن عليِّ السنوسيِّ في مكِّة المكرَّمة، وأخذ عنه وأجازه، وكذلك ابنه السيِّد: عبد الكبير الكتَّاني، رحل للحجاز حاجًّا وزائرًا فاجتمع بالأستاذ الأكبر مرَّتين وأخذ عنه، وأجازه إجازة تامَّة، مطلقة عامَّة.
ومن الجيل الثاني أخذ السيِّد: محمَّد بن جعفر بن إدريس الكتَّانِيُّ، الطريقة السنوسيَّة عن: عبد الهادي بن العربيِّ العوَّاد الفاسيِّ، وعن أحمدَ بن الطالب بن سودة، وعن فالح الظاهريِّ، ثلاثتهم عن الأستاذ الأكبر.
كما أخذ السيِّد: عبد الحي بن عبد الكبير الكتَّانِيُّ، عن والده، وعن عبد الهادي الفاسيِّ، وعن أحمد بن الطالب بن سودة، وعن فالح الظاهريِّ، أربعتهم عن السنوسيِّ الكبير، وكان السيِّد عبد الحيِّ يعتزُّ بهذا الإسناد، ويقول إنَّه "من أعلى الأسانيد وأفخمهما".
وتوارث الأحفاد السنوسيّون والكتَّانيُّون تلك الصلات الربَّانيَّة؛ فعند إقامة السيِّد أحمد الشريف في الأناضول قدم عليه السيِّد محمَّد بن جعفر سنة 1341هـ، صحبة نجليه محمَّد المكِّيِّ ومحمَّد الزمزميِّ؛ تلبية لطلبه، وأخذ كلٌّ منهما عن الآخر (تدبَّجا)، وأثناء إقامة السيِّد أحمد الشريف بمرسين قدم عليه السيِّد محمَّد الزمزميُّ مرَّة أخرى، وكان له دور كبير في إمداد المقاومة الليبيَّة بالسلاح والعتاد، وبمؤلَّفات والده ونصائحِه في الحثِّ على الجهاد، وكان ينشر أخبار المقاومة في الجرائد المشرقيَّة.
أمَّا عن علاقة السيِّد أحمد الشريف بالسيِّد عبد الحيِّ الكتَّانِيِّ فحدِّث ولا حرج؛ يقول السيِّد أحمد: "وقد تعرَّفنا بالسيِّد المذكور بالمكاتبة، وقد أفادني أنَّه ألَّف كتابًا في مناقب سيِّدنا ابن السنوسيِّ وسمَّاه (المسك المحبوب في صاحب الجغبوب)"، وذُكر في ثبت مؤلَّفات الشيخ عبد الحيِّ باسم: "البحث المحبوب عن أخبار الشيخ السنوسيِّ نزيل الجغبوب"، ويقول السيِّد عبد الحيِّ: "أروي عن السيِّد أحمد الشريف ما له، مكاتبة من الأناضول، غير مرَّة".
وفي مذكِّراته يقول السيِّد عبد الحيِّ -وكان قد شرَّق إلى الحجاز للقاء السيِّد أحمد الشريف، فتوفِّي وهو في طريقه بمصر-: "وقد كنت أخلص الودَّ له ولذويه، وعلاقاتنا بهم قديمة تزيد على مئة سنة، بل أكثر، منذ لقيه جدِّي عام 1268هـ بجبل أبي قبيس من مكَّة المكرَّمة، بل وقبل ذلك؛ حيث إنَّ الشيخ السنوسيَّ الأوَّل أخذ في فاس عن جدِّ الجدِّ لأمِّه أبي الفيض حمدون بن الحاجِّ، ولازمه وانتفع به. ولمَّا صعدت لزاوية أبي قبيس في مكَّة المكرَّمة تذكَّرت الأسلاف الماضين، وما قامت به هذه الزاوية من خدمة الإسلام والعلم في القرن الماضي، فأجهشت بالبكاء بما لم أعهده من نفسي من قبل في زاوية من الزوايا بمشارق الأرض ومغاربها".
وأجاز السيِّد أحمد الشريف جلَّ أبناء أسرة الكتَّانِيِّ وأحفادهم، ومنهم السيِّد: إدريس بن محمَّد بن جعفر الكتَّانِيُّ، والسيِّد: محمَّد الفاتح بن محمَّد المكِّيِّ بن محمَّد بن جعفر الكتَّانِيِّ، اللذان ظلَّ يسأل عنهما في رسائله، ويصفهما بـ (أولاده).
وفي عهد المملكة الليبيَّة عندما أراد الملك فيصل آل سعود تأسيس منظَّمة المؤتمر الإسلاميِّ اختار أن يرسل إلى الملك إدريس السنوسيِّ سليل الأسرة الكتَّانيَّة السيِّدَ: محمَّد المنتصر بن محمَّد الزمزميِّ.

وفي أثناء زيارة الملك إدريس السنوسيِّ للمغرب عام 1953م حرص على أن يزور السيِّد عبد الحيِّ الكتَّانِيَّ في منزله، بل إنَّه قال له: "والله ما جئت المغرب إلَّا لزيارتك"، وفي هذا دليل على أنَّ الروابط الروحيَّة التاريخيَّة كانت مقدَّمة عندهم على العلاقات السياسيَّة، فتلك هي التي تدوم وتبقى؛ لأنَّها لله وفي الله، وما كان لله دام واتَّصل.
رحم الله شيخنا، ورفع درجاته، وضاعف حسناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيس بوك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  8720