الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

آثار

يحيى أحمد محمود

مقالة

تاريخ النشر: 2022/12/08
اقرأ للكاتب
مرة كنت أتفرج على التلفاز مع ستي (جدتي)، التي قلبت القنوات حتى استقرت على فيلم ظهر فيه "أحمد زكي"، وكان هذا بعد موته بأيام.
تفرجت ستي على المشهد ثم قالت في تعجب حقيقي، كأنما تحدث نفسها: "مسم.. الميتين بيتكلموا".
انحفر هذا المشهد في ذاكرتي وكثيرًا ما أستدعيه عند كل وفاة، وعند النظر إلى صور الراحلين أو تسجيلاتهم، وتصور أنّ هذه الصور ما هي إلا تمثيلات لحيوات انطفأت.
أحب جدًا قراءة السير الذاتية والتراجم، ولا أظن أنّ أمة أخرى اهتمت بهذا النوع من المعرفة وحفظ تراث موتاها كما فعلنا.
في السير الذاتية تجد رؤية الإنسان لنفسه وللعالم والعصر الذي عاش فيه وجوابه عن الأسئلة التي حيرته والصراعات التي خاضها. وأحب جدًا أن أقرأ سيرًا ذاتية لأشخاص عاشوا في العصر ذاته، وأتعجب من هذا الفارق الشاسع في الرؤية والأفكار الداخلية والأحداث الخارجية لأشخاص متعاصرين. عوالم شديدة الانفصال والتباعد. سبحان الله. لكل وجهة هو موليها، وقد علم كل أناس مشربهم، وكل في فلك يسبحون.
أما في التراجم فإنك ترى رؤية الناس للميت، وما ترك من أثر. أحيانًا أتعجب مما يبقى من سيرة الإنسان ويفلت من سطوة الزمان.
من ذلك ما ذكره الجبرتي في ترجمته للشيخ محمد بن سالم الحفناوي الشافعي الخلوتي، بعد أن أسهب في ذكر مؤهلاته العلمية ومشايخه ومؤلفاته ومنجزاته العلمية وأسانيده قال:
"ومن مكارم أخلاقه إصغاؤه لكلام كل متكلم، ولو من الخزعبلات، مع انبساطه إليه وإظهار المحبة ولو أطال عليه"!
هذه الصفة الطيبة للشيخ قاومت، بشكل ما، مر السنين. شيء مذهل بالنسبة لي أن يتحول الإنسان إلى ذكرى، وما يبقى من صفاته وأعماله وما يحتفظ به كل إنسان من انطباع عن أخيه الإنسان وما يبقى في ذاكرته. حتى فعل التعزية يبدو لي غريبًا. موتى يرثون موتى. ولعل أصدق وأبلغ ما قيل في العزاء:
إني أعزيك لا أني على طمع * من الخلود ولكن سنة الدين
فما المعزي بباق بعد صاحبه * ولا المعزى وإن عاشا إلى حين
حتى القراءة في التاريخ غريبة. صراعات وحكايات انتهت وانتهى أصحابها وتجاوزهم الزمان. ملاحم ضخمة وإنجازات رهيبة لم يبق سوى اسم شارع لا يعرف الناس من صاحبه ولا ماذا فعل ولا سر التسمية. قرأت مرة عن دولة كاملة أقامها الأندلسيون في الإسكندرية واستمرت عشرات السنين! كيف انتهى الحال بحدث بهذه الضخامة إلى أن صار مدفونًا في بطون الكتب!
يطحن الزمن كل شيء ولا يبقى إلا القليل ثم سرعان ما يمحوه.
تتخلف الآثار عن أصحابها ** حينًا ويدركها الفناء
فتتبع. وبعد ١٠٠ عام من الآن سوف يكون كل من على ظهر الأرض قد ماتوا واستبدل بهم بشر آخرون بمشكلات جديدة وصراعات جديدة ولن يتبقى إلا أقل القليل من الماضي.
هو الدهر ميلاد فشغل فمأتم ** فذكر كما أبقى الصدى ذاهب الصوت
ومع ذلك يريد الإنسان أن يترك أثرًا وأن يكون له امتداد، فيخاطب الأجيال القادمة: انظروا إلى هذا البناء. لقد مررت من هنا! يشبه سلوك الإنسان صرخة في البرية، أو التعبير الفرنسي البديع: زجاجة في البحر: رسالة يائسة يلقيها بحارة السفن الغارقة أو التائهة في المحيط، علها تصل في يوم من الأيام إلى إنسان آخر في سفينة أخرى.
كنت أقرأ منذ فترة كتابًا عن تطور اللغة العربية، ووجدت فيه ذكرًا لعبارة وجدت في نقوش عربية قديمة تسمى نقوش حران. شعرت بالرهبة والله عند قراءتها. تقول:
"أنا شرحبيل بن ظالم بنيت ذا المرطولا سنة ٤٦٣ بعد مفسد خيبر بعام".
تخيلت شرحبيل بن ظالم وهو يخلد إنجازه الذي لم يُبق منه الزمان سوى هذه العبارة الغامضة التي يقرؤها شخص جاء بعده بآلاف السنوات.
على كل حال، فالعزاء، كل العزاء، أنّ ما عند الله لا يضيع.
"إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين".
صدق الله العظيم.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيس بوك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  7790