الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

من فائت النحو (أَيُّ) الإطلاقية

محمد خليل الزَّرُّوق

بحث

تاريخ النشر: 2022/11/30
اقرأ للكاتب
من فائت النحو، فيما أظن، قسم من أقسام (أيّ) المفتوحة الهمزة المشددة الياء، فـ (أي) فيها شبه من (ما) و(مَن) ونحوهما، ووجه الشبه الدلالة على المسمَّى ثم احتمال معانٍ أخر مزيدة على هذا المسمَّى، كالاستفهام والشرط، ومسمَّى (أي) واحد من جنس ما تضاف إليه على غير التعيين، وهذا المعنى العام لها لم يذكروه، ولم يذكروا أيضًا أنها تجيء بهذا المعنى خالية من كل المعاني الأخرى، وهي الاستفهام والشرط والموصولية والكمال والنداء وما يتفرع عنه من الاختصاص، وسمَّيتُ أنا هذا المعنى: الإطلاق، وسماه مجمع اللغة العربية القاهري: الإبهام (في أصول اللغة 2/199)، وذلك قولك: خذ أيَّ كتاب، وادع أيَّ الأصحاب، أو أيًّا من الأصحاب، وافعل ذلك على أيِّ حال، وأيُّ رجل يفعل ذلك، ولك أيُّ شيء طلبت.
وهذا المعنى يمكن أن يعبَّر عنه أيضًا بالتنكير، نحو: خذ كتابًا، أو كتابًا ما، أو: كتابًا ما كان، أو: كتابًا من الكتب، أو بوضع (كل) مكانها، نحو: افعل ذلك على كل حال، وكل رجل يفعل ذلك، وبينهن فروق ضئيلة، ولا أشك أن استعمال (أي) الإطلاقية في القديم قليل، لقلة شواهده، وكثر عند المتأخرين، ولكنه جائز، وليس مذكورًا في كتب النحو.
ومن شواهده قول الفرزدق:
إذا حارب الحجَّاجُ أيَّ منافقٍ * عَلاه بسيفٍ كلَّما هُزَّ يَقْطَعُ
(ديوانه 515 الصاوي)، وترى أنها لا تصلح لشيء من الأنواع المذكورة لها في كتب النحو، وقد حملها ابن مالك على (أي) الكمالية، وأنه حُذفت الصفة، وحَكَم على ذلك بالنُّدور، أي: إذا حارب منافقًا أيَّ منافق (شرح التسهيل 1/221)، وتبعه الناس، أبو حيان فمن بعده (الارتشاف 1036، والتذييل 3/141)، وليس معنى الكمال مقصودًا، إذ ليس المراد: إذا حارب منافقًا كبيرًا أو عريقًا في النفاق، لأن هذا لا مدخل له في المدح، بل المراد: إذا حارب منافقًا ما كان، أي حاربهم جميعا ولم تكن له هوادة لأحد منهم كبيرًا أو صغيرًا، قريبًا أو بعيدًا.
فهذا شاهد المنصوب على المفعول به، وعلى منواله قول المتنبي:
وأصرعُ أيَّ الوحشِ قَفَّيْتُه به * وأنزلُ عنه مثلَه حين أَركبُ
(الفَسْر 1/569)، ويخالفه في زيادة الوصف أو الحال، وهو: قفيته به، أي: تبعته به، يصف فرسه، ويقول: حاله عند نزولي عنه في النشاط كحاله حين ركوبي.
وجاءت بهذا المعنى ظرفًا في قول الـمَرَّار بن مُنقذ (إسلامي):
غَدَتْ أمُّ الخُنابِس أيَّ عَصْرٍ * تُعاتبُنا، فقلت لها: ذَرينا
(المفضليات 74)، وقول الحُصين بن الحُمام (جاهلي):
ولكن خُذُوني أيَّ يومٍ قَدَرتـمُ * عليَّ، فحُزُّوا الرأس أن يتكلما
(المفضليات 69) يحتمل هذا، ويحتمل الشرطية، على أن الجواب محذوف دل عليه: خذوني، أي: أيَّ يوم قدرتم علي فخذوني، أو يكون الجواب: فحزوا.
وجاءت بهذا المعنى مجرورة في قول عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-
في صحيح البخاري: "ولا أمنع أحدًا أن يصلِّي في أيِّ ساعةٍ شاء من ليل أو نهار"، وقوله أيضًا في الصحيحين: "وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُسَبِّح على الراحلة قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ"، ومثله عن عامر بن ربيعة -رضي الله عنه- في صحيح البخاري، وقول النابغة الشيباني (إسلامي):
ألَا رُبَّ ناهٍ عن أمور وإنه * بأيِّ أمور مثلِها لجَديرُ
(ديوانه 31 الدار)، وعلى منهاج ذلك قال المتنبي:
صُغْتُ السِّوار لأيِّ كَفٍّ بَشَّرَتْ * بابن العميد، وأيِّ عبدٍ كَبَّرَا
(الفَسْر 2/187).
ومن المجرور أسلوب "على أي حال"، وهو قديم، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "ما يضرُّ أحدَكم على أيِّ حال أصبح وأمسى من الدنيا" (الزهد لابن حنبل 2/103 النهضة)، ومثله قول هُبيرة بن أبي وهب (مخضرم):
فإني لَمِنْ قومٍ إذا جَدَّ جِدُّهم * على أيِّ حالٍ أصبح اليومَ حالُها
(سيرة ابن هشام 2/420 السقا)، وقول الصِّمة القُشَيْري (إسلامي):
إذا جلسَتْ بين الغواني عشيَّةً * على أيِّ حالٍ عاطلًا أو تَحَلَّتِ
سَمَتْ نحوَها الأبصارُ أوَّلَ وَهْلةٍ * بَدِيًّا، وعادت نحوَها فتَثَنَّتِ
(مجموع شعره لحمد الجاسر في مجلة العرب 10/1967)، وقول صالح بن عبد القدوس (محدَث):
إذا المرء لم يَصْحَبْ صديقًا مُوافيًا * على أيِّ حال كان خاب رجاؤه
(تاريخ دمشق 22/355 دار الفكر)، ومن الرفع -وفيه طرافة- حديث مسلم: "أيُّكم يحب أن يُعرض الله عنه؟ قلنا: لا أيُّنا"، الأولى استفهامية، والشاهد في الآخرة، والمعنى: لا أحدٌ منا يحب ذلك.
وقال خالد بن مالك الهذلي (جاهلي):
فأيُّ أناسٍ نالنا سَوْمُ غَزْوِهم * إذا عَلِقُوا أديانَنا لا نُداينُ
(شرح أشعار الهذليين 448)، يقول: لا نقضي الديون إلا بالحرب، فهذه مرفوعة على الابتداء، ولا تكون شرطية، لأن قوله: "لا نداين" مرفوع.
ومن هذا الضرب من أضراب (أي) قولهم: "لا يعرف أيًّا من أيٍّ"، وهو قول محدَث، فيما أظن، ولكنه يجري قياسًا على ما ذكرت، كأنه قيل: لا يعرف أي شيء من أي شيء، وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد 38/353 حديث 23328 بإسناد ضعيف منقطع، وفيه: "فِتَنٌ كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضًا، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر لا تدرون أيًّا من أيٍّ"، وآفته السَّفْر بن نُسَير -وهو من المائة الثانية- عن حُذيفة بن اليَمَان -رضي الله عنه- ولم يدركه مع ضعفه، ورواه نُعيم بن حمَّاد في كتاب الفتن 1/28 حديث 4، ولفظه: "لا تدرون أيُّها من أيّ"، وهذا تكون فيه الأولى
استفهامية، والآخرة إطلاقية، وهو نحو ما قال أعرابي فيما روى المبرد من قطعة في الكامل 225 (الدالي):
إذا ما قلتُ: أيُّهمُ لأيٍّ؟ * تشابهتِ المناكبُ والرءوس
يريد: متشابهون في البخل، وأيُّهم لأي خَلَّة من خلال الخير؟ وذكر الجاحظ قبل المبرد هذا البيت وحده في البُرْصان والعُرْجان 364. وفي تهذيب اللغة 15/654 (هارون) عن المبرد وثعلب في تفسير قوله تعالى: (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا): "وقالا: عَمِل الفعل في المعنى لا في
اللفظ (أي: عُلِّق)، كأنه قال: لنعلم أيًّا من أي، ولنعلم أحد هذين"، فهذا هذا الأسلوب الوارد في الحديث قبل قليل. وفي اللسان 18/63 (بولاق) عن ابن بَرِّي: "ويقال لا يعرف أيًّا من أيٍّ إذا كان أحمق، وأما قول الشاعر:
إذا ما قيل: أيُّهمُ لأيٍّ؟ * تشابهت العِبِدَّى والصَّميمُ
فتقديره: إذا قيل: أيُّهم لأيٍّ ينتسب، فحذف الفعل لفهم المعنى"، وكأنه البيت المذكور قد غُيِّر، والجمع بين العِبِدّى -وهو جمع عبد- والصميم جاء في شعر للمتنبي:
تشابهت البهائم والعِبِدَّى * علينا والموالي والصميمُ
واستشهد ابن جني عنده ببيت الكامل المذكور (الفَسْر 3/600).

* * *

وأذكر هنا الأقسام المذكورة في كتب النحو بشيء من التفصيل في الأنواع، وبالاستشهاد بالقرآن والحديث والشعر، على المنهج الذي اتبعته في كتاب المعلَّى.
1- فـ (أي) يصحبها معنى الاستفهام فيُطلب بها التعيين، فتضاف إلى نكرة ومعرفة، وتقع في مواقع الإعراب معلَّقًا عنها الفعل القلبي وشبهه، وغير معلَّق عنها:
أ- فغير المعلق عنها:
- تكون مبتدأ مخبَرًا عنها بمفرد، نحو قوله تعالى: (أيُّ شيءٍ أكبرُ شهادة)، (فأيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن)، (أيُّ الفريقين خيرٌ مقامًا)، (أيُّهم بذلك زعيمٌ)، وفي حديث هرقل في الصحيحين: "أيُّكم أقربُ نسبًا بهذا الرجل؟"، وفي حديث البخاري: "أيُّكم محمد؟"، وفي حديث مسلم: "أيُّهم أكثرُ أخذًا للقرآن؟"، وفي حديث الصحيحين واللفظ للبخاري من قيل عائشة رضي الله عنها: "أيُّنا أسرعُ بك لحوقًا؟"، وفيهما: "وأيُّكم مثلي؟"، وفيهما واللفظ لمسلم: "أيُّكم المتكلمُ بالكلمات؟"، وفيهما: "أيُّ الإسلام أفضلُ؟"، وما كان مثله، وفيهما: "أيُّ شهر هذا؟... أيُّ يوم هذا؟... إلخ"، وفيهما في حديث موسى والخِضْر: "أيُّ الناس أعلمُ؟"، وقال النابغة الذُّبْيَاني:
ولستَ بِمُسْتَبْقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ * على شَعَثٍ، أيُّ الرجالِ الـمُهَذَّبُ؟
ويجوز حذف هذا الخبر إذا عُلم كما يحذف في غير هذا الموضع، وذلك نحو أحاديث الصحيحين المذكور بعضها، وفيها: "ثم أي؟"، وقد حُذف المضاف إليه أيضًا، والتقدير: ثم أي الإسلام أفضل، مثلا. ومنه حديث البخاري: "جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله، هذه زينب، فقال: أيُّ الزيانب؟"، أي: أي الزيانب هي؟ وفي حديث حوار اليهود عمر -رضي الله عنه- في آية إكمال الدِّين، قال: "أيُّ آية؟"، أو: "أيَّة آية؟"، والتقدير: أي آية هي؟ ومن مِثْله تعرف جواز التذكير فيها والتأنيث إذا قُصد بها مؤنث.
- ومخبَرًا عنها بجملة فعلية ماضوية، نحو حديث مقتل أبي جهل في الصحيحين: "أيُّكما قَتَله؟"، وفي صحيح مسلم: "أيُّكم قرأ خلفي بـ (سبح اسم ربك الأعلى)؟"، وفيهما من قيل أبي ذر -رضي الله عنه-: "أيُّ مسجدٍ
وُضع في الأرض أوَّلُ؟"، وفيهما واللفظ للبخاري: "أيُّنا لم يظلم؟"، وهو ماض في المعنى.
- ومخبَرًا عنها بجملة فعلية مضارعية، نحو قوله تعالى: (أيُّكم يأتيني بعرشها)، وفي حديث الصحيحين من قيل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أيُّكم يحفظ قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفتنة؟"، وفيهما من قيل عائشة -رضي الله عنها-: "أيُّكم يملك إرْبَه؟"، وفي حديث صحيح مسلم: "أيُّكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا؟"، وسلف حديث: "أيُّكم يحب أن يُعرِض الله عنه؟".
- ومخبَرًا عنها بجملة اسمية، نحو حديث البخاري: "أيُّكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله؟".
- وتكون مفعولًا به، نحو قوله تعالى: (فأيَّ آيات الله تنكرون)، وقول زهير بن أبي سُلمى:
بان الخَليطُ ولم يَأْوُوا لـِمَنْ تركوا * وزَوَّدُوكَ اشتياقًا أيَّةً سَلَكُوا
يحتمل الاستفهام، ويحتمل الشرط على تقدير الجواب، فيكون التقدير: أيةً سلكوا فقد زودوك اشتياقًا.
- وتكون مجرورة بالحرف، نحو قوله تعالى: (فبأيِّ حديث بعده يؤمنون) في الأعراف والمرسلات، (فبأيِّ حديث بعد الله وآياته يؤمنون) في الجاثية، (فبأيِّ آلاء ربك تتمارى)، (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، (لأيِّ يوم أُجِّلت)، وفي حديث البخاري: "إن لي جارين فإلى أيِّهما أُهدي؟"، وقال الكُميت بن زيد (إسلامي):
بأيِّ كتابٍ أم بأيَّة سُنَّةٍ * ترى حبَّهم عارًا عليَّ وتَحْسِبُ؟
وقد يحذف ما يتعلق به الجار من الفعل، نحو حديث البخاري في سؤال ابن عمر -رضي الله عنه- عن صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في جوف الكعبة، قال: "فبَدَرْتُ فسألت بلالًا، فقال: صلى فيه، فقلت: في أيٍّ؟"، أي: في أيِّ مكان؟
ومن الحذف ما حكاه سيبويه: إذا قال: رأيت رجلًا، قلت: أيًّا؟ فإن قال: رأيت رجلين، قلت: أيَّيْن؟ وإن قال: رأيت رجالًا، قلت: أيِّين؟ وإذا قال: رأيت امرأة، قلت: أيَّةً؟ فإن قال: رأيت امرأتين، قلت: أيَّتَيْن؟ فإن قال: رأيت نسوة قلت: أيَّاتٍ؟ لا يختلف ذلك في وقفك ووصلك، ولا يكون في المعرفة ولكن في النكرة فحسب، وتعربها بإعراب المسئول عنه في الكلام الأول رفعًا ونصبًا وجرًّا، وتفرد وتثني وتجمع وتذكِّر وتؤنث كما في كلامه.
وحكى أيضًا جواز تفريق ضمير الجمع على نحو ما قال العباس بن مِرْداس، رضي الله عنه:
فأَيِّى ما وأَيُّك كان شَرًّا * فسِيقَ إلى الـمُقامة لا يراها
(المقامة: مجتمع الناس، يدعو عليه بالعَمَى)، وقال خِداش بن زُهير (جاهلي):
ولقد علمتُ إذا الرجال تناهزوا * أَيِّى وأيُّكمُ أعزُّ وأمنعُ
(تناهزوا: انتهزوا الفرصة لينال بعضهم من بعض في الحرب)، غير أنها في الأول شرطية، وفي الآخر استفهامية معلق عنها.

* * *

ب- والمعلَّق عنها يسبقها الفعل العلمي وشبهه، ويسمونه القلبي، وتسميته العلمي من أجل الأفعال المنسوبة لله تعالى، وتقع في نحو المواقع المذكورة.
- فالمعلَّق عنها الفعل العلمي نحو قوله تعالى: (لا تدرون أيُّهم أقرب لكم نفعا)، (لنعلم أيُّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمدًا)، (فلينظر أيُّها أزكى طعامًا)، (ولتعلمُن أيُّنا أشد عذابا وأبقى)، (وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون)، وهي هنا منصوبة على المفعول المطلق، (وما تدري نفس بأيِّ أرض تموت)، وفي حديث الصحيحين واللفظ لمسلم، من قيل عَدِيِّ بن حاتم -رضي الله عنه-: "فإن وجدتُّ مع كلبي كلبًا آخر، فلا أدري أيُّهما أخذه؟"، وفي لفظ لمسلم من قيل النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإنك لا تدري أيُّهما قَتَله؟"، أو: "أيُّها قَتَل؟"، وقال الـمُثَقِّب العَبْدي (جاهلي):
وما أدري إذا يَمَّمْتُ وجهًا * أريد الخير أيُّهما يَلِيني؟
وقال مَعْن بن أوس الـمُزَني، رضي الله عنه:
لعَمْرُك ما أدري -وإني لأَوْجَلُ- * على أيِّنا تَعْدُو الـمَنِيَّةُ أَوَّلُ؟
وقال إبراهيم بن هَرْمة (إسلامي):
وإذا رأيتَ صديقَه وشقيقَه * لم تدر أيُّهما أخو الأرحام؟

- والمعلَّق عنها الفعل شبه العلمي نحو قوله تعالى: (ليَبْلُوَكم أيُّكم أحسنُ عملًا) في هود والملك، وفي الكهف: (لنَبْلُوَهم)، فالابتلاء في قوة العلم، كأنه قال: لنعلم أيكم أحسن عملا، ومثله: (يُلقون أقلامَهم أيُّهم يكفُل مريم)، كأنه قال: ينظرون، لأن إلقاء الأقلام في معنى الاقتراع، ومثله: (يَبْتغون إلى ربهم الوسيلةَ أيُّهم أقرب)، لأن ابتغاءهم الوسيلة في معنى التنافس، وهو يقتضي تطلعهم إلى أن يعلموا أيهم أقرب؟ وجوز الزمخشري أن تكون موصولة بدلًا من الواو من في: (يبتغون)، أي: يبتغي الوسيلة الذي هو أقرب، وهو بعيد، لأن كلهم يبتغي ذلك على تفاوتهم في القرب.
ويوضح ذلك حديث القائل: "الحمد لله حمدًا كثيرًا..." إلخ في الصحيحين: "رأيتُ بضعة وثلاثين مَلَكًا يَبْتَدرونها أيُّهم يكتبها أوَّلُ؟"، لأن ابتدارهم في معنى التنافس، ولفظ مسلم: "أيُّهم يرفعها؟". وفي حديث الهجرة في صحيح مسلم: "فتنازعوا أيُّهم ينزل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم"، فتنازعهم في معنى تنافسهم، وهو في معنى التطلع والترقب.
ومثله ما في الصحيحين أيضًا: "لأعطين الراية رجلًا يفتح الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك -أو فبات الناس ليلتَهم- أيُّهم يُعْطَى؟"، فانظر كيف كان: "فبات الناس ليلتَهم" في معنى: تطلعوا أو ترقبوا، ووُضع في موضع "يرجون"، فهذا مما يفهم بالتلطف وحسن التأتي.
وأشد خفاء منه ما في صحيح مسلم من قيل المقداد بن عمرو -رضي الله عنه-: "فانطلقتُ إلى الأعْنُز أيُّها أسمن"، فجعل الانطلاق مغنيًا عن البحث والتفتيش، لأنه سببه.
وقال العجَّاج:
لـمَّا أراد توبةَ التَّرَحُّمِ
مَيَّلَ بين الناس أيًّا يَعْتَمِي
يريد: لما أراد الله رحمة العباد تخيَّر محمدًا -صلى الله عليه وسلم- واعتمى مقلوب اعتام بمعنى اختار، ومعنى مَيَّلَ ردَّدَ الأمر، قال الأصمعي: "كان أعرابيًّا جِلْفًا جافيًا، فقال: مَيَّل بين الناس، وكَذَبَ، لا يميِّل الله، لأنه خالق كل شيء، والعالِـم به قبل أن يخلقه" (ديوان العجاج 285 عِزة حسن)،
وعلى هذا المنوال قال البحتري:
نُمَيِّلُ بين البدر سَعْدًا وبينَه * إذا ارتاح للإحسان أيُّهما أضْوَا
وفي حديث الصحيحين من قيل حذيفة بن اليَمَان -رضي الله عنه-: "ولقد أتى عليَّ زمان وما أبالي أيُّكم بايعت"، وما أبالي في معنى: لا أعبأ، والمراد: لا أبحث ولا أفتش، وهو ما يَؤُول إلى العلم.
ومثله قول خُبَيب بن عَدِيّ الأنصاري -رضي الله عنه- في صحيح البخاري، وهو من الشعر القليل الذي فيه:
ولستُ أبالي حين أُقتَل مُسْلِمًا * على أيِّ جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعِي
إذا علمت ذلك سهل عليك فهم قول يونس وقبوله في قوله تعالى: (ثم لنَنْزعنَّ من كل شيعة أيُّهم أشدُّ على الرحمن عتيًّا)، إذ جَعَل (أيُّهم) استفهامية معلَّقة عن الفعل (لنَنْزعنَّ)، (كتاب سيبويه 1/397 بولاق)، لأن النزع في معنى السلِّ والتخليص، وهو يكون عن علم، ولكنه عبر بالنزع مؤكَّدًا ليدل على الشدة. وهذا الراجح في الآية عندي لنظائره المذكورة.
وأما الخليل فيراها في الآية استفهامية، ولكن على تقدير القول، أي: للننزعن المقول فيهم أيُّهم أشد؟ وأما سيبويه فيراها موصولة، أي: للننزعن الذي هو أشد، وحُذف صدر الصلة، ويراها مبنية.
وأما شيخ الكوفية الفراء فيجوِّز تقدير يونس، لكن يعلِّق عنها معنى التشايع المدلول عليه بـ (شيعة)، على معنى تمالئوا وتظاهروا، فهم يتنافسون وينظرون أيُّهم أشد؟ ويجوِّز الفراء أيضًا اكتفاء الفعل بقوله: (من كل شيعة)، على أنه صفة للمفعول، أي: للننزعن عاتيًا أو فريقًا من كل شيعة، ثم استأنف بالاستفهام، ويجوِّز أيضًا أن يكون استفهامًا مَقُولًا، والقول دل عليه (للننزعن)، على معنى النداء، كأنه قال: لنُنادين: أيُّهم أشد، كل هذا على الرفع، وأما النصب فتكون عنده موصولة (معاني القرآن للفراء 1/47-48) كما هو مذهب سيبويه في المضمومة.
وتحتمل الموصولية في قوله تعالى: (فستُبصر وتُبصرون بأيكم المفتون)، والأكثرون على أنها استفهامية، والباء فيه مشكلة، لأن أبصر لا يتعدى بالباء، ولكن بنفسه، نحو قول امرئ القيس:
لِمَنْ طَلَلٌ أبصرتُه فشجاني * كخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيب يَمَانِ
وقول ذي الرُّمة:
عرفتُ لها دارًا فأبصر صاحبي * صحيفةَ وجهي قد تغيَّر حالَها
ولا يتعدي بالباء إلا إلى آلة الإبصار، نحو قوله تعالى: (ولهم أعين لا يبصرون بها)، وحديث البخاري: "كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به"، وأما الثلاثي فيتعدى بها، نحو قوله تعالى: (بصُرتُ بما لم يبصُروا به)، (فبصُرتْ به عن جُنُب)، [وقد أخطأتُ في كتاب المعلَّى 459، فسوَّيتُ بين الفعلين في التعدي بالباء]، فلذلك قيل بزيادتها في:
(فستُبصر وتُبصرون بأيكم المفتون)، (معاني القرآن للأخفش 547 الخانجي، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 2/264)، فتكون (أي) استفهامًا معلِّقًا لقوله: (فستبصر ويبصرون)، و(المفتون) اسم مفعول، أي: فستعلمون أيُّكم المفتون. أو تكون الباء بمعنى (في) (معاني القرآن للفراء 3/173)، وهذا يحتمل معنيين: في أي فريق المفتون، أو: في أي فريق الفتنة، فيكون (المفتون) مصدرًا، و(أي) استفهامًا معلِّقًا أيضًا. وقيل: ينقضي الكلام عند: (فستبصر ويبصرون)، وما بعده مستأنف (عن المازني في المسائل البصريات 1/544)، وهذا يحتمل الوجهين في (المفتون)، و(أيٌّ) استفهام. وأجاز أبو حيان (التذييل 6/89) أن تكون (أيٌّ) موصولة، على زيادة الباء، وحذف صدر الصلة، أي: فستعلمون الذي هو المفتون منكم.

* * *

2- والشرطية أيضًا تقع في نحو المواقع المذكورة أولُ، نحو قوله تعالى: (أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى)، (أيَّما الأجلين قضيتُ فلا عدوان علي)، ومنه تعرف جواز اتصالها بـ (ما) المؤكدة. وقوله تعالى: (في أيِّ صورةٍ ما شاء ركَّبك) يحتمل الشرطية والاستفهامية، ويحتمل الإطلاقية على تعليق الجار بـ (ركَّبك)، أو على تعليقه بـ (عدّلك) كما جوز الزمخشري تعليقه به، ولا يتحقق إلا بارتفاع الشرط والاستفهام عنها، لأن لهما صدر الكلام، وهذا ما اعترض به السمين تجويز الزمخشري، وغفل عنه ابن عاشور فأقره. وأرجح الشرطية، و(ما) أمارة عليه تأخرت أو تقدمت، ففعل الشرط (شاء) وجوابه (ركبك)، وإن جعلتها استفهامية فـ (شاء) صفة (صورة) والجار يتعلق بـ (ركبك).
وفي حديث الصحيحين: "فأيُّكم ما صلَّى بالناس فليَتَجَوَّزْ"، وهنا جاءت (ما) بعد الإضافة إلى الضمير، كآية الانفطار، إلا أنه لا يمكن تقديمها وفصل الضمير، وفي حديث صحيح مسلم: "أيُّكم خاف ألّا يقوم من آخر
الليل فَلْيُوتِر ثم لْيَرْقُدْ"، وفيهما: "فأيُّـما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فَلْيُصَلِّ"، وهنا جاز فصل (ما) بين المتضايفين، لأنه ليس ضميرًا، ومثله: "أيُّـما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما" في الصحيحين.
وقال أبو الأسود الدؤلي:
أيًّا فعلتَ فلا تزال مقيمةً * في الصدر منك مودةٌ لا تَبرحُ
وقال جميل بن مَعْمَر:
يا بَثْنَ، حَيِّي أو عِديني أو صِلِي
وهَوِّني الأمر فَزُوري واعجَلي
بُثينَ، أيًّا ما أردتِّ فافعلي
وقال أبو تمام:
هو البحرُ مِن أيِّ النواحي أتيتَه * فَلُجَّتُه المعروف والجود ساحلُهْ


* * *

3- وأما الموصولية فيحتملها قوله تعالى: (ثم لنَنَزِعّنَّ من كل شيعة أيُّهم أشدُّ على الرحمن عتيًّا)، على ما هو مذهب سيبويه، وقراءة العامة فيه بالضم، وقرئ بالنصب، وتحتمل الموصولية في الحالين، وتكون مفعولًا للفعل قبلها مبنية أو معربة، وسلف ذكر أقوال النحويين فيه. وتحتمل الموصولية في قوله تعالى: (فستُبصر وتُبصرون بأيكم المفتون) على مذهب أبي حيان فيها، كما سلف. وعلامة الموصولة إضافتها إلى معرفة ووقوع جملة بعدها في اللفظ أو في التقدير، نحو حديث الإسراء في الصحيحين: "اشرب أيَّهما شئت"، أو: "خذ أيَّهما شئت"، وحديث السقيفة عند البخاري من قيل أبي بكر -رضي الله عنه-: "فبايعوا أيَّهما شئتم"، وحديث الوضوء عند مسلم: "فُتِّحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيِّها
شاء"، وحديث الخصمين عند البخاري: "سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر، ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أين المتألِّي على الله، لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله، وله أيُّ ذلك أَحَبَّ"، رُوي بالرفع على الابتداء، أي: له الذي أحب، ورُوي بالنصب على المفعولية لأحب، فـ (أي) شرطية، والمبتدأ محذوف، والجواب محذوف، والتقدير: وله ما أراد، أيَّ ذلك أحب فهو له.
وقال الفرزدق:
أَبَاهِلَ، لو أنَّ الأنام تنافروا * على أيّهم شرٌّ قديمًا وألأمُ
لَفَازَ لكم سَهْمَا لئيمٍ عليهمُ * ولو كانت العَجْلَان فيهم وجُرْهُمُ
(ديوان الفرزدق 773 الصاوي)، وفي الزاهر 1/327 أن سَلَمة بن عاصم رواه بالضم، وانظر التذييل 1/132 أيضًا. فهذه عمل فيها ما قبلها، فلا تكون استفهامية ولا شرطية، وأيضًا عُدم الفعل بعدها فلا تكون شرطية، فتكون موصولة حُذف صدر صلتها كما هو مذهب سيبويه في آية سورة مريم. وأنشد أبو عمرو الشيباني بالضم قول القائل:
إذا ما أتيتَ بني مالك * فسلِّمْ على أيُّهم أفضلُ

(الجيم 2/264، وقال السِّيرافي في شرح الكتاب: عن غَسَّان أحد من يأخذ عنه اللّغة من العرب، وقال ابن هشام في تخليص الشواهد 158: لرجل من غَسَّان، وقال العيني في شواهده: غَسَّان بن وَعْلة، وأظنهما بَنَيَا على كلام السيرافي، وغسان بن وعلة مخضرم كما في شرح التبريزي على الحماسة).
ومن أمثلة سيبويه على الموصولة: "أيُّها تشاء لك"، صلتها الفعل، وخبرها الجار.

* * *

4- وأما الكمالية فتدل على المبالغة في المعنى وأنه بلغ الغاية، فتقع مفعولًا مطلقًا بعد الفعل، نحو قول امرئ القيس:
وصِرْنا إلى الحُسنى ورقَّ كلامُنا * ورُضْتُ فذَلَّتْ صعبةً أيَّ إذلالِ
وقول النابغة الذبياني:
لولا حبائلُ مِن نُعْمٍ عَلِقْتُ بها * لأقصر القلبُ عنها أيَّ إقصارِ
وتقع حالًا بعد المعرفة، نحو قول الراعي النميري:
فأَوْمَأْتُ إيماءً خَفِيًّا لـحَبْتَرٍ * ولله عَيْنَا حَبْتَرٍ أيـَّما فَتَى
وتقع نعتًا بعد النكرة، ومن أمثلة المبرد في المقتضب 4/294: "مررتُ
برجل أيِّ رجل"، ومنه قول جميل ولكنه حُذف الموصوف:
بُثَينَ، الزمي لا، إن لا إن لزمتِه * على كثرة الواشين أيُّ مَعُون
أنشده الفراء في معاني القرآن 1/287 على أن "معون" جمع معونة.

* * *

5- وأما الندائية فمشهورة، ويُتَوصَّل بها إلى نداء ما فيه الألف واللام، ويجب أن تُبنى على الضم، وأن تلحقها (ها) التنبيه، نحو قوله تعالى: (يا أيُّها الناس)، (يا أيُّها النبيء)، (يا أيُّها الرسول)، (يا أيُّها الذين آمنوا)، (يا أيُّها الرُّسل)، (يا أيُّها الملأ)، (يا أيُّها النمل)، (يا أيُّها الساحر)، (يا أيُّها المزمل)، (يا أيُّها المدثر)، (يا أيُّها الإنسان)، (يا أيُّها الكافرون) وتؤنث مع المؤنث، نحو: (يا أيتها النفس المطمئنة)، ويجوز حذف حرف النداء، نحو: (أيُّها الصِّدِّيق)، (أيتها العِير)، (أيُّها المؤمنون)، (أيُّها الثقلان)، (أيُّها الضالون المكذبون)، وفي حديث التشهد في الصحيحين: "السلام عليك - أيُّها النبي- ورحمة الله وبركاته"، وقال امرؤ القيس:
ألا أيُّها الليل الطويل ألا انجلي * بصُبْحٍ وما الإصباحُ منك بأمْثَلِ
ألا عِمْ صباحًا، أيُّها الطللُ البالي * وهل يَعِمَنْ مَن كان في العُصُر الخالي
وقال الأعشى:
وَدِّعْ هُريرة، إن الركب مُرتحِل * وهل تُطيق وداعًا، أيُّها الرجل
وقال أوس بن حجَر:
أيَّتُها النفس أجملي جَزَعَا * إن الذي تحذرين قد وَقَعَا


6- ويتفرع عن الندائية الاختصاصية، وهي الواقعة بعد ضمير تكلم تفسر معناه، كأنه قيل: أعني، نحو حديث الصحيحين من قيل كعب بن مالك -رضي الله عنه-: "ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين عن كلامنا، أيُّها الثلاثة"، وفيهما أيضًا: "إنَّ لكل أُمَّةٍ أمينًا، وإنَّ أمينَنا -أيَّتُها الأُمَّة- عبيدة بن الجراح"، ومن أمثلة سيبويه: "اللهم اغفر لنا، أيَّتُها العصابة. والله أعلم.

* * *

وههنا خلاصة:
أقسام (أي) في كتب النحو التي وصلت إلينا: 1-الاستفهام و2-الشرط و3-الموصولية و4-الكمال و5-النداء و6 الاختصاص. وليس منها معنى الإطلاق أو الإبهام، فهذا معنى سابع مستدرك.
وقد سبق إلى استدراكه مجمع اللغة العربية القاهري، وقال في قراره: "ولا بأس بتجويز ذلك استنادًا إلى أن (أي) تحمل في مختلف دلالاتها -ومنها الوصفية- معنى الإبهام، وأن حذف موصوفها مما قيل بجوازه".
وهذا موضع يفتقر إلى بعض الإيضاح، فإن (أيًّا) لا تأتي صفة في النحو إلا لمعنى الكمال، حتى إن ابن مالك خرَّج قول الفرزدق:
إذا حارب الحجَّاجُ أيَّ منافقٍ * عَلاه بسيفٍ كلَّما هُزَّ يَقْطَعُ
على معنى الكمال وأن الموصوف محذوف، أي: حارب منافقًا أي منافق، فجاء المجمع وأجاز استعمالها صفة ولكن لغير معنى الكمال، بل لمعنى الإبهام. وهذا كما ترى قول جديد، يقول المجمع: "لا مانع من أن نضيف إلى معاني أي التي ذكرها النحاة معنى سادسًا، هو الإبهام". وهو سابع كما سلف. وقد اجتهد البحث أن يستقصي كل معاني (أي) ويستشهد لها بالقرآن والحديث والشعر ما أمكن.
وخلاصة قرار المجمع أنه شاع هذا الأسلوب، والمقصود منه: "الإبهام والتعميم والإطلاق"، وأنهم يجيزونه معتمدين على أن (أيا) في كل استعمالاتها فيها معنى الإبهام، وأن ذلك من قبيل حذف الموصوف، وقد ذهب إليه بعض السابقين، وأنها تدل على التبعيض إذا أضيفت إلى مصدر.
وفي الحاشية إشارة إلى بحث الأستاذ عبد الحميد حسن إلى مؤتمر الدورة الرابعة والثلاثين، وفيه جملة مسائل منها هذه المسألة، وتعقيب الأستاذ عباس حسن عليه بأن الأسلوب مسموع، وذكر بيت الفرزدق، وأثرًا عن
علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
فالقرار ذكر المعنى الذي هو ملازم لأي في كل استعمالاتها، وجعل هذا الاستعمال: "خذ أي كتاب" من قبيل حذف الموصوف، وهو رأي ابن مالك، غير أن ابن مالك أبقاها في معنى الكمال، وهو غير معنى الإبهام الذي ذهب إليه المجمع، فاتفقا على حذف الموصوف، واختلافا في المعنى.
وأما هذا البحث فيقول صراحة: إن هذا استدراك على النحو القديم، وخالف المجمع في تقدير الموصوف، وجعل هذا الاستعمال غير مفتقر إلى ذلك.
على أني لم آخذ رأيي من قرار المجمع، بل كان لي هذا الرأي من قبل، فلما بحثت وجدت أن المجمع سبق إلى نحو منه. على أن التنويه بهذا الاستدراك وتوكيده وإشاعته وتحريض الباحثين على الاستمرار فيه والإكثار منه هو ما يرمي إليه البحث، فلغتنا حقيقة بمزيد من العناية منا، بإتقان القديم والزيادة عليه، ولا سيما الزيادة التي هي من قبيل الأساليب اللغوية التي دلت عليها الشواهد الكثيرة، لا من قبيل التكلفات الاصطلاحية أو التنظيمية التي دأب كثير من الباحثين على تكرارها والدوران حولها، لأن كل ذلك من قبيل الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، وأما تجديد القواعد فهو في استخراج الاستعمالات المفردة أو المركبة التي لم توف حقها من الشرح والبيان في النحو القديم، وتدل عليها الشواهد، ولا سيما بعد أن منَّ الله علينا بوسائل البحث المعاصرة التي سهلت الوصول إلى النصوص، ولا تفتقر إلا إلى جهد وفهم وتحرر من أسر التقليد ومن القول: ليس في الإمكان أبدع مما كان، وما ترك الأول للآخر شيئًا.
وقد حاول البحث استقصاء شواهد المسألة في النصوص القديمة من الشعر والحديث النبوي، وتصنيفها وشرحها ووضعها في مواضعها، ومناقشة النحويين والمعربين في توجيهها، واستكمال كل ما يتعلق بـ (أي) مع الاستشهاد القرآني والحديثي والشعري، وفيه جديد آخر في مسألة تعليق أي للعمل، إذ وسع معنى القلبي السابق لها، ودل على أنه يجوز أن يُتصيَّد، وهذا مساوق للطف هذه اللغة، ودقة مسالكها، وغزارة أساليبها. والله أعلم.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  7644