الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

البيان والنحو

أيوب الجهني

مقالة

تاريخ النشر: 2022/08/09
اقرأ للكاتب
في طالبي البيان اليوم وملتمسيه زهد شديد في تعلم النحو تعلما صحيحا راسخًا. ومع هذا ترى كثيرا منهم يتخوض في ذلك مُبينًا أو متبيِّنًا مع ضعف آلته، فيخل في الفهم ظانًّا أن الإخلال من قصور الكلام الذي يتفهمه، ويخل في الإفهام ظانا أن الإخلال من قصور المتلقي الذي يُفْهِمه.
أما قصوره في فهم كلامٍ على غير جهته مع ظنّه أنه مصيب في فهمه= فهو البلاء المطبق. وأشنعه أن يكون فيه تحريف لمراد الله ورسوله ﷺ، ثم بعد ذلك التخبط في فهم كلام العرب وبيانها تخبطا يضحك من شدة الأسى!
وما ذاك إلا من التقصير في أخذ النحو بقوة وتلقيه تلقيا صحيحا بفهم ووعي، لا بترديد المتون والأعاريب ترديد المسجّلات.
هذا غير أدواء كثيرة متركبة، كضعف النظر والتحصيل في العلم مطلقا، وفي العجلة المفضية إلى الزلل، وفي ترك التأمل الداعي إلى الوهم، وفي الهوى المردي لصاحبه.
وتأمل هذا الكلمة المحكمة من نحوي عارف عاش مع النحو زمنا معلما ومصنفا وشارحا وسابرا لأغواره وباحثا في علله وأحواله، حتى أدته معرفته تلك إلى ترك يدَين بيضاوين له على العربية بكتابيه (دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة) اللذين كانا ثمرة نحويَّتِه المحكَمة. يقول عبد القاهر -عليه رحمة الله ورضوانه-:
"إذا كان قد علم أن الألفاظ مُغلَقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرجَ لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يُعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه.
لا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط في الحقائق نفسه.
وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولَمْ يَرَ أن يستقيه مِن مَصبِّه، ويأخذه من معدنه، ورضي بالنقصِ، والكمالُ لها معرض، وآثر الغبينة، وهو يجد إلى الربح سبيلا؟".
والإعراب هنا هو النحو وما يستتبعه. لا مجرد معرفة أحوال أواخر الكلم وتمييز الفاعل من المفعول ونحو ذلك.
ويقابل هؤلاء الزَّهَدة، زَهَدة طالبي النحو في البيان، فلا ترى لهم اشتغالا بحفظ الشعر وتفهمه والقيام به حق القيام. و ما خرج النحو إلا من رحمه.
وقد رأيت باحثًا فاسد البيان جاهلًا به أقام دراسته -النحوية البيانية- على أبيات منحولة على عنترة، لا يحتاج في إبطال نسبتها إلا إلى ذوق سليم. مع أنه قادر على الوقوف على حقيقة نسبتها من طريق الرواية أيضا.
فكيف يوثق بنتائج هذا الباحث وهذه حاله؟ وأخطر من ذلك أن تكون دراسته هذه لتقرير أحكام في نحو القرآن أو بلاغته.
وكيف يُحمى حمى العربية ويُحفظ جانبها وأمثال هذا لو أنك ادعيت حكمًا باطلًا في لغة العرب، وصنعت له شواهد وادعيت نسبتها للعرب وحرفت وبدلت لما عرفوا بها ولَسَلَّموا لك مذعنين؟
بل قد وقع مثل هذا عند بعض من تقدم، ممن عُدم التبيُّن وسُلب صحة الذوق.
وإلا فهل يستريب امرؤٌ حصّل البيان أن هذا البيت لا يخرج من صدر فصيح قطّ:
(إنارةُ العقلِ مكسوفٌ بطوعِ هوًى
وعقلُ عاصي الهوى يزداد تنويرا)؟
وحجة أحدهم اليوم أن تخصصه في النحو والصرف! يعني أن البيان لا يعنيه إنما هو من عمل من كانت البلاغة تخصصه.
ولم يكن علماء العربية المتقدمون على هذا، بل العربية عندهم شيء واحد، لا يفرقون بين أحد من علومها، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض!
هذا المبرد منتهى نحو البصريين تراه من أحسن الناس اختيارا وتذوقا وتفهما للبيان في كتابه (الكامل). وهذا ثعلب منتهى نحو الكوفيين كان مكثرًا من جمع أشعار العرب وشرحها منها ما بلغنا ومنها ما لم يبلغنا، بل صنع دواوين لشعراء محدَثين كإبراهيم بن العباس الصولي، وله كتاب اسمه الأبيات السائرة، ولم يصلنا. وغيرهم من النحاة كثير كثير.
ونقل ياقوت الحموي خبرًا حسنا عن الجواليقي، قال:
(قرأت بخط الشيخ أبي محمد الخشاب قال: كان شيخنا- يعني أبا منصور موهوب بن الخضر الجواليقي- قلما ينبل عنده ممارس للصناعة النحوية ولو طال فيها باعه، ما لم يتمكن من علم الرواية وما تشتمل عليه من ضروبها، ولا سيما رواية الأشعار العربية وما يتعلق بمعرفتها من لغة وقصة. ولهذا كان مقدّما لأبي سعيد السيرافي على أبي علي الفارسي رحمهما الله. وأبو علي أبو عليّ في نحوه. وطريقة أبي سعيد في النحو معلومة. ويقول: أبو سعيد أروى من أبي علي، وأكثر تحققا بالرواية، وأثرى منه فيها. وقد قال لي غير مرة: لعلّ أبا علي لم يكن يرى ما يراه أبو سعيد من معرفة هذه الاخباريّات والأنساب وما جرى في هذا الأسلوب كبير أمر.
قال ابن الخشاب: (وكثيرا ما تبنى السقطات على الحذاق من أهل الصناعة النحوية لتقصيرهم في هذا الباب فمنه يذهبون ومن جهته يؤتون).
ولا تظنن أن كلامه عن أبي علي يعني أنه كان جاهلًا بالبيان قليل الحظ منه ومن الشعر. بل يريد أنه لم يبلغ مبلغ السيرافي في ذلك. وإلا فما كان عند أبي علي من الرواية لو حصّل أحدنا اليوم بعضه لغدا أروى الناس. كيف وهو صاحب كتاب (الشعر)؟ وهو وإن كان في إعراب الأبيات المشكلة، إلا أن تحقيق إعرابها لا يقوم إلا لمن فقه معاني الشعر والبيان ومقاصده.
وانظر كتبه وتحققه فيها بالرواية والسماع والتفهم تجد مصداق ذلك.
بل إن كتبه الجامعة لشتات مسائله، كالمسائل البصريات والمسائل المنثورة والمسائل العضديات والمسائل البغداديات= فيها من جليل علم اللغة ومعاني الشعر المشكلة الشيء الوافر المغفول عنه، وليست خالصة للنحو والصرف كما يُظن.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  1202