الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

محمد الفاضل ابن عاشور وقلمُه الريَّان "1"

إبراهيم الدويري

مقالة

تاريخ النشر: 2022/06/05
اقرأ للكاتب
استيقظت عصر يوم الأحد الماضي متحسرا أَسِفاً نادما ندم الناسك الفقيه الذي أضاع فروضا ألهته عنها النوافل أو التوسع في المباحات، ولم يكن سبب حسرتي إلا أني تذكرت فجأة أني أضعت وردي الأسبوعي من محاضرات ومقاطع شيخنا البحر محمد الفاضل ابن عاشور (1909-1970)، تلك المحاضرات والمقاطع البديعة التي تتحفنا الإذاعة التونسية كل جمعة بواحد منها في موقعها على اليوتيوب وغيره، وصار انتظارها والاستماع إليها مرارا طقسا أسبوعيا أمارسه بشغف لو قُسم على مشجعي لاعبي الأندية الأوروبية لوسعهم وبقيت منه بقايا تكفي عشاق المسلسلات قبل ثورة الفضاءات المفتوحة.
كل من استقصى أخبار الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور وساءل عنه العلماء والباحثين الذين زاروا تونس أو الزيتونة في الفترة ما بين 1930-1970، أو جمعهم به مؤتمر في إحدى عواصم الثقافة العربية أو الغربية، سيدرك أن جميع هؤلاء وأولئك اتفقوا على أن الفاضل ابن عاشور جمع مواهب قلَّما اجتمعت لأحد، فهو إلى جانب تبحره العلمي وعمقه المعرفي وقوة طاقة ضميره وزكاء أخلاقه وحيويته النضالية والنقابية، كان خطيبا مفوها ومحاضرا مبهرا يهز المنابر والمسارح وأثير الإذاعات وقاعات المؤتمرات والمحاضرات في الزيتونة أو الخلدونية، ببليغ القول وصحيح العلم ودقيق الفهم في ترسل عراقي وبلاغة أندلسية.
وللخطابة عند العرب منزلة يعرفها من يأنس بمفاخراتهم ومنافراتهم أو تصفح دواوين مآثرهم الأدبية، أو من شاهد الشيخ عبد الفتاح مورو وهو يسترسل في كلامه كالسيل المنحدر من أعالي الجبال، وعرف أنه بفصاحته وخطابته وحضوره متأثر بشيخه الفاضل ابن عاشور، وأن الفاضل ابن عاشور متأثر بالشيخ عبد العزيز الثعالبي (1874-1944)، فقد روى مورو في "شهادته على العصر" أن الفاضل كان يقول له "أنا وراث الخطابة على الأستاذ عبد العزيز الثعالبي"، ويضيف مورو "والثعالبي بلا منازع أبرز خطباء القرن العشرين"، فهذا سند الخطابة والبلاغة والفصاحة في بلاد القيروان قاعدة الإسلام الأولى في الغرب الإسلامي.
لئن كان شيخ الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور (1296-1393هـ) اختار أن يخصص أغلب وقته لكتابة مشروع عمره "التحرير والتنوير" وغيره من الأسفار الخالدة، فإنه ربَّى ابنه الفاضل ابن عاشور وهيأه ليكون محطة فارقة في التاريخ الثقافي والعلمي بتونس والمغرب العربي، و"كان في نظر الزيتونيين علامة بحرا فهامة، إذا ألقى محاضرة في مكتبة الخلدونية تحت لواء معهد البحوث الإسلامية غصت القاعة بالمستمعين من المدرسين والطلبة الزيتونيين والمدرسين، ورضي البعض أن يقف خارج القاعة تحت المطر في اليوم الممطر يستمع إلى محاضرته"، كما يقول محمد الحبيب السلامي، في مذكراته (أوراق زيتوني من شجرة الزيتونة، ص 75).
وكان لمحاضرات الفاضل صيت كبير في عموم القطر التونسي كما يخبرنا بعض من حضرها إبان ازدهارها، وهو المؤرخ محمد محفوظ صاحب كتاب "تراجم المؤلفين التونسيين" الذي يقول كنت قبل أن أرحل من صفاقس لطلب العلم بجامع الزيتونة في تطلع لمعرفة شخصه وسماع دروسه ومحاضراته لما له من صيت علمي ذائع، وما كنت أطالع له بشغف وإعجاب مقالاته المنشورة في مجلة الثريا والمجلة الزيتونية، ولما دخلت جامع الزيتونة وجدته يدرس في التعليم العالي على طلبة العالمية في الآداب والتفسير ومقدمة ابن خلدون، وأنا آنذاك ما زلت في التعليم الثانوي فاهتبلت أول فرصة تخلف فيها أحد شيوخي عن درسه، واستمعت لدرسه في التفسير فطرق أذني ما لم أسمعه وما لم أقرأه في كتب التفسير، سمعت أسلوبا جديدا لا يعتمد على المناقشات النحوية واللفظية، ويعتمد كثيرا على علم النفس لاستجلاء سياق الآيات والكشف عن معانيها في يسر". (تراجم المؤلفين التونسيين، ج3، ص 312).
ويضيف محفوظ "ومرة أخرى سمعته يدرس مقدمة ابن خلدون، فكانت أسماء الفلاسفة كأوغست كونت وكارل ماركس تدور على لسانه مقارنا بين آرائهما وآراء ابن خلدون"، ولم يكن الفرنسيون أنفسهم أقل إعجابا بالفاضل من العرب والمسلمين، فقد حضر سنة 1948 "بباريس مؤتمر المستشرقين استجابة لدعوة الكوليج دي فرانس قصد المشاركة في حوار علمي"، وكان معه تلميذه الطيب السحباني الذي نقل ملاحظات الإعجاب والتقدير التي نالها الفاضل بفرنسا في عقر دار مدرسة الصفوة الفرنسية. يقول التلميذ: "واجتمعت بعد أيام بأحدهم فقال لي جاءنا أخيرا من بلدكم الشيخ ابن عاشور، وقد أحدث في المستمعين أثرا بليغا. قلت كيف وفي أي لغة؟ قال ألقى علينا دراسة عظيمة، ثم رد على مناقشتنا إياه في اللغة الفرنسية، واستطرد الأجنبي قائلا: إن لكم في تونس عالما جليلا فليتني أوتيت من فقه اللغة العربية ما أوتيه من معرفة مشاغلنا ولغتنا".
لم يكن الفاضل مجرد متحذلق يتلاعب بالألفاظ بفصاحة آسرة، بل كان مفكرا أوتي ملكة البيان وسلاسة التأريخ للأفكار ومعرفة مبادئها ومنتهاها مع تأثير قوي في سامعه نقله لنا مؤرخ الثقافة الجزائرية الكبير أبو القاسم سعد الله الذي خالط الفاضل لما كان الأخير وصيا على الطلاب الجزائريين في الزيتونة، وأبو القاسم مسؤول جناحهم المحسوب على جمعية العلماء المسلمين، فيقول "أما الفاضل ابن عاشور فقد كان واسع المعرفة وله شخصية جذابة وهيئة مؤثرة، وكانت دروسه الحرة في المدرسة الخلدونية تستقطب الأساتذة والطلبة معا، وكان كثير الأفكار والتأثير على سامعيه، وقد حضرت له بعض الدروس مستمعا فقط في الخلدونية وفي الزيتونة"، (حياتي، 153-154).
ولم تكن عبقرية الفاضل وسماحة أخلاقه تحتاج إلى معايشة طويلة لتكتشف، فبعض الذين مروا بتونس في أيامه لاحظ ذلك؛ فقد دلني الصديق الدكتور المحقق عبد الله التوراتي على كلام ما وددت أن لي به حمر النعم عن شيخه المحدث الكبير المسند محمد الأمين بوخبزة (1351-1441هـ) الذي مر بالجزائر في رحلته الحجازية الأولى عام 1382هـ/1962 وحين مروره بها سأل العلامة الإصلاحي والأديب الشهير محمد البشير الإبراهيمي (1306-1385هـ) الذي لقيه بعد طول بحث ووجده في حالة مادية يرثى لها بسب تنكر رفاق بن بلة له وفرضهم إقامة جبرية عليه، وقد طلب بو خبزة من الإبراهيمي أن يسمي له علماء يحرص على لقائهم حين مروره بتونس، فلم يذكر له الإبراهيمي إلا شيخا كتبيا من الإباضية يسكن بقرب الزيتونة، قال: لعل اسمه صالح الثميني (يقصد الشيخ محمد بن صالح الثميني)، وقد لقيه بالفعل، وأرجع بو خبزة إضراب الإبراهيمي عن ذكر علماء تونس إلى خلافه الشهير مع الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور حول محنة التجنيس.
لم يقتصر المحدث بو خبزة حين مروره بتونس على زيارة الكتبي الثميني فقط، بل لقي الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور وكان دليله السياحي، فقد نزل بو خبزة في فندق بحي شعبي في العاصمة تونس، ورأى قبرا كبيرا له قباب وحين سأل عنه لم يجد من يعرفه، حتى اتصل بالفاضل فأخبره أنه قبر سيدي محرز الذي طلب من الإمام ابن أبي زيد القيرواني تأليف كتاب "الرسالة" ليعلمها للنساء والصبيان، وبعد هذا التواصل قضى بو خبزة مع رفيقه "أياما طيبة في تونس".
وتعرف بو خبزة على الفاضل أكثر حين زار قصر والده الكبير في المرسى، يقول: "فاستقبلنا الفاضل ببشاشته المعهودة وأدبه الجم، ودخلنا إلى صالون كبير مزدان بستور وثريات ولوحات فنية، ووجدنا به صحافيا مصريا، وبعض الأساتذة. وبعد التعارف تحدثنا مع الشيخ الفاضل حديثا أنسانا الأهل والأولاد لحلاوة المنطق ودماثة الأخلاق، والإلقاء بشكل سليم سريع لا يستطيع الكاتب المتروي أحسن منه، وبعد هنيهة دخل وعاد مصحوبا بوالده الشيخ الطاهر فشاهدنا شيخا وقورا عليه مهابة العلم والسن، تتلى في وجهه آيات الفضل والجد".
ولم يقتصر الفاضل على هذا اللقاء، بل استفسر الشيخ بو خبزة عن مكان سكنه ولم يعرف المقصود من ذلك، لكنه يقول: "وبعد وصولنا إلى الفندق بمديدة، حضر الشيخ الفاضل بسيارته الفخمة فعلمنا سبب سؤاله، ولقيناه وصعد معنا إلى الغرفة المتواضعة في فندق شعبي غير لائق، وصنعنا له شايا مغربيا، وحمل إلينا تمورا طيبة وحلويات قدمها إلينا معتذرا عن التقصير، راغبا ملحا أن يكون مرورنا في العودة أحسن ليتمكن من الإكرام اللازم، يقول هذا بأسلوب تتخلله لطائف التعبير ويضمخه طيب الشمائل والأخلاق رحمه الله وأكرمه، وفي مثل هذا الرجل يحسن إنشاد قول أبي العلاء: جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم … بعد الممات جمال الكتب والسر"، ("مظاهر الشرف والعزة"، للعمراني، ص55-56).
وقد أوصى الفاضل الشيخ بو خبزة بزيارة أعلام القيروان من الصحابة وأئمة المذهب المالكي، وقام بذلك بالفعل، تلك هي الارتسامات التي ترسخت في ذهن هذا المحدث حين لقائه العابر بالفاضل ابن عاشور، وفي الجزء الثاني من المقال نتوقف مع المقصود بقلم الفاضل الريان ومظاهر ذلك في كتاباته ومحاضراته.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيس بوك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  3243