الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

لَمْحَةٌ من زمنٍ مضى

محمد أبو موسى

سيرة

تاريخ النشر: 2022/05/15
اقرأ للكاتب
لَمْحَةٌ من زمنٍ مضى في البيت الذي رُبِّينا فيه، وهو كلية اللغة العربية التي كانت قائمةً على العلوم التي حَفِظَتْ اللسان العربيَّ المبين الذي نزل به الكتاب، وهو لسانُ الله -عز وجل- يوم القيامة، وهو لسانُ أهل الجنَّة، وهو لسانُ العَرِيب الأوَّل، وهو اللسان الذي بعث الله به سيدنا محمدًا إلى الناس كافَّة، وكان -سبحانه- لا يبعث رسولاً إلا بلسان قومه؛ فدلَّ ذلك على أن هذه العربية الشريفة أقربُ اللغات إلى الفطرة البيانية التي فطر الله الناسَ عليها.
واعلم أن علماء اللغات المُحْدَثين اتفقوا على أن "العربية" هي اللغة الساميَّة الأُمُّ، وذهب بعضهم إلى أنها هي اللغة الإنسانية الأُمُّ، وتجد ما يُرجِّح ذلك في كتاب الله -عز وجل- وذلك أن سيدنا هودًا -عليه السلام- الذي أنذر قومه بالأحقاف، قال لقومه عاد: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}؛ فدلَّ ذلك على أن قوم نوح كانوا في هذه الأرض، ونوحٌ -عليه السلام- هو الأب الثاني للبشر.. ذَكَرتُ ذلك ليَعْلَمَ أبناءُ هذه الكلية؛ أساتذةً وطلابًا، شرف الغاية التي هم فيها، وهذا التاريخ نسمع منه أصواتًا يَقْوَى بها العَزْم، ويَمْضِي بها الحَزْم، ويَجِدُّ الجِدُّ، ويُشْرِق بها شرفُ الغاية التي نسعى إليها.
والذين علَّمونا في هذه الكلية، ومن قبلها في معاهد الأزهر الشريف، كانوا يُعلِّمون العلم، ويُعلِّمون جلال العلم، ويُعلِّمون حُبَّ العلم، بل كانوا يغرسون في نفوسنا جلال العلم وحُبَّ العلم مع تعليم العلم، وكنا نُدرك ذلك ولو لم يَنطقوا به؛ فكنا نسمع النحو من الشيخ عبد السميع شبانة وهو مصبوغٌ بسِرِّ نفسه، ومن شأن النَّفْس الحيَّة، التي هي كالتُرْبَة الحيَّة، أن تستقِيَ المعارف التي تسكنها من رحيق هذه النَّفْس؛ فإذا حدَّث العالِم بالذي أسكنه في نفسه من العلم سمعتَ منه علمًا غَرِيضًا طريًّا، وإن لم يكنْ حديثَ عَهْدٍ بالوجود فإنه حديثُ عَهْدٍ بهذه النَّفْس التي سكن فيها؛ فكنا نسمع النحو من الشيخ عبد السميع شبانة نحوًا غريضًا طريًّا قد رُوِّيَ برحيق هذه النَّفْس، وكان المرحوم الشيخ عبد السميع يَغْلب عليه روحُ التصوُّف التي كانت تصاحب كل ما يُسْمَع منه.
وكان الشيخ محمد رفعت فتح الله يُعلِّمنا الصَّرْف وفيه قبسٌ من ذات نفسه، وكأننا لم نكن نسمع قواعد التصريف في الأفعال والأسماء فحسب، وإنما كنا نسمع ذلك مصحوبًا بالذي كان يجري في نفوس أصحاب اللغة الذين صنعوا تصريف الأفعال والأسماء، حتى كأننا كنا نرى أنهم ما كان لهم أن يقولوا إلا الذي قالوه؛ فليس في الجمع والتصغير والنَّسَب والاشتقاق وجهٌ أفضلُ من الوجه الذي سلكوه، وكأن الشيخ رفعت لم يكن يستصحب معه لسان العَرِيب الأوَّل فقط، وإنما كان يستصحب معه سليقة الأمَّة التي صاغت هذا البيان، وكان الشيخ عبد الغني إسماعيل يتمثَّل لنا فيه ومنه رُواة الشعر الأوائل الذين كانت مهمتهم رواية الشعر، والعجيب في هذا الشيخ أن لسانَه في الدرس والشرح هو ذاتُه لسانُ أهل الشعر الأوَّل، فلم يكن صحيح الإعراب فحسب، وإنما كان فيه جزالة الشعر الأوَّل وسدادُه.
وكانت الكليَّة في السنتين الثالثة والرابعة فيها شُعَبٌ ثلاثٌ: شعبة الشريعة، وشعبة التاريخ، وشعبة الفلسفة، والعلومُ الأربعةُ الأساسية -وهي: النحو، والصرف، والبلاغة، والأدب- واحدةٌ في الشُّعَب الثلاث، وكان في قسم الفلسفة شيوخٌ أجِلَّاء، منهم: الدكتور محمد البَهِيّ، الذي كان يُدرِّس الفكرَ الإسلاميَّ الحديثَ وصِلتَه بالاستعمار الغربي، وكان الدكتور عوض الله حجازي يُدرِّس الفلسفة اليونانية، وكانت قُدْرتُه العلمية تُحوِّل هذه الفلسفةَ اليونانيةَ إلى عِلمٍ عربيٍّ سهلٍ قريب، وكان يشرح كلام سقراط وأفلاطون وأرسطو، ويُقرِّبه من النُّفوس وكأنهم من علمائنا مُشْبَعون بالروح الإنسانية، وكان الشيخ سيد نعيم يشرح منطق أرسطو ويُقرِّبه إلى نفوس الطلاب وكأنه فرعٌ من فروع علومنا، وهكذا العقولُ المتفوِّقة تُلْقِي رداءها على ما تَشْرَح، وتَنْزِعُ من الفكر الأعجميِّ عُجْمتَه فتُعْرِبه وتُدْخِله في سياق ثقافتنا.
ولمَّا دخلتُ الامتحان الشفوي في السنة الثالثة كانت اللجنة مكوَّنة من الشيخ محمد علي النجار والشيخ عبد السميع شبانة، وبدأ الشيخ النجار يسأل وكأنَّه يسألني في عِلمٍ لم أعلم منه شيئًا، وسمعتُ منه نحوًا ليس فيه حرفٌ من النحو الذي عِشْتُ أتعلَّمه؛ فسَكتُّ سكوتًا مُطْبِقًا، فابتسم الشيخ عبد السميع ابتسامته المشرقة، وبدأ يسأل في النحو الذي تعلَّمناه وأنا أُجيب، وكَثُرتْ أسئلتُه وكَثُرتْ إجاباتي، ثم التفتَ إلى الشيخ النجار وقال له إنه في حاجةٍ إلى أن يسمع منه جواب السؤال الذي وجَّهه لي، وسؤالُ الشيخ الذي لم يكن عندي في جوابه حرفٌ واحدٌ دلَّني على أن وراء النحو الذي تعلَّمناه نحوًا آخر وعالمًا آخر لا تزال بيننا وبينه حُجُبٌ، وفي نهاية العمر أدركتُ أن وراء كل علم ظاهر علمًا آخر مخبوءًا من المضنون به على غير أهله.
وكان من عادة الشيخ عبد السميع أنه يدخل الفصل قبل بداية الحِصَّة، ويكتب الدرسَ بكل شواهده على السَّبُّورة، فإذا بدأتِ الحصَّةُ بدأ هو يشرح، ولم أره مرةً واحدةً جالسًا في الدرس، وإنما تراه إمَّا واقفًا عند السَّبُّورة يشرح الشواهد أو تراه يذهب ويجيء بين الطلاب، وكان يفاجئ أيَّ طالب ويضع يده على كتفه ويقول له: "قُمْ وبيِّنْ ما قلتُه"، وكان منا من يُعيد كلام الشيخ بلفظه وكأنَّ صوت الشيخ المُخْلِص قد كتبه بلفظه في قلب الطالب وعقله.
ولمَّا انتقلنا إلى السنة الرابعة بقينا فيها سنتين؛ لأنه بدأ تطبيقُ قانون تطوير الأزهر، وأُضيفت علومٌ جديدةٌ دَرَسْناها في السنة التي سُميت "الإعداد والتوجيه"، دَرَسْنا فيها علم الاجتماع وتوسَّعْنا في دراسة اللغتين الإنجليزية والعِبْرية، ودَرَسْنا السامِيَّات والنحو المقارن، ومن حسناتها أننا التقينا فيها العلَّامةَ الجليل حامد عبد القادر، الذي كان يَستشهد لقواعد العبرية بأبياتٍ من ألفية ابن مالك، وهو الذي أملى علينا آراء اللغويين المُحْدَثِين من الألمان، والذين اتفقوا على أن "العربية" هي السَّامِيَّة الأُمُّ، واختلفوا في أنها هي الإنسانية الأُمُّ.
ومن المفيد أن تراجع كتاب الدكتور البهي "حياتي في رحاب الأزهر"، وقد ذكر أنه دُعِيَ هو والشيخ محمود شلتوت لحضور مجلس الشعب يوم انعقاد المجلس، فلما حضرا فوجئا بعرض قانون تطوير الأزهر على المجلس ولم يعلم به أحدٌ من علماء الأزهر، وعلى رأسهم محمود شلتوت، وعارَضَاه معارضةً ظاهرة، وانضمَّ إليهما في المعارضة بعضُ أعضاء المجلس، ومنهم المرحوم فتحي رضوان، ووُوفِقَ على القانون، ثم قرأتُ للمرحوم فتحي رضوان؛ قال رحمه الله: "ومن العجيب أنَّ كلَّ الصحف المصرية في اليوم الثاني كان عنوانها الرئيس: موافقة بالإجماع من علماء الأزهر على قانون تطوير الأزهر"، وهكذا كان يُدارُ الأمر، وهذا واقعٌ بشهوده، وكنَّا كما قال الأوَّل:
ويُقْضَى الأمرُ حين تَغِيبُ تَيْمٌ .. ولا يُستأذَنُونَ وهُمْ حُضورُ
بَقِيَ شيءٌ من حق هذه الكليَّة أن أقولَه؛ لأن دفعتي كانت في مَفْصِلٍ من مفاصل تاريخ هذه الكلية؛ لأننا كنا أوَّلَ دفعةٍ طُبِّق عليها قانون تطوير الأزهر، وأوَّلَ دفعة عُيِّن منها معيدون، وأوَّلَ دفعة درست دراساتٍ عليا بالنظام الجديد الذي كان بديلاً لـ"تخصُّص المادة"، ولمَّا نجحنا في الامتحان التحريري في الدراسات العليا دخلنا الامتحان الشفوي، وكانت لجنة الامتحان الشفوي في الدراسات العليا مكوَّنةً من عمداء الكليات الثلاث: الشريعة، وكان عميدها الدكتور علي عبد القادر، وأصول الدين، وكان عميدها الدكتور عبد الحليم محمود، واللغة العربية، وكان عميدها محمد محيي الدين عبد الحميد، ثم يُضاف إلى هؤلاء العمداء الثلاثة رئيسُ قسم الطالب الذي سيُمتحَن، وأقدمُ أستاذ في القسم، ويُمتحَن في هذه اللجنة طالبٌ واحدٌ في اليوم، وهذا هو المقصود ذِكْرُه لتقارن بين اليوم والأمس القريب، ولمَّا دخلتُ هذه اللجنة كان الذي يسألني هو الشيخ محيي الدين عبد الحميد، وكان الامتحان في "المُطوَّل"، ولم يسألني رئيس القسم وكان الشيخ "عُتَيْبة" ومعه الشيخ عبد العظيم الروبي، وكانت أسئلة الشيخ محيي الدين تدور حول معرفة الفروق التي بين المتشابه، وكيف كان يَختلف المؤتلف، وما زلت أذكر آخر سؤال للشيخ محيي الدين، وكان في باب "القصر"، والفرق في الدلالة بين "إنما": والنفي والاستثناء، وأن الجملة القرآنية الواحدة تأتي مرةً بـ"إنما" ومرةً بالنفي والاستثناء، ولمَّا ذكرت له أن المعنى يختلف باختلاف السياق وشرحت له ذلك أشار إليَّ بالخروج، وكان الدكتور عبد الحليم محمود ينظر إلى الطالب ويَذْرَعُ عينيه فيه وكأنه يبحث عن مدى رباطة جأشه وتمكُّنه وثقتِه في الذي يقول.
وأهمُّ ما أريد بيانَه لأبناء هذا البيت؛ أساتذة وطلابًا، هو أن شيوخها الذين سمعنا منهم لم يكونوا يُعلِّمون طلابَها العلم فحسب، وإنما كانوا يزرعون في أقاصي أفئدتهم حُبَّ العلم وعِشْقَ العلم، ولو قلتُ لك إنهم كانوا يبذلون من جِدِّهم واجتهادهم في غرس حُبِّ العلم في نفوس طلابهم أكثرَ ممَّا كانوا يبذلون في تعليم العلم لم أكن مبالغًا، وهذا هو الواجب؛ لأن حُبَّ العلم إذا سكن نفوسنا فسنتعلَّم العلم، وجدنا معلمًا أو لم نجد، ووجود المُعلِّم في حياتنا محدودٌ بسنوات الدراسة، والمطلوب أن تنتهي سنواتُ الدراسة وقلبُك مشعوفٌ ومشغوفٌ بحُبِّ العلم، وأن يكون هذا الحُبُّ هو هاجِسَك الأول في حياتك كلها؛ فلا تملَّ صُحْبةَ الكتاب والقلم، ولو أردتَ البُعْدَ عن الكتاب لعَاقَك هذا الحُبُّ، وتمثَّلْتَ بقول الشاعر القديم:
فَيَا حُبَّها زِدْني جَوًى كُلَّ لَيْلةٍ * ويَا سَلْوةَ الأيامِ مَوْعِدُكِ الحَشْرُ
قال: "الحشر" ولم يقل: "القبر" لأنه أراد أن يَسكن معه هذا الجوى في قبره، وقد زاد أبو العلاء المعري في هذا المعنى، وذكر أن جماعة من النُّحاة الصالحين تاقت نفوسُهم في الجنة إلى مدارسة مسائل في النحو كانوا قد ماتوا وفي نفوسهم شيءٌ منها، وقد وعد الله أهل الجنة بأنَّ لهم فيها ما يشتهون، فاجتمعوا تحت شجرة من شَجَر الجنة يتكلَّمون في النحو، وتتساقط عليهم ثمارُها، ولا تظنَّ أن هذه مبالغات، واعلم أن البلاد لن تتقدَّم خطوة إلى الأمام إلا إذا وُجِدَتْ فيها هذه الكفاءات المُولَعَة بالعلم في كل أبوابه، وكلُّ بلدٍ متقدِّمٍ فيه كتائبُ من هؤلاء، وهم القومُ كُلُّ القومِ يا أُمَّ مالك، وإذا رأيت واحدًا منهم في أي بلد في قاعٍ مظلمة فاعلم أن البلاد تسير في طريق الضياع، وأن الأمر أُسند إلى غير أهله، وانتظر الساعة التي هي قيامة هذا الوطن، ومَنْ مات فقد قامت قيامتُه.
بَقِيَ لَمْحةٌ من تاريخ المعاهد التي أَعدَّت طلابَها لتَلْقَى شيوخ هذه الكليات الثلاث التي لم يكن في الأزهر سواها، والتي كانت هي الرأس، أو قل: كانت هي العين في الرأس. وكانت المعاهد الدينية "ابتدائي وثانوي"، ولم يكن في الأزهر "إعدادي"، والابتدائي أربع سنوات، والثانوي خمس سنوات، وتدخل الأزهر وعُمرُك اثنتا عشرة سنة، وأنت تحفظ القرآن، والمهم أنك في السنة الثالثة الابتدائية تقرأ كتاب "قَطْر النَّدى" في النحو لابن هشام وسِنُّك خمس عشرة سنة، وراجع كلمة "قَطْر النَّدى" وهي عنوانٌ لكتابٍ في النحو، وراجِع ما أراده ابن هشام من تسمية كتابٍ في النحو بـ"قَطْر النَّدى"، وكأنَّ النحو يلقاك وأنت في هذه السِّن كما يلقى قَطْرُ النَّدى جَنِينَ النَّبْتِ يُرْضِعُه، وأن القلم الذي يكتب لك النحو في هذه السِّن لا يكتفي بأن يُقرِّبَه منك ويُسهِّلَه لك، وإنما يُحوِّله لك إلى قطرات النَّدى في صفائها ونقائها وإِلْف النَّفْس لها، وكأن هذا العالِمَ الجليلَ يَرْبِط قلبَك بهذا النحو من الخطوة الأولى، ثم تنتقل إلى السنة الرابعة فيلقاك ابنُ هشامٍ بكتابٍ في النحو اسمه "شذور الذهب"، وراجع كيف يتحول النحو من قَطْر نَدى يَرِفُّ على القلب والعقل، وليس إلى ذهبٍ تشتاقه العين واليد، وإنما إلى شذور الذهب، والشُّذُور جمعُ "شَذْرَة"، وناهيك عن أن يصبح النحو في يمينك شَذَراتٍ، واحذر أن تظنَّ أنني أتخيَّل؛ لأني فقط أشرح عناوين الكتب التي كانت بين أيدينا قبل أن نبلغ الحُلُم، فإذا ما انتقلنا إلى الثانوي أمسك بنا ابنُ عقيلٍ ثلاث سنوات في شرح ألفية ابن مالك، ثم يعود إلينا ابنُ هشام في الرابعة والخامسة بكتاب "أوضح المسالك"، ولم أقرأ في النحو كتابًا أشدَّ تلخيصًا منه، وهو الذي انتقلنا منه إلى "الأشموني" في كلية اللغة العربية، وفي "الأشموني" تنبيهاتٌ كانت تُعلِّم العقل والحوار والمناقشة، وكنا نحفظها لذلك وليس فقط لما فيها من النحو.
ومما يَدُلُّك على قَدْر المعهد الابتدائي وقيمتِه أنْ تَعْلَمَ أن الشيخ محمد الصَّادق عرجون كان شيخ المعهد الابتدائي الذي كنتُ فيه، وهو الذي أنشأ لنا المعهد الثانوي، وكنا ننتقل من الابتدائي الذي في دسوق إلى الثانوي في طنطا أو في الإسكندرية.
وأذكر أننا خرجنا في مظاهراتٍ أيام الاحتلال الإنجليزي، وكان الشيخ عرجون رافضًا خروجنا، ولمَّا علم أن الشرطة أمسكت بعض الطلاب ركب "الحنطور" من معهد دسوق الذي كان في أطراف المدينة وذهب إلى قسم الشرطة، وتوجَّه إلى ما كان يُسمِّى "التخشيبة" التي يُحتجَز فيها الطلاب، ويَأمرُ بفتح الباب فيُفتَح الباب ويخرج الطلاب ثم يعود إلى المعهد ولم يقابل أيَّ مسئول في القسم، وكان الكُلُّ يحترم الكُلَّ، وكان وزير الداخلية المرحوم فؤاد سراج الدين، وهو رجلٌ مدنيٌّ، يعرف فقط الحق والعدل والقانون، وقبل ذلك وبعدَه أقدارَ الرجال ثم الرُّوح الوطنية التي كانت القلوب كلُّها عامرةً بها.
هذه لَمْحةٌ من الذي كان وعِشْناه، ونسأل الله -سبحانه- أن يَحْمِيَ البلاد من الجهل الذي هو عدوُّها الأول، والذي هو خطرٌ على أمننا القومي.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَنْ تَبِعَهم بإحسان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر: صفحة "كلية اللغة العربية بالقاهرة" على الفيس بوك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  8733