الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

رحلة إلى طرابلس ومصراتة

محمد خليل الزَّرُّوق

رحلة

تاريخ النشر: 2022/01/02
اقرأ للكاتب
استوقفني موظف الجوازات التركية متحيرًا في الفرق بين صورة الجواز وصورة بطاقة الإقامة وصورة الواقع، فمكث يتأملني ساعة، ودعا زميلا له وفحصا الجواز والبطاقة مليا، وكادا يقولان لي: هل أنت أبو زيد السروجي؟ فأذكرني ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
لئن كان إياه لقد حال بعدنا *** عن العهد، والإنسان قد يتغير
وقول كثير عزة:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها *** ومن ذا الذي -يا عز- لا يتغير؟
وأبو زيد السروجي هو بطل مقامات الحريري، وقد لقبتُ به في هذه الرحلة إلى طرابلس الصديق الحبيب مكيًّا المستجير، ووجْهُ الشبه أنه ذو فنون وأحوال وأزياء وأسماء، وقد عرَفني أول وهلة حين رآني، وقال للصديق الحبيب الدكتور محمد الخازمي: هذا فلان، فقال: ليس إياه، وسيأتي فلان عن قليل، فكنت إياه، فما كاد يعرفني. وقد كان لي مكي نعم الرفيق الشفيق، وقلت له مرة: جزاك الله عني كل خير، فقال: وأعلم أنه عني جزاكا، فتألف من الشطرين بيت من الشعر، وما كنت أعلم أن البيت من شعر البهاء زهير، حتى عرَّفني مكي بذلك، وهي قصيدة في الرثاء، ومنها:
لقد حَكَمَتْ بِفُرقَتِنا الليالي
ولم يَكُ عن رضاي ولا رضاكا

يعزُّ عليَّ حين أدير عيني
أُفتِّش في مكانك لا أراكا

أَرى الباكين فيكَ معي كثيرًا
وليس كمن بكى مَن قد تباكى

فيا من قد نوى سفرًا بعيدًا
متى -قل لي- رجوعك من نواكا؟

جزاك الله عني كل خير
وأعلم أنه عني جزاكا
حين وصلت إلى طرابلس كان من همي لقاء الأفاضل ممن لم ألقه من قبل، وزيارة بعض المؤسسات، وبيني وبين آخر زيارة نحو سبع سنين، فكان أول من لقيته الأستاذ الباحث المنصف الصادق المنقب عن النوادر والنفائس في التاريخ الليبي بدر الدين مختار، فجلسنا في شارع جرابا، وحدثني وحدثته عن المشروعات العلمية، وقلت له: إن من يقرأ لك على الفيسبوك يظنك أكبر من سنك، بل أضخم من جسمك، وكان الأمر على ما قال أبو تمام:
كانت مساءلة الركبان تخبرني
عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت
أذني بأحسن مما قد رأى بصري
وحضرت جلسة مجمع اللغة العربية، واستمعنا إلى التقرير السنوي وتقارير اللجان، وقد خار الله لهذا المجمع برئاسة الدكتور عبد الحميد الهرامة الوجه الباش والصدر الواسع والعمل الدائب، ونائبه الدكتور محمد مصطفى بالحاج، والأمين العام الأستاذ عمار جحيدر، ووكيل المجمع الأستاذ أبو بكر سليمان، وقد جهدوا ما استطاعوا في القيام على تنظيم المؤتمر والندوة وأكرموا ضيفهم كل الإكرام، وبذلوا ما وسعهم الجهد في ذلك، شكر الله لهم، وأجزل مثوبتهم. وقد لقيت في هذا الجمع أساتذة لنا فضلاء وأصدقاء أوفياء من جامعة بنغازي وجامعة طرابلس بعُد العهد بلقائهم، فكانت هذه يدًا أخرى أسداها المجمع إلينا.
وفي المساء كانت الأمسية الشعرية، وكان فيها كثير من الشعر الراقي والإلقاء الرائق.
وزرت مكتبة الوليد لصاحبها الوليد مختار الناشر والتاجر، وقليل مثله في الناشرين اليوم، في صدق المعاملة، والوفاء بالحقوق، ومتابعة الجديد، وقد عرفته منذ زمن بتعريف صديقه ومثيله صاحب دار الساقية الأستاذ أحمد الليدي.
وكان لقاء مركز الشيخ علي الغرياني في تاجوراء حافلًا بالوجوه الطيبة والمودة الصادقة والحفاوة البالغة، لقينا عميد الكلية الدكتور كمال الهرامة، وهو كوالده الدكتور عبد الحميد في دماثة الخلق وحسن العشرة، ورئيس المركز الأستاذ نزار عبد الله عثمان، ومن المشرفين في المركز الشيخ محمد عمران العبيدي، ومن المعارف القدامى من العاملين الآن في المعهد العالي للعلوم الشرعية والإفتاء، وصار الآن كلية: الدكتور طارق الشيباني، ومن مؤسسة التناصح الأستاذ سهيل الغرياني، ثم كان لي لقاء من بعد في المركز في كلمة مدارسة في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ووجدت في إقبال الطلبة والطالبات وحرصهم على العلم ما يسر الخاطر، وقد أكرمنا بحضوره وطيب كلامه الدكتور محمد الحمادي وكيل الكلية، ولقيت أخي الأستاذ رمضان بوغالية حضر من مسلاتة، جزاه الله خيرا. وهذه الكلية الشرعية معهد أصيل للعلوم الشرعية، يقوم فيها التعليم على أساس متين من الأصالة والجد والإحاطة، زادها الله تشريفًا بعلوم الشرع الحنيف، وطلاب العلم الشريف.
ومركز الشيخ علي الغرياني هذا من أعمال البر عظيمة النفع، فهو مكتبة كبيرة مفتحة الأبواب لزوارها، مفهرسة إليكترونيا، يقدَّم فيها كل شيء مجانًا، من الإنترنت إلى المشروبات والمأكولات، وتعقد فيها الندوات والدورات، ويؤمها الطلاب للمطالعة والمذاكرة والدرس.
وكانت الغنيمة الباردة في زيارة دار إمكان لصاحبها الشيخ الشاعر الأستاذ الإعلامي محمد المزوغي، إذ سعدت بلقائه ولقاء ابنه مصدق، ومن قبل استمعت إلى شعره في الندوة الشعرية، وأهدى إلي من مطبوعات الدار ما نؤت بحمله، وكان أنفسه بعضًا من دواوينه ودواوين الأستاذ عمرو النامي رحمه الله، وهي سبع حتى الآن باشراف ابنته سمية، وديوان الشيخ عبد اللطيف الشويرف، أهداني نسخة التجربة منه، ولما يخرج إلى الناس، فجزاه الله خيرًا.
وجُلت جولة في المدينة القديمة وأسواقها صحبة أخي المكي المستجير، واشترينا الدشيشة من هنا، والشنة الكحلا من هنا، وجلسنا في مقهى لشرب السحلب هناك، ولقينا بعض الشباب من بنغازي من العاملين في السوق، فرحبوا بحرارة، وعرضوا ما شئنا من مساعدة، على عادتهم في حسن العهد، فشكرت لهم وأكبرت ذلك منهم.
ولقينا مصادفة في السوق الأستاذ الشيخ منير محمد خليفة زندوح من القائمين على نشر تراث الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله، ومن المشرفين على مركز الفتح للدراسات الإباضية، فعزم علينا أن نزورهم، فقبلنا الدعوة، وفي اليوم التالي كان لقاء ممتعًا، سررنا فيه في بيت الشيخ منير بلقاء الدكتور رضا محمد جبران، والأستاذ أبو بكر عبد السلام أبو سعد، والشيخ هشام سعيد الطمزيني، والأستاذ الشاعر معيوف مسعود حلاسة، وكان لقاء من أمتع اللقاءات يزينه أطايب الكلام والمأكل، وفي القلب منه البازين والشاي الأخضر وملحقاتهما، ثم زرنا مسجد الفتح في غوط الشعال ومدرسة القرآن ومركز الدراسات.
وفي أمسية من أمسيات طرابلس الجميلة جلسنا في مقهي في وسط البلد قريبًا من شارع الشط والسرايا ولقيت الأستاذ أبا بكر بلال الأمين، والإعلامي علاء العمامي، ومجلس الأحباب طويل كما يقال، وعلى مقربة منا مجلس لشعراء نعرفهم حييناهم وصافحناهم. وفي أمسية أخرى لقيت من طلاب العلم والقرآن الممتازين الشيخ خالد بوحجر، كان قرأ علي في بنغازي القرآن، وكان من أتقن الطلاب وأحسنهم فهمًا وأداء.
وفي أخريات الأيام انطلقنا إلى مصراتة، وكانت وجهتنا الأولى زاوية المحجوب، فزرنا مكتبتها وخلوتها ومعهدها، وقد أعجبني محافظتهم على تراث الزاوية على طرازه القديم، وفيه ذكريات من مروا هنا أو تعلموا أو علَّموا أو جاهدوا ورابطوا، وفيها المكتبات الخاصة التي وقفها ورثة العلماء عليها، وفيها نفائس وطبعات قديمة وخطوط عليها عتيقة. ولقينا المشرف على المكتبة الشيخ محمد المجري، والدكتور محمد مصباح المغربي، والدكتور الهادي الطويل، والأستاذ أبو القاسم عبد الله أبو القاسم، ومضيفنا على الغداء الحاج أبو بكر عمر المحجوب، والأستاذ أنس رفيدة منسق الزيارة ومضيفنا تلك الليلة، جزاه الله خيرًا.
وفي منزل أنس رفيدة لقينا والده الحاج رجب رفيدة بارك الله في عمره، وإخوته الكرام، والشيخ النابه المجتهد أستاذ العربية محمد أبو غولة، والدكتور ميلاد القذافي أستاذ البلاغة والأدب، لم ألقه منذ تعارفنا في مصر أيام الدراسة هناك، وما زال على سمته في قصه للنوادر وابتسامته ودعابته، حفظه الله.
وكان لا بد من زيارة مكتبة الشيخ أحمد الزروق، ولقيت هناك مدير المكتبة الدكتور حسين مصطفى بوعجيلة بارك الله فيه، أحسن استقبالنا وبقي معنا ساعات نتصفح المكتبة وأقسامها، وقد خلف والده رحمه الله في إدارتها، وكنت زرتها مرارًا، ولكنها ما زالت تتسع بحمد الله وتقتني النفائس من الكتب والدوريات، حتى إني وجدت فيها الطبعة الأولى من تفسير التحرير والتنوير التي كانت تصدر أجزاء، فصدر منها ثلاثة عشر جزءًا بين سنتي 1973 و1976 أي بعد وفاة المؤلف رحمه الله، وانظر تعليقة لي على نشر الكتاب في كتاب محاضرات الشيخ الفاضل ابن عاشور في المعاهد اللليبية في حاشية ص 19.
وفي جامع الزروق لقيت الأخ العزيز وابن العم عبد الله الفقي، والصديق الكريم الدكتور خالد الجهاني، لقيتهما على قدر، ولو تواعدنا لاختلفنا في الميعاد، والأرواح جنود مجندة. وكان ختام الزيارة يوم الجمعة في طرابلس عند أخي أنس الفيتوري على غداء بنغازي سخي وحديث أخوي غني في حضور الشيخ محمود الفاخري متعه الله بالعافية.
وأما أخي الطبيب الصيدلي الشاعر الشيخ الأستاذ المكي المستجير رفيقي في هذه الزيارات فما تركني لحظة ولا رد لي طلبا ولا قصر في حاجة يصغي بقلبه ويفيد بعلمه ويطرب بطرائفه ويعين بهاتفه وسيارته وماله وصِلاته.
جزاك الله عني كل خير *** وظني أنه عني جزاكا

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  2441