الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

خفيّ وقف الهبطي

محمد الصادق الخازمي

مقالة

تاريخ النشر: 2021/06/06
اقرأ للكاتب
خفيّ وقف الهبطي في كتاب التوضيح الجليّ للدكتور علي بن خيّال

الوقفُ من أهم دقائق اللغة، ومن أجمل ما تعتني به لتفصيل المعنى، وتقسيم الكلام، وتوضيح المقاصد، وتزيين البناء اللفظي أيضا؛ ولهذا كان للوقوف على بعض الجمل معانٍ لا تراها لو لم يقف القارئ عليها. وبمواضع وقفك تتعدد معانيك المحتملة، وتدخل به بابًا عظيمًا من أبواب التفسير، والتدبّر، والتأمل.
وجمالُ الوقفِ وحدَه لا يَكمُلُ إنْ لم تُحسِن الابتداءَ بعده؛ بما يكون ابتداءً موفّقًا غير نافر، ولا مستكرَهٍ ولا مجتث، فأنت في هذا الفن العظيم توازن بين الأمرين معًا؛ حسنِ وقفٍ، وحسنِ ابتداء.
وهذا الفنُّ اللغويّ العظيم بُعِثَ من علوم القرآن، وبقي يدور على كتاب الله، وأظنّ أنّ الإفادة منه في حقول الدراسات اللغوية لم تتمّ بالشكل الذي يوازي أهميّته، أمّا في النقد الأدبي؛ فالكتابة الشعرية الحديثة للشعر العمودي مثلا كان يمكن أن تتطوّر بشكل يجعل لها عقلانيّةَ المعنى، ويضمن تعدّدَ التوجّه؛ لو كان من تصدّوا للكتابة بها اطّلعوا اطّلاعَ عالِمٍ متذوِّقٍ لعلم الوقف القرآني.
وتلك مساربُ أخرى...
أمّا في الوقف القرآني؛ فإنّ الإمام الهَبْطي -رحمه الله- له الوقوفُ المنسوبة إليها، وقد دُوِّنت بعد وفاته كما حقّق ذلك الدكتور علي بن خيال في كتابه الذي أصدره بعنوان (التوضيح الجليّ لما خفي من وقوف الهَبْطي).
وهذا الكتاب مختصر من رسالته للدكتوراه، وعنوانها (الوقف عند الهبطي والسجاوندي بين المبنى والمعنى).
ولنا في هذه البلاد علاقة وطيدة بوقف الهبطي، فهو الوقف السائد في كتاتيبنا ومساجدنا، وتلقّاه طلابُ القرآنِ مشافهةً وكتابةً بالسند المتّصل عن شيوخهم.
ومن حسنات الـمُخرِج للكتاب أنّه رَبَطَ بين هذه الوقوف الهَبْطيّةِ وليبيا ربطًا بصريًّا؛ ففي صورة الغلاف شيخٌ ليبيٌّ يرتدي (الجرد)، وفرملة، ومعرقة بيضاء، يقرأ من مصحف، ولعمري إنها لتوطِئةٌ مستحقَّةٌ لهذا الوقف العظيم الذي اختُصّت به هذه البلاد من بين بلاد المسلمين، مع أنّ طباعةَ الكتاب في مصر وإخراجَه الفنيَّ فيها.
وأنت تلمح في ثنايا الكتاب أسلوبَ مؤلفه الهادئ الرصين المتشبِّع بروح العلم، والمتخلِّق بأخلاق الطلب، أمّا التدقيق فهو في الغاية منه، وأوّلُ تدقيقه بحثُه عن ضبط اسم الإمام الهبطي؛ بفتح الهاء وسكون الباء، وكنّا نسمعها من بعض العلماء بكسر الهاءـ وتحقيق أسماء الأعلام من دلالات العلم وفضله.
وهنا أقف عن الكلام المسترسل لأدوِّن بعض ما رأيتُه من ملاحظات عن الكتاب ومؤلفه:
• دافعُ تأليف الكتاب خفاءُ مباني الوقف على غير المختصّين، ولو أَوْسَع -وسيكون مصدّقًا لو فعل- لكان هذا الخفاءُ لاحقا بالمختصين أيضا.
• نفاسة مصادره التي لا تكاد تعرف عند غير الضليعين في الفنّ، خذ مثلا:
(لُقَط الفوائد من لفاظة حقق الفوائد)، تأليف أحمد بن القاضي، و(فهرس المنجور) لأحمد المنجور، و(درة الحجال في أسماء الرجال) لأحمد بن القاضي، و(سلوة الأنفاس...) للكتاني، ومنها بعض مخطوطات، مثل: (المحاذي لحرز الأماني) لمحمد بن عبد السلام الفاسي، ورسائل علمية لـمّا تطبع، مثل: (الهادي في معرفة المقاطع والمبادي) تأليف أبي الحسن الهمذاني العطار، وهي رسالة نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتحقيق سليمان بن أحمد الصقري.
• تحقيق نسبة الوقف إلى الهبطي، والحديث الجميل عن عبارة القادري: "وعنه قيد الوقف" بالبناء للمعلوم أو المجهول في (قيّد)، ثم إيراد أسبابه لتحقيق التقييد عن الهبطي في ص23.
• التتبّع التاريخي لأول مصدر وردت فيه رسم علامة الوقف (صه)، أو (ص)، وهو مصحف الأميرة مريم بنت السلطان محمد بن الشيخ السعدي، وكان الفراغ منه فاتح شعبان عام سبعة وستين وتسعمائة، ولون علامة الوقف فيه كتبت بالأخضر الباهت.
• ومن تجديده اقتراحه استبدال علامة الوقف في المصاحف التي التزمت وقف الهبطي، وذلك للظنّ أنّ دلالة (صه) غير واضحة، أو استثقال أن تكون بمعنى (صهٍ) أي اسكت، واستدركَ أنّ الرمز من التراث، وقد يصعُبُ على الناس قَبولَ استبدالِه، بَيدَ أنّ استدراكه على الرمز لا يقوم له ما يسنده سوى أنّ رموزَ الوقف التي كُتِبت على المصاحف، وكلُّها جاءت بعد رمز الهبطي، لها دلالات معنوية، ومن ذلك: (لا) للممنوع، و(قلي) للوقف أولى، و(صلي) للوصل أولى، وغيرها، والواضع الأول لا يُلزَم بمن جاء بعده، ومن كان وقفه واحدا لا خيار فيه ليس بحاجة لتقريب معنى رمزه للفهم، والعلاقة بين العلامة ومدلولها يُكتفَى فيه بثبوت الصلة، ووضوح الدلالة، والدلالة عند الهبطي هي الوقف وحسب، من غير تفصيل، فما حاجة من لا يفصل إلى التغيير إذا استقرّ في ذهن القارئ المعنى المراد؟
• والأخذ على الهبطي وضع علامة الوقف على آخر السورة بحجة أنّ ذلك يخالف أصول رواية ورش من طريق الأزرق، وهو الرأي الذي ذهبت إليه اللجنة المشرفة على (المصحف المحمدي)! مراعاة لطريق الأزرق عن ورش، ويميل الشيخ علي بن خيال إلى تأييد عمل لجنة المصحف المحمدي، وأميل إلى غير ما مال إليه؛ إذ للهبطي في الفصل بين السورتين بالبسملة حجة من رواية قالون، وغيره من القراء.
• عند شرحه الذي أفاض به عن مذهب (التمام) عند نافع يتّضح للقارئ أن الإمام الهبطي متّبِعٌ في وقوفه للإمام نافع، وهي فكرة لم تؤكَّد كما ينبغي حسب رأيي، ثم عاد الشيخ علي فأفرد لها سطرا مستأنفا، في منتصف ص51، وكان حقها أن تفرد بعنوان.
• كتبت الآيات في الكتاب بمصحف حفص، وقد يقع أن يخالف موضع الشاهد كتابة الآية، كما في قوله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى) فوجه عدم وقف الهبطي هو قراءته بقراءة نافع (واتخَذوا) بصيغة الماضي، ويقرأ غيرُه (واتخِذوا)، لكنها كتبت في الكتاب بالرسم القرآني على رواية حفص، وعندي أنه لو لجأ إلى كتابتها بالإملاء العادي لكان أوضح وأفضل في حال تعذر كتابتها بقراءة نافع. وكذا في قوله تعالى (سارعوا إلى مغفرة من ربكم) في سورة آل عمران، وغير نافع يقرؤها بالواو.
• ومع ذلك فإن الهبطي قد خالف الإمام نافعا في بعض مواضع، ومنها تركه الوقف على قوله تعالى (ببابل)، ووقف بدلا منه على (هاروت وماروت)، وهو مبحث يستحق نظرا وتأملا، وللإمام نافع بصيرة، في مواضع وقف لطيفة، هي أولى بالبحث والتخريج.
• وعندما أشار إلى خمس سورة المؤمنون ذكر الآيات الخمس التي يصلها الهبطي ولا يقف بينها في الهامش، وقد أصاب، وقرّب القارئ، وخدمه بذلك.
• ثم إذا جاء المبحث الثالث (مواضع الوقف الخفي عند الهبطي)؛ فأنت أمام سياحة فكريّة لغوية في تفسير القرآن الكريم، وإعجازه، ووجوه الحذف والتأويل، ومراعاة المقاصد، وإجلال المولى، كل ذلك بإسناد وبيان من أئمة اللغة: الزمخشري، والرازي، وأبي حيان، وابن عطية، والسمين الحلبي، والأشموني، وابن عصفور، وغيرهم...
• وهذه الستون نماذج، فقد يأتي بعلة الوقف، وسببه، ثم يورد مواضع من آيات أخرى تشبه هذا الوقف، فكأنّ اختياره للستين موضعا اختيارٌ لستين مسألة، أو قضية من وجوه الوقف وعلله.
• وممّا يميز الشيخ علي عبارته المختصرة، واكتفاؤه بجمل قليلة تدل على معان جيدة، ولو فصّل لكان قادرا على التفصيل مكينا فيه، ولكنه يؤثر الاختصار غالبا، من غير إهمال في المعاني، أو تقصير في البيان، فعبارته تشبه عبارة الأقدمين، ولا جرم فإن كثرة المطالعة لهم صَبغَتْ عليه صبغةً من جميل أسلوبهم المحكم، ففي وقف الهبطي مثلا على قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبئاء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لو يؤتِ أحدا من العالمين)، يقف الهبطي على ملوكا. ويستأنف: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين)، ووجهُه أنّ الخطاب في (وآتاكم..) وما بعدها لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، فكأنه التفاتٌ وتسليةٌ لهم بعد ذكر مناقب بني إسرائيل، ثم يورد الدكتور علي أنّ الجعبري انتبه لهذا الوقف على قلة من انتبه إليه، وجعله تاما، ثم يعقب بعبارة صغيرة مختصرة: "وترجيح الجعبري مرجوحٌ بالسياق" ولو شاء لأطال، لكنه اكتفى بذكر ردّ التوصيف والعلة في أقصر عبارة، ولو شاء لأطال، لكنه اكتفى بذكر ردّ التوصيف والعلة في أقصر عبارة.
• استخدام مصطلح (تلوين الخطاب) للدلالة على التعدد، وقد ساير فيها المحدَثين
• ولا يتعصب الدكتور علي للهبطي -مع أنه الوقف المعتمد في بلاده-، ويذكر في كثير من المواضع أن اختياره مرجوح، كما في وقفه على (نفسي) من قوله تعالى: (قال رب إني لا أملك لا نفسي وأخي).
• ومن أهم المسائل التي تُراعى في الوقف العقائد، وهي علّةٌ تُراعَى لبيان بعض المعاني، والخوف من لبس بعضها، ومن أوضح الأمثلة على ذلك الوقف في قوله تعالى في سورة الأنعام: (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) يقف الهبطي -رحمه الله- على لفظ الجلالة، ويقول العلماء عن هذا الوقف إنه وقف أهل المعرفة، ولعلهم يقصدون المتصوّفة، والوقف على السماوات، وقف الحنابلة، وعلى جهركم وقف أهل المعاني، وعليه أكثر أهل التفسير، وعلى (الأرض) وقف المتكلمين، ويورد الدكتور علي كل تلك الاحتمالات بلغة صافية بعيدة عن التعصب لهذا، أو ضد ذاك، ثم يرجح الوقوف على (الأرض)؛ لأنه اختيار عامة أهل التفسير، ولكن بعد أن أبان وجه الهبطي في اختياره.
• ويسجل انفراد الهبطي في الوقف على الغنم من قوله تعالى في سورة الأنعام: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما...الآية).
• ومواضع قرآنية الوقف فيها مزيِّنٌ للمعنى، ومبيِّنٌ له، وقد يفوت المعنى بالوصل، كما في قوله تعالى في الأعراف: (أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جِنَّةٍ إن هو إلا نذير مبين) فالوقف على يتفكروا، والاستئناف بما فيه معنى قد يذهب بالوصل. وكذا في قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون)، فالوقف على قوله (من الخير) فيه لطيفة نفي السوء عنه، هو الجنون الذي رُمي به، وهو معنى آخر غير معنى العطف الذي قد يفيده الوصل، وهو لاستكثرت من الخير ولما مسني السوء.
• الأدب مع العلماء فعند نقاشه وقف الهبطي على (فاختلط) من قوله تعالى: (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام...) الآية أورد ما في المسألة من نقاش لغوي، وكان منها عبارة الأشموني، وقد أغلظ فيها العبارة على هذا الوقف، ووصفه باللغو والتعقيد، فعقّب الشيخ علي بأدبه الجم، "ومع ترجيح الوصل فإنّ في كلام الأشموني من المبالغة ما لا يخفى على المتأمّل" فلم تُغرِهِ مناصرةُ قولٍ والميلُ إلى ترجيحِ رأيٍ إلى التشفّي في المخالف؛ إذ إنّ وجودَ وجهٍ من التأويل مهما بَعُد هو مبعثُ احترامِ العالم المتأمِّل المدقّق وليس محل استهزاء وتشنيع.
وهذا الاحترام يشمل المتقدمين والمتأخِّرين، فعندما ناقش وقف الهبطي على (جاءكم) في قوله تعالى من سورة يونس: (قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحرٌ هذا) الآية. وأورد ما فيها من وجوهٍ لطيفة في الفصل بين الاستفهامين، ثم كان لا بد من الرد على من ضعّف هذا الوقف، فقال: "ولـمّا كان الوقفُ صحيحا لم يكن صوابا حكم الدكتور وكّاك عليه بأنه ضعيف...".
• ومن لطيف نتائجه: أن وقوف التمام لا تتقيد بالمتعلقات إذا تم المعنى المقصود.
• دقيق تفصيل المعاني كما في قوله (الشيطان سول لهم وأملى لهم) فالتسويل من الشيطان، والإملاء من الله.
• قلة استشهاده بالشعر تيسيرا مع كثرة محفوظ الشيخ وعنايته بالشواهد.
• الانتصار للسهولة والوضوح، مع تسليمه بعظمة الوقف وجماله في بعض الأحيان، ومن ذلك أنه شرح شرحا جميلا وجه وقف الهبطي على كلمة (عمّ) في بداية سورة النبأ، وبعد إفاضته قال: "ومع ما في هذا المعنى من جمال، وغوصٍ بعيد في استخراج المعاني فإن الوقف على (يتساءلون) أولى عندي بالقبول والنصرة لوضوحه".
والكتاب بعدُ ماتِعٌ لطيف جميل، وهو لبنة عظيمة في دراسة وقف الهبطي، وفي المعاينة والقراءة ما يزيد على ما وصفتُ، والله أعلم.
محمد الخازمي
محمد الوليد2021/06/06
جزاك الله خيرا وبارك فيك دكتور محمد على هذا التعريف بالكتاب
saleh daikisصالح الدعيكي 2021/06/06
بارك الله فيك
حمزة عوكيش2021/06/07
جميل
فتح الله لك وجزاك خيرا

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  6528