الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

الثقافة والثقافوية

علي يونس

مقالة

تاريخ النشر: 2021/04/24
اقرأ للكاتب
المثقف في معناها اللغوي القديم: تعني المقوّم والمصقول، ثقَّف العصا، أي قوّم اعوجاجها حتى صارت مستقيمة، ثم استعيرت للشخص المتعلم، وهو الذي أقام ما اعوج من جهله وفهمه، فصار بعد تعلّمه مصقولا بالعلم مستقيما به، فكل من كان اطلاعه علي المعارف واسعا جدا، ثم انعكست هذه المعارف المكتسبة على عقله ولسانه، فصار حسن الفهم جيد الرأي يحسن القول وإيراد الحجج والتفريق بين المختلفات، ثم صار بهذا كله مفكرا ينتج معرفة وفكرا ويستأنس برأيه في المعضلات، فهو مثقف، فالثقافة هنا حال وصفة وسيلتها القراءة والفهم لا غير.
ثم صارت الثقافة شيئا آخر، علما على طقوس معينة، ليست هي القراءة في حد ذاتها، وإنما خليط من: تبني آراء جاهزة، واهتمامات محددة، وكتب معينة، ونمط من السلوك والتصرف والحديث؛ من كان على هذه الشاكلة فهو المثقف، وإن كان طبلا أجوف من المعرفة، وحمارا لا يفهم الكلام ولا رد الكلام.
هناك مشكلة بنيوية حين يتبنى جميع المثقفين كودا فكريا واحدا، الناس طباعهم مختلفة وظروفهم مختلفة، ولا يَتوقع أحد أن يقرأ ألف إنسان مليون كتاب ثم يخرجون جميعا منها برأي واحد ولون واحد، هذا لا يحصل عادة في الاجتماع الإنساني.
وإذن فما سر هذا الاتفاق العجيب! الأمر أن الثقافة لم تعد عَلَماً على الصفة التي تحصل نتيجة لعملية القراءة المكثفة، وإنما هي صفة لنتيجة محددة، يمكنك أن تصلها بالقراءة أو بدون القراءة، فمن قرأ كتب المدرسة مع روايتين وجمهرة من الاقتباسات الفكرية والاكليشيهات الثقافية واكتفى بذلك، ولكنه كان منضبطا بالكود الثقافوي الجاهز، فهو مثقف، وأما من قرأ عشرة آلاف كتاب ثم كانت آراؤه أو نمط سلوكه مختلفا عن الكود الجاهز للثقافة، فليس بمثقف.
أرأيت! "مصادرة على المطلوب" كما يجب أن تكون. ليس من شرط المثقف أن يكون نسويا، ديمقراطيا، مساواتيا، يحب قصيدة النثر، ولوحات فان جوخ، وكتابات سيوران، وموسيقا الجاز، قد يفعل كل ذلك وأكثر منه، وقد لا يفعل منه شيئا، ولكن ها هنا نقرتان بعيدتان، لا صلة بينهما.
المثقف قد يكون ليبراليا وقد يكون محافظا، تقدميا أو رجعيا، نسويا أو ذكوريا، مع الشعب أو مع السلطة.
وليس ما يغيظني هنا بالمقام الأول هو هذا التلاعب الاصطلاحي واللغوي، ولكن ما يتسبب به هذا التحريف في معاني الأشياء من واقع سيئ، شيء يمكن أن نسميه شعبوية ثقافية، وذلك أن الغبي الذي لا يفهم -المسمى مثقفا مجازا- ولأنه غبي فهو لا يحسن التعامل مع الأفكار، ويمسك فكرة كالنسوية فتخرج على يديه احتقارا للذكور، وفكرة كاحترام الأقليات فتخرج علي يديه عنصرية ضد الأكثرية، وكاحترام الأديان الأخرى -اليهود مثلا- فتخرج عداء للفلسطينيين، وكالتشكيك في القديم فتخرج الثقة بكل جديد...إلخ.
كل ذلك في لهجة حازمة حاسمة تدعي اليقين المطلق عمليا، وإن كانت تعلن بلسانها رفضها له.
الأمر لا يتوقف هنا، فمع احتكار الثقافة بالتعريف، فهناك معاملة تفرض نفسها، وهي تصنيف كل من لا يشاركهم هذا الكود الثقافوي على أنهم أغمار الناس وجهالهم، فإذا جاء هذا المختلف وبدا له أن يناقش أحدا منهم، فإنه مهما أظهر من دقة في المنطق وقوة في البرهان، فإنه لن يظفر بأقل من معاملة استعلائية تهكمية، ويقين مسبق كالإيمان في صحة الموقف الشخصي وخطأ موقف المناقش، ولم هذا؟ لأنه وطن نفسه على أن كل الآراء المخالفة لكوده الثقافوي هي آراء السوقة والأغمار، وحق هؤلاء تعليمهم لا مناقشتهم.
ثم إن المواقف المضللة لا تقف عند هذا الجانب، فالآخر المناقض لهؤلاء يقر لهم أيضا بصفة الثقافة بهذا المعنى، وهو بدلا من أن يأخذ موقفه المضاد لأفكار بعينها، فموقفه المعلن هو رفض الثقافة من بابها، لأنها عنده لا تعني سوى تلك الآراء المحددة.
والنتيجة كما ترى صفر علي كل الجبهات.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيس بوك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  4217