الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

نكسة

عبد اللطيف الشويرف

شعر

تاريخ النشر: 2021/04/20
اقرأ للكاتب
إذا أنتَ عوفيتَ رُوحا ونَفْسَا
فحاذِرْ رُجوعا إلى السُّقْمِ نَكْسَا

وخَيْرُ الوِقايةِ ما كانَ حَزمًا
وفَتْحَ العيونِ انتباهًا وعَسَّا

وما في الشفاءِ انتفاعٌ إذا ما
أعادَ الصداعَ يُحَطِّمُ رأسَا

كحفلٍ بهيجٍ يَضِجُّ سرورًا
غدَا مأتمًا بَعدَ أنْ كانَ عُرْسَا

وآمالُ بِشْرٍ صَفَا جوُّها
فراقَ صباحًا وباليُمنِ أَمسَى

فباتَ زوابعَ تَقْصِفُ رعدًا
وتُفْسِدُ جَوَّ الصفاءِ وطقسَا

كَتَبنا انتصارًا بباهظ بَذْلٍ
فهانَ علينا وبِعناهُ بَخسَا

خَرَقْنا القوانينَ طُولًا وعَرضًا
ودُسنا على العَدلِ رَكْلًا ورَفْسَا

وقَدْ رَجَعَ الحُزنُ بَعدَ ابتهاجٍ
ولَمْ نَذُقِ الأمنَ بَردًا وأُنسَا

ومَنْ عندهُ قوةٌ وسلاحٌ
يُحَكِّمُ رأيًا ويَفْرضُ نَفْسَا

ويُغْلِقُ دَربًا ويُربكُ سَيْرًا
ويُعْمِلُ في الناسِ خطفًا وحَبسَا

يَدُقُّ طبولًا لِحَرْبٍ وغزوٍ
يُجَرِّدُ سيفًا ويَشْهَرُ فأسَا

ويدعو ثُبورًا ويُنْذرُ ويلًا
يهددُ بالسَّحقِ والمَحقِ إنسَا

توارت وجوهٌ وحَلَّ مثيلٌ
تساوَوا جميعًا نَكالًا وبأسَا

ولَمْ يَفترِقْ في الحقيقةِ فِعْلٌ
فكُلٌّ يُثَبِّتُ لِلرعبِ غَرْسَا

ثقافةُ عنفٍ وإرثٌ قديمٌ
وحاضرُ يومٍ يُجدِّدُ أمْسَا

ومَنْ لُقِّنَ الرعبَ نَفْسًا ورُوحًا
بنَهْجِ الذينَ مضوا يَتأسَّى

وألسنةُ الحقِّ فينا تعالتْ
بصوتِ المُنَبِّهِ يَقْرَعُ جَرْسَا

ولَمْ تألُ جُهدًا لِوقفِ نزيفٍ
من الدمعِ يُهْراقُ صبحا ومَمْسَى

ونادت لِرأبِ الصدوعِ وصُلحٍ
ولُقيا الحوارِ على العدلِ يُرْسَى

وحثَّتْ على فَتْحِ عَهْدٍ جديدٍ
ونَطوي الذي فاتَ طيًّا ونَنسَى

ولكنْ دعاةُ القتالِ تمادَوا
ولجُّوا عُتُوًّا نُفورًا ورَكْسَا

ولَمْ يَستجيبوا لِرائدِ صِدْقٍ
وكانوا عنِ السمعِ صُمًّا وخُرْسَا

أجابوا برشِّ الرصاصِ حوارًا
وردُّوا على الصُّلحِ حربًا وضرسَا

وضَرْبُ المدافعِ أضفى صُدوعًا
وضاعفَ هَمًّا وعَقَّدَ لَبْسَا

ودكُّوا المساجدَ بالراجماتِ
وإنَّ لها حُرُماتٍ وقُدْسَا

وقَدْ أَذِنَ اللهُ فيها ارتفاعًا
فقوَّضها البَغْيُ هدمًا وبَسَّا

ومات المُصَلُّونَ مستغرقينَ
دعاءً وذِكْرًا سِرارًا ونَبْسَا

ودُورٌ لِعِلْمٍ مصابيحُ نُورٍ
تَبُثُّ المعارفَ بَحثًا ودَرْسَا

فدمَّرها الظُّلمُ شَرَّ دمارٍ
فآلتْ حطامًا كثيبًا وكُدْسَا

وكانت حياةً وكنزَ عطاءٍ
فحوَّلها الحقدُ للموتِ رَمْسَا

وقَصْفُ القنابلِ عشواءَ عُمْيًا
تُقَطِّعُ رِجلًا وتَفْصِلُ رأسَا

تُيَتِّمُ طِفلًا وتُثْكِلُ أُمًّا
وتَقْتُلُ شيخًا تُؤَيِّم عِرْسَا

وتأتي الصورايخُ تُكْمِلُ دَورًا
فتَحْرِقُ زَرعًا طَرِيًّا ويَبْسَا

تَهُدُّ البيوتَ على أهلها
كأنْ لَمْ تُعَمَّرْ وِدادًا وأُنْسَا

تُشَرِّدُ ناسًا بكلِّ فِجاجٍ
فهامُوا وذاقُوا عَذابًا وبؤسَا

تَعرَّت جُسومٌ وجاعتْ بطونٌ
فلا البطنُ يُغْذى ولا الجسم يُكْسَى

وفي غمرةِ العنفِ غُيِّبَ عقلٌ
فغاب الحكيمُ اتزانًا وكَيْسَا

وسادتْ معاييرُ إفكٍ وزورٍ
وقَدْ قُلِبَ الحقُّ ضدًّا وعَكسَا

تولَّى أمورَ البلادِ لصوصٌ
فكانوا ذئابًا جياعًا وشُرْسَا

وقد أَكلوا ثروةَ الشَّعبِ أكلًا
بكلتا اليدينِ ابتلاعًا ولَحْسَا

وصفّوا الخزائنَ مِنْ كلِّ نَقْدٍ
ولَمْ يَتركوا الكَسْرَ قِرشًا وبِنْسَا

وراجتْ لِبيعِ الأمانةِ سُوقٌ
فأثرى الذي خانَ وابتزَّ مَكْسَا

وذو الحقِّ في المالِ أضحى فقيرًا
يَمُدُّ يدًا يَسألُ الناسَ فَلْسَا

ويُؤْلِمنا أنَّ مَنْ عَذَّبونا
ومَنْ مَزَّقوا اللحمَ نَهشًا ونَهْسَا

همُ إخوةُ الدمِ أصلًا وفَصْلًا
وأرحامُنا عُمْقَ جِذْرٍ وأُسَّا

ويَجْمَعنا وطنُ العزِّ ليبيَا
ترابًا وشَعْبًا ودِينًا وجِنسَا

ولَمْ نَبْغِهمْ بالإساءةِ شَرًّا
ولَمْ نَخُنِ العَهدَ مَعْنًى وحِسَّا

ولَمْ تَحْمِلِ اليدُ منّا سلاحًا
ولَمْ نَتلطخْ دماءً ورِجسَا

ونَغبطهمْ في الرخاءِ سرورًا
إذا ما تأذَّوا نَئِنُّ ونَأْسَى

فكيفَ يُذيقوننا الطَّعْمَ مُرًّا
ورُعبًا نُجَرَّعُ كأسًا فكأسَا

ونَجْتَرُّ في كلِّ يومٍ بلاءً
نموتُ ونحيَا رُباعًا وخَمسَا

لماذا نُكافأ بالحُبِّ كُرْهًا
وبالسِّلمِ حَربًا وباليُمْنِ نَحْسَا

ونحنُ نعدُّهمُ ظَهْرَ عونٍ
وعند الكريهةِ دِرعا وتُرْسَا

ألا إنَّ سهمَ الأباعدِ قاسٍ
ولكنَّ سهمَ الأقاربِ أقسَى

مآسٍ توالتْ علينا تِباعًا
وليلٌ يطولُ ويَشتدُّ دَمْسَا

وأثخنتِ الجسمَ أنواعُ جرحٍ
بسيفٍ وسكّينِ غَدرٍ ومُوسَى

ومَنْ لَمْ يَجِدْ غيرَ إبرةِ خيطٍ
تطوَّعَ بالشرِّ وَخْزًا ونَخْسَا

وما قلتُه جملةٌ واختصارٌ
ولَمْ يَعْدُ عَرضًا سريعا ولَمْسَا

وتبقى الحقيقةُ أضخمَ حجمًا
وأبشعَ وجها وأوجعَ مَسَّا

ولكنْ على الرغمِ ممّا دهانا
مِنَ السوءِ ما فاق وصفًا وحَدْسَا

ففي آخِرِ النفقِ المدلهمِّ
بصيصٌ من النورِ يومض قَبْسَا

وفي سورةِ الشرحِ بُشرى رجاء
فقدْ غلبَ اليسرُ عسرًا ويأسَا

فلا تَهِنوا واستعينوا بصبرٍ
فبالصبرِ تُشْفى الجِراحُ وتُؤْسَى

وهُبُّوا لِكيْ توقِظوا مَركبًا
تقاذفهُ الموجُ يَبْغيهِ غَطْسَا

ولا تَسرقوا ثورةً طَهَّرَتْ
مِن الأرضِ حُكمَ الطغاةِ ورِجسَا

ولا تقتلوا بسمةً أشرقتْ
ولا تَقْلِبوها انقِباضًا وعَبْسَا

وكيفَ نُفَوِّتُ موسمَ حَرثٍ
ونُبْدِلُ بالخِصبِ قَحطًا ويُبْسَا

سيأتي بإذنِ الإلهِ انفراجٌ
ويُسْفِرُ صبحٌ ويُطْلِعُ شمسَا

ويُبْحِرُ مركبُنا في سَلامٍ
وباسمِ المهيمنِ مَجْرًى ومَرْسَى

ويَرجِعُ فوجُ الحَمامِ طَروبًا
فيَحْمِلُ غصنَ الأمان وأُنْسَا

وبَعْدُ فقد مَحَضَ الشِّعرُ نُصحًا
وبَلَّغَ رمزًا وجهرًا وهَمْسَا

فطوبى لِمنْ كانَ حيًّا سميعًا
وتبًّا لموتى القلوبِ وتَعْسَا

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  4579