الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

محمود الطناحي في ذكرى وفاته

منيب ربيع

مقالة

تاريخ النشر: 2021/03/23
اقرأ للكاتب
في الثالث والعشرين من شهر مارس سنة 1999م غيّبَ الموتُ الأستاذ محمود محمد الطناحي، وهو يومئذ متربع على عرش العربية الشريفة، وعلمٌ من أعلامها الذائدين عن حياضها المدافعين عن علومها، وإمام من أئمة تحقيق تراثها وتقديم نصوصها، ومرجعٌ يعود إليه الدارسون في حل مشكلاتها وكشف معضلاتها ومعرفة ما نُشر وما لم ينشر من كنوزها.
والقارئ لما خطّه الأستاذ الطناحي بيده الكريمة لا تُخطئُ عينه كثيرا من الصفات الإنسانية العالية التي كان يتمتع بها، ومنها:
1- تواضعه الجم وهضم النفس فتراه -وهو العلَم- يقرن نفسه مع "الدكاترة" الذين اتخذوا من الدرجة العلمية وسيلة كسب وباب رزق، فيقول: "أما أنا وأنت من حملة الدكتوراه، فدعنا نرتزق"، ويصف التحقيقات العالية لبعض كتب التراث بما هي جديدة به كأن يقول مثلا عن طبعة كتاب ما بأنها أكلت الطبعات التي سبقتها، فإذا تحدث عن طبعة كتاب له اكتفى بقوله: "رضي عنها الناس".
ومن تواضعه حديثه عن تلاميذه الذين تلقوا عنه وتعلموا منه، فتراه يذكرهم بالخير ويكتب مثنيا عليهم، ومن هؤلاء تلميذه الدكتور عياد الثبيتي الذي حقق على يديه ما انتهى إلينا من كتاب "البسيط" لابن أبي الربيع، وقد كتب الأستاذ الطناحي مقدمة الكتاب عند صدوره، وفي المقدمة ذكر الدكتور الثبيتي بخير يستحقه
وفي مقدمة "منال الطالب" لابن الأثير ذكر بالثناء أسماء تلاميذه الذين سعدوا بصحبته في جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
2- إجلاله لأهل العلم الذين تلقى عنهم أو لقيهم أو أفاد منهم، فلا يذكر أسماءهم الكريمة إلا مقرونة بالتقدير مصحوبة بالإجلال، وكتابه "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي" خير شاهد على إجلاله -رحمه الله- لأهل العلم، وتراه في غير "المدخل" يثني على أستاذه الدكتور تمام حسان بأنه علّم طلابه أن يقرأوا الجديد من غير اجتواء القديم، ويذكر الدكتور كمال بشر بأنه كان هادئ الطبع في معالجة قضايا العربية ومقارنتها باللغات الأخرى، ويتحدث عن الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة في غير موضع، فمما يصفه به عكوفه على كتب العلم عكوف العالم الصابر الذي ترك الشهرة خلف ظهره ودبر أذنيه.
3- أمانته العلمية العالية، فلم يكن -رحمه الله- متشبعا بما لم يُعط أو لابسَ ثوب زور، ومن أمانته التي أشار إليها أنه لم يستبح لنفسه أن ينقل تخريج غيره لبعض الشواهد، بل كان يفيد من التخريجات الجيدة ثم يحيل عليها.
4- وفاؤه بالأزهر الشريف؛ فقد تلقى فيه تعليمه الابتدائي والثانوي، وظل على وفائه له وبره به، فلم يصنع ما صنعه غيره ممّن تنكروا للمعهد العريق الذي تلقوا فيه علومهم ومعارفهم، بل كان يذكر أيامه التي خلت في رحابه، ويثني على بعض علمائه، فيصف الشيخ عبد الغني عبد الخالق بأنه الشيخ الأصولي الفقيه الأديب، ويقول عنه: "وقد أحسن إليَّ كثيرا، وقربني من مجلسه في أول اشتغالي بالعلم".
ويتحدث عن الشيخ أحمد صقر والد المحقق المعروف الأستاذ سيد أحمد صقر، فيقول: كان أستاذا بكلية أصول الدين، وما زلت أذكر سمته؛ إذ كنت في العاشرة من عمري تلميذا بمدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وكان رحمه الله يتردد على هذه المدرسة مع مجموعة من علماء الأزهر الذين كانوا يتعهدون مدارس تحفيظ القرآن حسبة وزلفى إلى الله".
ويذكر الطناحي انتفاعه بما درس من كتب في المرحلتين الابتدائية والثانوية بالأزهر الشريف، فيذكر من كتب الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد: التحفة السنية، وشرح المقدمة الأزهرية، وتحقيقاته لشرح قطر الندى، وشرح شذور الذهب، وشرح ابن عقيل، وأوضح المسالك لابن هشام، ثم يقول: "وهذه الكتب الستة بهذا الترتيب كانت مقررات الدرس النحوي في المرحلتين الابتدائية والثانوية بالأزهر الشريف، أدركته وانتفعت به، والحمد لله".
وكان الطناحي رحمه الله معتزا بالسنوات التسع التي قضاها طالبا في الأزهر الشريف، ويصف هذه السنوات بأنها ملأت شرايينه بدم العربية، وكست عظمه لحم الفصحى، فهي أيام عزيزة عليه يحرص عليها، ويذود عنها، ويفخر بها.
ويدلُّ على اعتزازه بها ما قاله في الحفل الذي أقامته كلية اللغة العربية لتأبين الأستاذ محمود شاكر؛ إذ كان الطناحي -رحمه الله- على رأس المدعوين، وقد ألقى محاضرة قيمة عن "التحقيق"، صدَّرها بحديث عن مكانة الأزهر الشريف عند الأستاذ محمود شاكر، ومنزلته لديه، وعن أصدقاء الشيخ من علماء الأزهر عامة، ومن كلية اللغة العربية خاصة، ثم ذكر شيئا من ذكرياته هو؛ فقال: "كنا في الخمسينات طلابا في معهد القاهرة الديني، وكنا نمر أمام كلية اللغة العربية بالغداة والعشي، فتتخطفنا مشاعر من الهيبة والجلال، ولما قُدِّر لبعض أبناء جيلنا أن يلتحق بالجانب الغربي (دار العلوم) لم ننكر أزهريتنا ولم نخلع عمائمنا، بل ظلت مستترة في الضمائر يمنع من ظهورها التعذر، ولا يمنع من ظهورها الثقل".
رحمه الله رحمة واسعة.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيس بوك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  3232