الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

هل من جديد في لقاء الميم الساكنة الباء؟ (2)

محمد خليل الزَّرُّوق

بحث

تاريخ النشر: 2021/02/10
اقرأ للكاتب
أربعة من العلماء حتى الآن يرون أن الخلاف المحكي في حكم الميم الساكنة إذا لقيت الباء لفظي، وأن المنطوق واحد، وهم ابن الباذش الأب وابنه من المائة السادسة، والقيجاطي من المائة الثامنة، والقلقيلي من المائة التاسعة، وكلهم جاء بعد الداني، وهو من المائة الخامسة، والظن أيضًا أن كل من حكى الخلاف على أنه خلاف حقيقي فهم قوله على غير وجهه، لأنه قال: "فعلماؤنا مختلفون في العبارة".

وقد نشر الشيخ أحمد المجلاد -وفقه الله- على صفحته على الفيس بوك يوم 19/7/2020م نصًّا من كتاب "غنية المريد، لمعرفة الإتقان والتجويد"، لمحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن مفلح القَلْقِيلي من أهل المائة التاسعة، وقد ترجمه السخاوي في الضوء اللامع 7/42 ترجمة حطٍّ وإزراء على عادته في من لقي من معاصريه من غير مشايخه ومن يرضى عنه من تلاميذه كما نبه على ذلك الشوكاني في البدر الطالع في ترجمة السيوطي.

ولم أكن اطلعت على كلام القلقيلي من قبل، فوجدت الرأي الذي ذهبتُ إليه قبل إحدى عشرة سنة في شأن لقاء الميم الساكنة الباء قد ذهب إليه، فحمدت الله تعالى أن هداني إلى الصواب، ولم أجد أحدًا من المعاصرين الآن يقول به، وهو قول ابن الباذِش أبي جعفر أحمد بن علي (-540هـ)، أخذه عن أبيه أبي الحسن علي بن أحمد (-528هـ)، وهو أن القراء متفقون على إظهار الميم الساكنة عند الباء، وأن الخلاف المحكي عنهم عند العلماء من بعد الداني إنما هو خلاف لفظي، اختلفوا في التعبير عن هذا الإظهار مع الغنة المبينة شيئًا، فبعضهم سماه: إظهارًا، وبعضهم سماه إخفاء، قال أبو الحسن بن الباذِش: "ولا يتجه إخفاؤها عندهن إلا بأن يُزال مخرجها من الشفة، ويبقى مخرجها من الخيشوم، كما يُفعل ذلك في النون المخفاة... فإن أرادوا أن يكون الإخفاء رفيقًا غير عنيف، فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهارًا أو إخفاء" (الإقناع 1/181-182).

وإلى مثل هذا ذهب القَيْجاطي (-811هـ) فيما نقل عنه الـمِنْتُوري (-834هـ) في شرح الدرر اللوامع، قال: "ومن عبَّر من الأئمة بأنه يخفى مع الباء فلم يرد بذلك حقيقة الإخفاء، وإنما أراد أن يحذر القارئ من الإسراف والتعسف" (شرح الدرر 2/859).

فها قد وجدنا عالـمًا آخر يذهب إلى ذلك، وهو القَلْقِيلي، قال في كتابه "غنية المريد لمعرفة الإتقان والتجويد" (ص 237-239): بعد أن نقل كلام ابن الباذِش وأبيه: "وما قاله الإمام أبو الحسن بن الباذش هو الصحيح، وإذا كان أئمة النحويين لم ينصوا عن العرب جوازَ الإخفاء، وهو ظاهر الامتناع في القياس والنظر... ولا بَيَّن مَن عبَّر في ذلك بالإخفاء من أهل الأداء والعربية حقيقة مراده - لم ينبغ أن يحمل إلا على الإظهار الذي ليس فيه فحش ولا تنفير... والأداء قاض على العبارة، ولا تُحمل عبارة الإخفاء على ظاهرها، فإنه لفظ يحتمل أن يراد به ما تعورف فيه، وهو هنا ممتنع لما سلف... ويحتمل أن يراد به الإدغام، وهو ممتنع هنا أكثر من امتناع الإخفاء، وأن يراد به الإظهار الذي ليس فيه فحش، وهو السائغ والصواب، وإذا كانت عبارة الإخفاء على هذا وجب حملها على السائغ الصحيح، ويكون الخلاف بين أهل العلم لفظيًّا... وحَمْل أقوال العلماء على الاتفاق والصحة ما أمكن أولى".

وهو نص طويل، اختصرته لما فيه من الاستطراد والجمل المعترضة بالاستشهاد بأقول علماء آخرين، أو بالقياس، وأغلبه مذكور في أصل البحث، وفي كتابي: "مشكل صوتيات القرآن" على التفصيل.

واستدلاله هو الاستدلال المذكور أولًا، وهو أن أهل العربية لم يذكروا الإخفاء في الميم، والتعبير بالإخفاء كان من لدن ابن مجاهد (-324هـ)، أخذ التعبير عنها به من الفراء (-207هـ) تجوُّزًا. ولو كانت تُخفى كما تخفى النون لأزيلت عن مخرجها، وهو الشفتان، وهي ليست مثل النون في ذلك، لأن النون يمكن أن يبطل عمل اللسان عند إخفائها فتكون في الخيشوم فقط، وأما الميم فلا يمكن إبطال عمل الشفتين معها، ولا تقليل انطباقهما أو تخفيفه، فهو لم يُنقل ولم يعرف قبل الـمَرْعَشي (-1150هـ)، وقد ذكره اجتهادًا منه، كما بينت غير مرة.

وكنت قوَّيت هذا الرأي في لفظية الخلاف المحكي بضبط الميم الساكنة الملاقية للباء بالسكون، فهو غير منصوص، كما في الطراز (ص 145) للتَّنَسي (-899هـ) ودليل الحيران (ص 260) للمارِغْني (-1349هـ)، كلاهما في شرح نظم الخراز (-718هـ) نفى وجدان نص في تعرية الميم.

ثم وجدناه في مصاحف كثيرة مخطوطة بعضها يرجع إلى المائة السابع مضبوطًا بالسكون، وهو الأصل، وهو الصحيح الملائم لإظهارها، وللخلاف اللفظي فيها.

كتبه محمد بن خليل الزروق لليلتين بقيتا من شهر جمادى الآخرة من سنة 1442ه الموافق 10/2/2021م.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  1027