الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

وعي القراءة في كتاب (التليسي مؤرخا) للأستاذ عمار جحيدر

محمد الصادق الخازمي

مقالة

تاريخ النشر: 2020/11/19
اقرأ للكاتب
هذا الكتاب من المنجزات القليلة في الثقافة الليبية عن كاتب ليبي كبير هو الأستاذ خليفة التليسي رحمه الله، وهذه ليست الخصيصة الوحيدة في كتاب الأستاذ عمار، بل الأكثر من ذلك أن هذا الكتاب من الكتب القليلة التي أخلصت لموضوعها، وأشبعته تتبعا، ونظرا، وقراءة.
وهذا النوع من الدراسات لا يكاد يوجد بالطريقة التي أنجزها الأستاذ عمار؛ لأسباب كثيرة، قد يكون من بينها أن هذه البلاد لم تعرف الإشادة الموضوعية بأبنائها، والإشادة الموضوعية غير الإشادة الاحتفائية. الإشادة الموضوعية أن تغوص في فكر الكاتب، وأن تناقش اتجاهاته، وتتعرف على أدبه، وفنه، وذوقه، وكم أقيمت من احتفائيات بأدباء وليبيين ثم لم يخرج الحاضر منها بشيء عن أفكار المحتفى به، ولا سَعِدَ الـمـُكرَّمُ برؤية أفكاره تُفهم، وتناقش، وجهوده تذكر تفصيلا من غير حذف، ولا تقصير، ولا كسل.
جهد الأستاذ عمار جحيدر في كتابه (التليسي مؤرخا) يبدأ من التصنيف الواعي بمكانة فن التأريخ في الثقافة الليبية، ويحاول في الفصل الأول أن يقدم تصنيفا للتأريخ الليبي في القرن العشرين؛ فيجعل المؤرخين فيه أربع طبقات، وجعل الكاتبُ المؤرِّخَ التليسي في الطبقة الثانية مع المؤسسين الأوائل، وسبقتها طبقة أولى للمخضرمين جعل فيها: الشيخ الطاهر الزاوي، وإسماعيل كمالي، ومحمد الأسطى، ومحمد الطيب الأشهب، ويلاحظ على تصنيف الأستاذ عمار أنه يغلِّب منهج التأريخ في تصنيفه، ولا يلتفت للعوامل الموضوعية التي تتعلق بقيمة الجهد، والأعمال التي يقدمها الكاتب؛ فمثلا يقدم محمد الأسطى على محمد الطيب الأشهب ترتيبا؛ لأن الأول سبق الثاني في تاريخ الميلاد ببضع سنوات فقط، وهذا منهج صارم التزمه الأستاذ عمار في كل بحوثه: الإخلاص للتاريخ، والإخلاص للاستقصاء، وهما محمودان رائعان، لو وُشِّحا بشيء من التقويم الموضوعي؛ فالتآليف، والجهد، والأعمال قد تتجاوز الترتيب الزمني في بعض الأحيان، كما لا يخفى.
ومن أهم ما يقدمه الأستاذ عمار في كتابه المفيد عن التليسي وقفته التي تأنَّى عندها قليلا في (محطات الوعي بالكيان)، وهي عبارة مؤثّرة أطلقها الأستاذ التليسي، ودار حولَ مدلولِها المؤلف، ولا يخفى أن الشعور الوطني القومي الليبي بدا غامضا في كثير من مراحل التاريخ، كأن الليبيين لم يعتبروا أنفسهم كيانا مستقلا مهما في محيطهم الجغرافي، وفي عجلة التاريخ أيضا، فبقي الولاء عاما للدول الإسلامية المحيطة، ولم تصطبغ البلاد بصبغة خاصة تميّزها عن غيرها من الأمم، وهو أمر لم تكن بلادُنا بدعا فيه، ولكن تأخّر إبراز دور علمائها، وفقهائها، والمنتسبين إليها زاد من ضعف تشكّل الهُويّة الخاصة للبلاد. والولاء يتشكل بالإنجاز، أو بوحدة العرق، أو بالدول القوية التي يكون دورها فارقا في التاريخ والمحيط، ومن هنا فإن من أهم ما أنجزه الراحل التليسي حديثه عن المحطات الرئيسية الثلاث التي شكّلت (الوعي بالكيان الليبي)، وهي: ابن غلبون وصلته بالقرمانليين، وأحمد النائب في منهله العذب، والمرحلة الحديثة التي كان رائدها بلا ريب الشيخ الطاهر الزاوي.
وهذه الفكرة تحتاج تعميقا وجهدا وبحثا، ولعل من حسنات مؤلف الأستاذ عمار أن جعلها في الفصل الأول؛ لأن الفكرة من الأهمية بمكان للبحث التاريخي، والسياسي، والسوسيولجي أيضا.
ومن حسنات الأستاذ عمار أنه لا يُخفي عن قارئه مصادرَ تأثره، ولهذا قرأت له في أكثر من موضع كلمات الإشادة بعبارة (محطات الوعي بالكيان)، وكأني به يحب هذه العبارات المفتاحية الملهمة، كما هو الحال في عبارته الخاصة التي يحبها (الفهارس مفتاح النص).
ورغم الالتزام الصارم بالمنهج التاريخي فللأستاذ عمار استطرادات لطيفة جميلة هنا وهناك، تجدها في الهوامش أحيانا (ومن الغريب أنه يطلق لفظ الحواشي على كل الهوامش التي يتحدث عنها دون تفريق بين المصطلحين)، وفي المتن حينا، لكنها كلها من باب الفوائد التي لا تُترك، ولو جاز لمثلي أن يقدم النصيحة لكاتب كبير مثله لطلبت منه الإكثار؛ فإن استطراده كثير النفع، جمّ الفوائد.
ويقدّم الأستاذ عمار بيبلوغرافيا محكمة لمنجزات التليسي، مشفوعة بالرسومات البيانية، والنسب المئوية لموضوعات جهده، وقد درس هذا الجهد من جوانبه كافة؛ تاريخ الإنجاز، ونوعه، موضوعه، وتاريخ نشره، وعدد صفحاته، وكل المعلومات التي لا شك أنها أخذت منه جهدا عظيما ووقتا طويلا، لكنها قدّمت خدمة مكتبية رائعة للدراسات الفنية اللاحقة التي تقوم على مؤلفات التليسي، وتقطع عذر غياب المصادر، أو عدم المعرفة بها على المتصدّين لذلك.
ثم يقدم الأستاذ عمار قراءته لبعض أعمال الأستاذ التليسي التاريخية بعنوان (عروض أولية عامة)، ولا يغرّنْك هذا العنوان فالرجل قد بذل جهدا في القراءة والتتبع، وخرج بخلاصات لا تتهيّأ إلا لمن بذل الوسع، وأعظَمَ الإحاطة، وقد يبدو في عرضه حييًّا متأدبا مع أستاذه التليسي، فيتحدّث مثلا عن قصور الفهرسة في كتاب ( معجم سكان ليبيا)، ويضرب لذلك مثلا من بحثه الخاص عن (القولوغلية) فلا يجد الفهرس مستوفيا لمواضعها في المعجم، وملاحظات أخرى كثيرة، وينقل مع ذلك فخر المؤلف بفهارسه، وحين يعلق على بعض الخلل في النقل المترجم في كتاب (التاريخ العالمي في حوض البحر الأبيض المتوسط) يغلبه الحياء الذي عُرِف عنه فيستدرك: "وأرجو ألا تعد هذه الإشارات المتواضعة افتئاتا على مقام أستاذي الجليل المؤرخ رحمه الله تعالى...".
وواجب البر بالعلم كواجب البر بالآباء، والمعلمين، ومن المهم أن تطرح القضايا الهامة في كل نقاش علمي، وألا تكون الدراسات عن إنجازات العلماء تمجيدا وثناء خالصا فقط من غير ذكر ما يتمم أعمالهم، ويتلافى قصور بعضها، ويقيم المنآد من أصلاب أخرى.
والأستاذ التليسي -بعد- من الأدباء، والمؤرخين، والسياسيين أيضا في هذه البلاد، له دور الريادة في الكتابة عن التاريخ الليبي من المصادر الإيطالية خاصة، بعد أن بعدت عنه أو لم تكن الظروف الخاصة به تسمح بالاستقصاء والبحث والنظر في المصادر الشفوية والمخطوطات التي هي مبثوثة متفرقة أو مفقودة في أنحاء هذه البلاد.
ومن ميزات الأستاذ التليسي القراء الجيدة الواعية للتاريخ والأدب، ولهذا جعلت عنوان هذه المتابعة لكتاب الأستاذ عمار: (الوعي بالقراءة)، فأنت تجد الكاتب الجيد، والقارئ المكثر، لكنك قلما تجد قارئا جيدا يجيد فهم الأفكار، ويحسن البناء عليها، ويضعها في مكانها الذي يناسبها.
وأضاف التليسي إلى هذه الميزة العظيمة قدرته على النظر العام الموسوعي، فلا تقيده الصغائر، أو تشغله الشذرات عن الفهم الكلي، وقد يكون هذا سببا في إقحامه قلمَه في إصدار بعض أحكام كلية؛ في الأدب، والتاريخ، وفي تراجم الشخصيات التي قد يتعرض لها قصدا أو عرضا.
ولا تقوم الثقافة الليبية بغير هذه الدراسات المستقصية المفيدة، التي تجمع بين دقة التأريخ، وحسن الفهم والترتيب، وما قدّمه الأستاذ عمار نموذج عظيم للبحث التاريخي المنهجي لم أره ينال حظه من ثناء الباحثين والكتاب، ولا تشفي ندوةٌ احتفائية بالكتاب أو كلمة تلقى الغليلَ، فكلّها لحظات تُنسى عند التفرّق عنها، ولكن التكريم الحق هو المناقشة، والتعريف، والقراءة التي تفيد من المنجزات الحاضرة، وتشحذ الروح لمزيد من البذل والعطاء.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  5519