الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

بَعْضُ ما يُنَقل عن المُبَرَّد

أسامة بن عبد الرزاق شيراني

بحث

تاريخ النشر: 2020/11/19
اقرأ للكاتب
لَسْتُ هنا في مقامِ التحامي لأبي العباس، فَتَى البصرة وفَتِيِّها، وكَهْلِ بغداد وشيخِها، ولكنَّي صَحِبْتُ كُتُبَه دَهْرًا، عجَمْتُ فيه أعوادها، ومكثْتُ طالبًا متعلِّمًا بين يديها، وأتيتُ على كلِّ ما أعرفُه مطبوعًا منها، فقرأْتُه -بحمد الله- حرفًا حرفًا.
ورأيتُ بعضَ ما ينسبُه الناسُ إليه مما هو محتاج إلى تحرٍّ، ولا يَجْمُل بالحَصِيفِ تَكْرَارُه دُون تثبُّت، وإن كان قد نَقَله بعضُ الأئمة المتقدمين، فليسَ كلُّ ما ينقلونه موضِعَ قبول، لثبوت النزاعِ والخلاف بينهم في النَّهْجِ ومسارب النَّظَر.
ومما أَذْكُرُه على سبيل المثال لا الحصر:
- نَقْلُهم عن أبي العبَّاس أنَّه كان يقول: "برَّد الله من برَّدني"، وهذه العبارة لا تكاد تجدها في كتب المتقدمين البتّةَ، وأقدَمُ من وقفت عليه ذاكِرًا لها هو الزبيدي (ت: 1205هـ) في تاج العروس(1)، بصيغة التمريضِ "ورُوِي"، ولعلَّ من أطلقها خلط بينها وبين المنقول عن سعيد بن المسيب: "سيب الله من يسيّب أبي"(2)، ويريدون من هذه العبارة: نفي صحَّة الفتح في لقبه: "المبرَّد"، وهي عبارة لا تثبت.
- ذكرَ القرطبي (ت: 671هـ) في تفسيره ما نصُّه: "وفي كتاب التذكرة المهذَّبة، عن الفارسي: أن أبا العباس المبرد، قال: لو صليت خلف إمام يقرأ: {وما أنتم بمصرخي} و{اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} -بِخَفْضِ الأرحام- لأخذت نعلي ومضيت"(3)، ولعلَّه يعني بالتذكرة المهذَّبة: كتاب التذكرة المشهورُ عن أبي علي الفارسي، وهو في حكم المفقود، والذي وصلنا منه مختارُ التذكرة لابن جني، وليسَتْ فيه هذه الحكاية عن المبرد، وإن كان مَنْعُ العَطْف من دون إعادة الخافِضِ مُشَارًا إليه(4)، وأما المنقول عن المبرد من قَطْعِه الصلاة وردِّه القراءة، فهو قول لا وجودَ له في كتبه المطبوعة، وإن كان رأيُه في العطْفِ هو رأي البصريين: وجوب إعادة الخافض، وقد عبَّر عنه في كتابه الكاملِ بقوله: "وهذا مما لا يجوز عندنا، إلا أن يُضطر إليه شاعر"(5)، واختصاصُ أبي عليٍّ الفارسيِّ (ت: 377هـ) بنقله محلُّ نظر، فإنَّ نُفُورَه من كتبِ أبي العباسِ معلوم، ولعلَّ هذا القولَ منقول عنه من كتبه المفقودة، أو مما نقله تلامذته عنه، أو من نَقْل خصومِه، وقد كانوا كثرة كاثرة.
وقد وقفتُ في المقتضبِ أو الكامل أو غيرهما من كتبه على موضعٍ يعطفُ فيه الإمام على الضمير المخفوض من دون إعادة الخافض، ولم أدوِّنه عندي، وقرأتُ الكتابين بعد ذلك مرتين ولم أهتدِ لذلك الموضع، فالله أعلم به.
- نقل ابنُ جني (392هـ) عنه في الخصائص ما نصُّه: "ومن الشائع في الرجوع عنه من المذاهب ما كان أبو العباس تتبع به كلام سيبويه وسماه مسائل الغلط. فحدثني أبو علي عن أبي بكر أن أبا العباس كان يعتذر منه ويقول: هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة، فأما الآن فلا"(6)، وقال في موضع آخر: "وأما ما تعقب به أبو العباس محمد بن يزيد كتاب سيبويه في المواضع التي سماها مسائل الغلط، فقلَّما يلزم صاحب الكتاب منه إلا الشيء النزر، وهو أيضًا -مع قلته- من كلام غيرِ أبي العباس. وحدثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال: إن هذا كتاب كنا عملناه في أوان الشبيبة والحداثة، واعتذر أبو العباس منه". ويستدلون بهذين النصين على أنَّ أبا العباس قد رجع عن مسائلِ الغلط جُمْلة، وأنَّ ذلك كان من رأي الحداثَة، ومسائلُ الغلطِ مطبوعة بين يدينا اليوم، وقد نصّ الشيخ عضيمة وغيره على أن أبا العباس لم يَعُدْ عن كلِّ ما فيها، بالنظر إلى المسائل والمقتضب(7)، والظاهِرُ أن ابنَ جني رحمه الله لم يطلع على كتاب المسائل هذا، وإن كان قد اطلع على غيره من كتب أبي العباس، ووقف على ما خطه بيديه رحمه الله غير مرَّة، كما صرَّح بذلك في كتبه(8).
- يذكرون في سبب ضُمُور شأن المقتضب بإزاء كتاب سيبويه: أن راوي كتاب المقتضب هو ابنُ الرَّاوَنْدي (ت: 298هـ -تر)، الزنديق المشهور، وأنَّ شُؤْمَه حلَّ على الكتاب فلم يُنْتَفَعْ بِه، وفي ذلك يقول ابنُ الأنباري (ت: 577هـ): "ومن أكبرها كتاب المقتضب، وهو نفيس؛ إلا أنَّه قَلَّمَا يُشْتَغل به أو يُنتفع به، قال أبو علي [أي الفارسي]: نظرت في كتاب المقتضب فما انتفعت منه بشيء إلا بمسألة واحدة، وهي وقوع إذا جوابًا للشرط في قوله تعالى: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون}. قال المصنف [أي ابنُ الأنباري]: وكان السِّرُّ في عدم الانتفاع به، أنَّ أبا العباس لما صنف هذا الكتاب، أخذه عنْهُ ابن الراوندي المشهور بالزندقة وفساد الاعتقاد، وأخذه الناس من يَدِ ابن الراوندي وكتبوه منه؛ فكأنَّهُ عاد عليه شؤمه فلا يكاد ينتفع به".
والحقُّ أن هذا الكلام بائنٌ عن نهج الصواب، عريٌّ عن بابَةِ الحقّ، وما إخالُه إلا فرية من فِرَى شانئي المبرد، شاعَتْ وانتشرتْ حتى صدقها الناس.
ووَجْهُ الردِّ على هذا الزَّعم: أنَّ المبرَّد رحمه الله صنَّف "المقتضب" في آخر أيَّامه، حين اشتدَّ عُودُه، واحتدَّ ذِهْنُه، وصارَ المُقَدَّمَ في بغداد، وكان قد اجتمع عليه أكابرُ تلامذته وأصاغرهم، فأخَذُوا عنه، وبيانُ ذلك: أنَّ للمبرَّدِ كَتَبةً اختصَّوا به، وكانوا يكتبون ما يُمْلِي عليهم(9)، وكان يُمْلِي كتابه بحضرة طلابِه، ثمَّ أخذه عن جمَاعَةٌ منهم ورووه، ولم يختصَّ بذلك ابنُ الرَّاونديّ.
وخبر إملائه المقتضب واشتهارِه بين البغداديين في حينه: يذكره تلميذه الزجَّاج في معرِض حديث آخر، إذ يقول: "دخلت على أبي العباس ثعلب رحمه الله في أيام أبي العباس محمد بن يزيد المبرد وقد أملى شيئا من "المقتضب" فسلمت عليه وعنده أبو موسى الحامض وكان يحسدني شديدا ويجاهرني بالعداوة، وكنت ألين له وأحتمله لموضع الشيخوخة، فقال لي أبو العباس: قد حمل إليّ بعض ما أملاه هذا الخُلْدِي -يعني المبرد- فرأيته لا يطوع لسانه بعبارة فقلت له: إنه لا يشكّ في حسن عبارته اثنان، ولكن سوء رأيك فيه يعيبه عندك..."(10).
وأما رُوَاة المقتضب: فجماعة من أشهرهم: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السَّرِيِّ الزَّجَّاج (ت: 311هـ)، وأبوبَكْرٍ مُحَمَّدُ بن علي بن إسماعيل العَسْكَرِيِّ، المعروف بِمَبْرَمَانَ (ت: 345هـ)، وأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن جَعْفَر بن دُرُسْتَوَيْه (ت: 347هـ).
وأخذَه عن الزجَّاجِ: أبو جعفر أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل النَّحَّاس (337هـ)، وأبو عليٍّ الحسَنُ بن علي الفارسي (ت: 377هـ).
وأخذَهُ عن مَبْرَمَانَ: القاضي أبو سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافي (ت: 368هـ)، ونُسْخَتُه التي علَّق عليها من الكتاب بين يدينا اليوم، وعنه وعن أبي عليٍّ الفارسيِّ أخذَ الرُّمَّانيّ (ت: 384هـ).
وأخذه عن ابن دُرُسْتَوَيْهِ: الإمام الحافظ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيُّ (ت: 430هـ)، صاحبُ "حلية الأولياء"(11).
وقد اتصلتْ هذه الأسانيدُ زمَنًا، فانظر إليها، وارْفَعِ السِّتْر عنها تُبْصِرْ أبا العباسِ في مجلسِهِ ممُلِيًا مُحَدِّثًا، واعْجَبْ من دَعْوَى الشانئين!
وأما ابنُ الرَّاوَنْدِيّ: فلم أقف على أحدٍ ذكر تلمذته على أبي العبَّاس أو أخذِه عنه، وإن كان ذلك محتملًا ممكنًا، لتعاصرهما، وبقاء ابن الرَّاوَنْدِيِّ زمَنًا ببغداد، فإن كان قد روى عنهُ كتابه "المقتضب" فليس هو المتفرد بروايته قَطْعًا، وإن لم يكن قد أخذ عنه، فهذا من تزيُّد الحَسَدَة.
وأما سببُ ضعفِ الانتفاع بالمقتضب -إن سلمنا بذلك جدلًا-، فهو فيما أرى: فُقْدَانُ نسخه، فَلَيْستْ له إلا واحدة كُتِبَتْ بخط مهلهل بن أحمد في القرن الرابع، وعليها خطُّ الإمام أبي سعيد السيرافي، وتعليقاته، وقد اضطربَتْ أوراق النسخة من قديمِ الزمان، فصارَ الاهتداءُ إلى وجه الصوابِ فيها عَسِرًا، وقارِنْ هذا الزَّعْم في سبب قلة الانتفاع بالكتاب، بما قاله تلميذُه ابن السراج لما مُدِحَ كتابُه "الأصول"، على ما يرويه الرماني، فقد ذكر: أنه جرى بحضرة ابن السراج ذكر كتابه "الأصول" الذي صنفه، فقال قائل: هو أحسن من كتاب "المقتضب" للمبرد. فقال ابن السراج: لا تقل هذا؛ إنما استفدنا ما استفدناه من صاحب "المقتضب"، وأنشد:
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة
بِسُعدى شَفَيْتُ النفس قبل التندُّمِ
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا
بُكاها فقلت: الفضل للمتقدم(12)

"غاشية الجزء الثالث من المقتضب، وعليها خطُّ أبي سعيد السيرافي، وهي نسخته التي أملاها ثم صححها"

"خاتمة الجزء الثالث من المقتضب، وعليها خطُّ أبي سعيد السيرافي وقَيْدُ الفراغِ"
والنسخة محفوظة بمكتبة "فاضل أحمد" بكُبْرِلِي: (1507-1508).
وختامًا، فهذا شيءٌ عرض لي لم أتبيَّن سببه، ولا مأتَاه، فإن رأيتَه غريبًا فعَدِّ عنه النظر.
والعلمُ عند الله.

________________
(1) ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس: 1/92 (ط. الكويت).
(2) وفيات الأعيان: 2/378 (ط. دار صادر)، وهذا القولُ مرويٌّ كذلك بصيغة التمريض "ورُوِي".
(3) الجامع لأحكام القرآن: 5/3 (ط. دار الكتب المصرية).
(4) ينظر: مختار تذكرة أبي علي الفارسي وتهذيبها: 431-432 (ط. مركز الملك فيصل).
(5) الكامل في اللغة والأدب: 2/931 (ط. الرسالة العالمية).
(6) الخصائص: 1/207 (ط. الهيئة المصرية).
(7) ينظر: مقدمة المقتضب للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة رحمه الله: 1/91 (ط. عالم الكتب)، وعدَّة المسائل التي بقي عليها في المقتضب ولم يغيِّر رأيه فيها: أربع وثلاثون مسألة، وفي الكامل أربع مسائل كذلك بقي فيها على ما كان في مسائل الغلط، وارجعْ إلى كلام الشيخ عضيمة في الموضع الآنف ففيه نقاشٌ وبيانٌ نافع.
(8) نقلَ ابنُ جني من خطِّ المبرد في مواضع، ومن ذلك ما قاله في سر صناعة الإعراب: "وقرأت بخط أبي العباس محمد بن يزيد رحمه الله قال: يقال امرأة ضهياء: إذا لم يكن لها ثديان، مثل الجداء والضهواء: للتي لا تحيض ولا ثدي لها" 1/123، وقوله في موضع آخر من الكتاب: "كذلك قرأت هذه اللفظة على أبي علي في كتاب القلب والإبدال، عن يعقوب، ورأيت هذا الكتاب بخط أبي العباس محمد بن يزيد، فالتمست فيه هذه اللفظة في باب الهمزة والياء، فلم أر لها هناك أثرا" 1/252 (ط. دار الكتب العلمية).
(9) منهم: محمد بن بن أحمد المعروف بابن أبي الأزهر، ينظر: الأعلام للزركلي: 5/ 309 (ط. دار العلم).
(10) معجم الأدباء: 1/55-56 (ط. دار الغرب الإسلامي)، وأما وصْفُه بالْخُلْدي: فنسبة إلى الخُلْد، وهو «قصر بناه المنصور أمير المؤمنين ببغداد بعد فراغه من مدينته على شاطئ دجلة في سنة 159، ... وبنيت حواليه منازل فصارت محلة كبيرة عرفت بالخلد... وكان المبرَّد ينزل ذلك الحي، فكان ثعلب يسمّيه الخلدي لذلك» معجم البلدان: 2/382 (ط. دار صادر)، وقد أفادني بهذه الفائدة الأستاذ: محمد بن محمدي على «تُويتر»، فجزاه الله خيرًا.
(11) ينظر في أسانيد "المقتضب" ورواياته: فهرسة ابن خير الإشبيلي: 381-382 (ط. دار الغرب الإسلامي).
(12) معجم الأدباء: 6/ 2536 (ط. دار الغرب الإسلامي).

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  2352