الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

سِكِّين

يحيى أحمد محمد

قصة

تاريخ النشر: 2020/11/11
اقرأ للكاتب
بين الحين والآخر تنتابني ميول انعزالية كاسحة، تزداد حدتها بمرور الأيام، تشيلني شيلًا وتلقيني في الملاحات. أزهد في كل شيء فتعاف نفسي فضول الكلام والطعام والمنام وأكتفي من الدنيا بأقل القليل. لقمة "صغيورة" تكفيني وعش العصفورة يقضيني.
وفي فترة من فترات حياتي عشتها في سفح جبل في بلاد بعيدة بعيدة كنت أعد لنفسي طبق سلاطة كل يوم. كنت حينها أفكر في أن أنفذ قراري باعتزال الحياة ورمي كل شيء وراء ظهري، والتفرغ للعبادة والزهادة والحدادة (مهنة شريفة تضمن لي قوت يومي وتنفع بدني وتتفق في القافية مع كلمتي العبادة والزهادة)، فكنت أقلب أفكاري مع السلاطة.
وكانت السكينة المتاحة لي سكينة حادة تشبه سواطير القصابين تصلح لارتكاب المذابح الجماعية لا تقطيع الخضروات المسكينة، فكنت كل يوم أجرح نفسي جروحًا غائرة، كلما داويت جرحًا سال جرح. كنت أغسل الخضروات بدمع العين، وأروي طبق السلاطة بالدماء. كدت أذبح نفسي وأضيع مستقبلي، ولكني لم أبال بذلك. جرح السلاطة عندي غير ذي ألم.
ودارت بي الأيام وتقلبت بي الأحوال ولفّت بي الدنيا، دوختني الدنيا، وشرّقت حتى لم أجد ذكر مغرب، وغرّبت حتى قد نسيت المشارقا. وفي يوم من الأيام، في بلاد بعيدة بعيدة، كنت حزينًا سيكا. قلت أتمشى قليلًا لكي أذيب الدهون والحزون. فما الذي حصل؟ دخلت في حذائي زلطة صغيرة. تألمت فتعلمت. أصابتني الحازوقة. انهرت. وقعت من برجي العاجي. بكت عيني اليسرى فلما نهرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا. تسربت طاقتي. والله يا عسل فقدت الرغبة في الاستمرار. قررت أن أتمدد على الأرض في انتظار قيام الساعة على شرار الخلق. وماذا عليّ لو فعلت ذلك؟ لا أحد يعرفني ولا أعرف أحدًا والبلد التي تكون غريبًا فيها، "اجري وشلّح فيها"، والذي يعرف خالي "يقوله".
نمت في مكاني، ومرت السنون، وتحللت إلى عناصري الأولية. نهشت لحمي الضباع والسباع والنسور وأكلتني ديدان الأرض. تحولت إلى شجرة برتقال، استظل تحتها حبيبان. "تباوس" الحبيبان فطلبت منهما إبراز بطاقاتهما الشخصية. أنا شجرة برتقال صحيح، لكنني لن أسمح بهذه الدياثة.
وجدت سربًا من النمل يتهادى. سألتهم: يا أيها النمل، ما فائدة هذه الأنشطة؟ ما جدوى هذه المسيرات؟ أين المعنى؟ قالت لي نملة: ليس المهم المعنى، المهم "إن احنا اتجمعنا".
حكمة أعجبتني. ذكرني تجمع النمل بتجمع الخضروات في طبق السلاطة. تذكرت الماضي البعيد، قبل أن أتحول إلى شجرة برتقال. تذكرت ليلى والسنين الخواليا. آخ، ما أعجب مر الزمان! قررت أن أعود إلى البيت وأستأنف صنع أطباق السلاطة. أقول لكم، ارتحت أخيرًا ووجدت ضالتي. ومنذ ذلك الحين وأنا لا أفعل شيئًا سوى تقطيع الخضروات وإعداد السلاطات.
بالأمس كانت عندي محاضرة عبر "زووم". رفعت الكاميرا قليلًا وانهمكت في تقطيع الخيار والجزر والتفاح. عرض الدكتور أحد الفيديوهات فلم يعمل في البداية، فأعاد تشغيله ثم سألنا إن كنا نراه، فنسيت نفسي ورفعت يدي ذات السكين. يمكن أن تُفسر هذه الإشارة المفاجئة بأنها: أوكيه، الفيديو يعمل. أو: بالـذبـح جئـناكـم. فكيف، يا ترى، فسرها الدكتور؟ هذا ما سوف تكشف عنه الأيام.

المصدر: صفحة الكاتب على الفيس بوك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  7371