الرئيسية | المتن | كنوز التراث | مختارات | تعريف | ديوان المطالعين | إدارة الموقع  

تواضُع

أبوبكر بلال الأمين

مقالة

تاريخ النشر: 2020/10/12
اقرأ للكاتب
لا حاجة للتقدمة المملة. لعلك تعرف مثلما أعرف أن النفس البشرية ميالة لحب الذات والعُجب والرفعة، وأن من وظائف الإسلام تهذيبها وتزكيتها. فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. وكفى.
تمشي راجلا إلى أقرب مركز للتبضع، أو إلى المسجد القريب، أو لتتمشى، أو لأي وجهة أنت موليها، وفي الطريق تمر بعامل نظافة أشعث أغبر، يتأبط مكنسته ليكنس بها الأرض ويجملها ويزينها، كأنه بهذا يرد لها الجميل فهو قطعة منها، أو لتحسن وفادته حينما يفد إليها، أو لأنه قيل له اختر وظيفتك فاختار الأرض، فمنها خلق وإليها يعود.
خفِّف الوطأ قليلا، أو قف وذلك أحسن، ثم بادره بالتحية والسلام، تكنْ كريما إن خاطبته بكلمتين خفيفتين تشد بهما أزره، وتحط عنه تعبه، (ربي يعاون) وارفقهما بابتسامة عريضة حاول أن تستقطعها من أعماق القلب. من المؤكد أن نفسك تعاف هذا، وفي أحسن الحالات لم يخطر بها هذا الخاطر. نعم؛ إنه لا يرتدي من الثياب أحسنها ليفرض عليك التبسم إليه، وما من قرينة تنبيك بشهرته فيقربك إلى ما تطلب. سلّم فالسلام يقربك إليه، ويشعرك بالتساوي بينك وبينه، ويذكرك بأنكما تنتميان إلى الطين ذاته.
ألا تعجبك الناحية العقلية المعنوية؟ لا بأس، دونك الناحية المادية الحسية، هذا العامل يسدي إليك خدمة جليلة، ينظف محيطك، ويدفع عنك الأمراض والأوبئة، عمله لا يختلف عن عمل الطبيب المداوي، العامل يقيك والطبيب يداويك. هل تخفض جناحك للطبيب وتبتدأه بالسلام؟ من المؤكد أنك تفعل هذا، إذا فلا أقل من رد الجميل لخط الدفاع الأول. ألق السلام وابتسم، زد على ذلك لو شئت انطلاقا من هذا المنظور.
في العمارة التي تقطن فيها ثَمَّ غفير أسمر البشرة من تلك الدولة المجاورة، يقطن الغرفة الأرضية الواقعة عن اليمين أو عن الشمال، صحيح أنك تشترك مع الجيران في سداد مرتبه الشهري، لكن لا بأس إن أتعبت نفسك قليلا مرة أو مرتين في الأسبوع وأنت السخي الجواد، وهبطت من أحد الأدوار التي تمتطيها، لتقدم إليه طبقا من وجبة غدائك الدسمة هذا اليوم.
أوووو. حسن جدا لو أنك فعلت. لو دعوته إلى بيتك ليشاركك الطعام، ودعوت أولادك ليتعلموا الدرس المجاني صغارا، كي لا يعرضون عنه كبارا، وما أكثر دروس البيت المجانية لمن استغلها. أثناء تناول الطعام سلِ الغفير عن أحواله وأحوال أهله في النيجر أو في تشاد، واسترسل معه في الحديث، مازحه كأنه أحد أصدقائك، لكن حاذر من مزحة تلتبس على الأولاد، فيظنونها سخرية أو ازدراء، فلا يؤدي الدرس مفعوله ولا يؤتي ثماره.
في أحد مفترقات الطرق امرأة تقود مركبتها الآلية، أجبرتها الظروف على القيادة. علقت في غمرة الزحام فلم تستطع أن تتقدم أو تتأخر، عهدها بالقيادة غير بعيد، والنساء في مواقف كهذه لا يحسنّ التصرف.
موقف كهذا يدعوك إلى التفكر في أنكما طين واحد، ووجب على الطين أن يأخذ بيد الطين، لا أن يقهره ويستعلي عليه، هل للطين يد؟ تمهل وانظر لنفسك في المرآة، نعم للطين يدان وله وجه، للطين جوارح أيضا، لا تضع ثقلك كله في إبهامك لتحشوه في منبه السيارة، لا ترفع صوتك بالسب والشتائم، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير، حاذر من أن تتشبه وأنت لا تدري، قبل قليل كنت من المستعلين عليها، وفجأة بقدرة قادر أصبحت دونها. تذكر أنها لو كانت رجلا لترددت في فعل هذا. حاول أن تخلصها من الشرَك المحرج، تقدم بالمركبة قليلا أو تأخر. خذ نفسا وحاول أن تحدث فرجة في جنبات النفس حتى تستطيع إحداثها في الطريق.
في العمارة المقابلة لسكناك عمال أجانب، بعضهم ركب البحر، وبعضهم قطع الصحراء، وعلى مفترق الطرقات سائل يسأل الناس، وفي تلك الناحية حيوان أليف قط أو قطة، وفي تلك النافذة عصفور ظمآن، وأمامهم نفس بشرية في الاختبار، تنظرهم جميعا بعين الدونية، وبينكما حياة تهب الدروس مجانا، وتعاليم ترشدك للهدى والصراط المستقيم. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. صدق الله العظيم.
عثمان بلال لامين2020/11/02
صدق الله العظيم. أحسنت النشر. بارك الله فيك.

الاسم
رمز التحقق  أدخل الرقم في خانة التحقق  5690